كاتب وصحافي عراقي: لا.. بل دفاعا عن “الجزيرة”



عدد القراءات 1465

كاتب وصحافي عراقي: لا.. بل دفاعا عن

هوية بريس – رائد الحامد

الحنين إلى عهد صدام حسين وذكر بعض مآثر سني حكمه، أجبرت الكثير على الدفاع عنه في وسائل إعلام مختلفة، بعد تردي أوضاع عراق ما بعد الغزو إلى مستويات لا تليق باسم العراق وحضارته وعمقه التاريخي ودوره الريادي؛ لكن دفاعا كهذا عادة ما يكون مشفوعا بعبارة «ليس دفاعا عن صدام حسين» توافقا مع المناخ السائد، الذي كان يجرّم إلى حد ما الإشادة بصدام حسين.
ومع تصاعد الحملة لإغلاق قناة «الجزيرة» منذ أزمة الخامس من يونيو، تتكرر العبارات ذاتها حين يئن أوان الحديث عن قناة «الجزيرة» بالقول «ليس دفاعا عن قناة الجزيرة»؛ لا نقول ليس دفاعا عن قناة «الجزيرة»، بل دفاعا عنها وعن الدور الذي اضطلعت به طيلة عقدين زادا عاماً واحداً من التفرد في الخطاب، وأسلوب مخاطبة المتلقي العربي، بلغةِ خطابٍ بعيدةٍ عن أحادية خطاب الأنظمة المألوف الذي مقتته الجماهير وعانت منه طويلاً، في استلابٍ كاملٍ للعقول، وتغيّيبٍ للوعي، وحصارٍ ومحاصرة وإغلاق سُبل الحصول على المعرفة والوصول إلى المعلومة غير المقنّنة من أجهزة الأنظمة.
عكست أحادية الشاشة طويلاً أحادية الفكر، وبث وعي أرادت الأنظمة غرسه عُنوةً في عقول أبناء مجتمعاتهم، بدون بدائل متاحة تُذكر للفرز بين هذا وذاك، وإعطاء هامش من حرية اختيار القناعات وتبني فكرةٍ ما دون سواها طالما انسجمت مع ثقافة المتلقي وباتت مقبولة عقلاً ومستساغةً منطقاً؛ وكانت إذاعة «صوت العرب» أنموذجاً لسعي النظام الرسمي العربي في فترةٍ عُرفت باسم المد القومي «لتدجين» عقل المتلقي بخطابٍ أحادي الجانب، للقبول بانتصاراتٍ زائفةٍ وبطولاتٍ وهميةٍ استساغتها الجماهير وهتفت لها، فيما غضّت الطرف بعيداً عن واقعٍ يُشير إلى تدمير الترسانة الحربية لدول المواجهة ومطاراتها وخسارتها الأرض.
عملت قناة «الجزيرة» أو ما تعرف اليوم باسم «شبكة الجزيرة» منذ بداياتها في عام 1996 وسط أجواء رافضة لكلّ ما هو بديل عن البث المُسيطر عليه من الأنظمة، وبلغت ذروة الرفض مع بدايات دخول البث الفضائي عبر الأقمار الصناعية، الذي جُوبه بفتاوى دينيةٍ وتحذيراتٍ من خُطورة «الغزو الفكري»، ومحاولات الغرب «لإفساد أبناء وبنات الأمة» عبر ما تبثّه تلك القنوات من مواد تصل إلى البيت العربي المسلم بكلّ يسرٍ وسهولة؛ لكنّ «شبكة الجزيرة» تكاد تكون خارج تلك القياسات والمعايير في سنواتها الأولى، حتى عند المفتين والدعاة قبل أنْ تبلغ مديات غير مسبوقة في التأثير في الرأي العام وصناعة الوعي لدى المتلقي العربي، مع الانتشار الواسع للقنوات الفضائية التي دخلت إلى كلّ بيت عربي، مع استثناءات في دولٍ لمْ تسمحْ باستخدام أجهزة الاستقبال حتى وقتٍ متأخر، مثل العراق الذي منع نظام الرئيس الراحل صدام حسين حيازة هذه الأجهزة لغاياتٍ أخرى حتى سقوط نظامه في أبريل 2003.
اجتازت شبكة الجزيرة بكلّ ثقة «المحرمات» التي أسس لها النظام الرسمي العربي الموصوف عادةً بـ «القمعي»، مع تنويع واسع في تناول القضايا من زوايا عدّة، ليس أقلها أنْ تستضيف أصحاب الرأي المضاد، بما فيه استضافة مسؤولين وأصحاب رأي من إسرائيل لإبداء وجهة النظر الإسرائيلية أمام المتلقي العربي، وعادةً ما تنتهي هذه اللقاءات بمشاداتٍ حادة «خارج النص» ضمن هامش يعكس الجانب العاطفي في شخصية المذيع في القناة المنحازة دائماً للحق العربي الفلسطيني، وهو قد يكون الخروج الوحيد عن مهنيتها المعهودة، على الأقل ما قبل أزمة الخامس من يونيو الخليجية، التي حرّرت الشبكة من التزامات الميثاق الإعلامي الموقع عليه بين الدول الخليجية الست، بعدم تناول الشأن الداخلي للدول الأخرى بما يخالف السياسات العامة لكلّ دولةٍ من الدول.
من بين قائمة «المطالب» التي تقدم بها رباعي المقاطعة يبرز المطلب السادس الذي يدعو إلى إغلاق «شبكة الجزيرة» الفضائية والشركات التابعة لها، فيما طالبت في البند الحادي عشر حكومة قطر بإغلاق المواقع الإلكترونية والصحف ووسائل الإعلام الأخرى الممولة من الحكومة القطرية، التي رفضت مثل هذه المطالب على لسان أمير دولة قطر الذي أكد لبرنامج «60 دقيقة» على قناة «سي بي أس» الأمريكية أواخر أكتوبر إنّ سيادة قطر «خط أحمر» وأنّ قناة الجزيرة «لن تُغلق».
ليس واضحاً أنّ شبكة الجزيرة تبنّت خطاباً إسلامياً منحازاً إلى جماعةٍ بعينها، وفقاً لاتهاماتٍ وردت ضمن لائحة «المطالب» أو «الشكاوى» من رباعي المقاطعة؛ لكن لا خلاف على إنّ الشبكة انحازت تماماً إلى جانب حركة التغيير التي تبنّتها قطاعات واسعة من الشعوب في بلدان «الربيع العربي»، والتي آتت أكلها في تونس ومصر، قبل أنْ تُجهز عليها قوى «الثورات المضادة»، التي أنفقت المليارات لإجهاض حركات التغيير التي استهدفت أنظمة استبدادية قمعية سمتها الأساسية الفساد والمحسوبية وقمع الرأي الآخر وحرية التعبير، التي ما هي إلاّ حق فطري لا يحق لأحد منازعة أهله في المجتمعات المتحضرة.
إذا كانت «شبكة الجزيرة» حظيت بالقسط الأكبر من مساحة الهجمات على وسائل إعلامٍ مختلفة، فإن السياق العام يأتي في إطار أوسع من حملات منظمة للتضييق على وسائل الإعلام والإعلاميين، عبر سلسلة من الإجراءات الصارمة، التي تمّ تأطيرها بقوانين تحد من حرية الرأي والتعبير، ومواد قانونية إجرائية اتسعت لاعتقال المزيد من الصحافيين والإعلاميين، وحتى بعض الناشطين على موقع التدوين المصغر، الذين تتم محاكمتهم والحكم عليهم بالسجن على خلفية تغريدات تنتقد أو تُسيء لدولةٍ ما أو مسؤولٍ ما، أو بتهمٍ أخرى، منها ما يندرج في قوانين تجريم «التعاطف مع قطر».
مُنذ ظهورها لأول مرة لعبت «الجزيرة» الدور الأكبر بدون منازع في صياغة رأي عام عربي بعيد عن النمطية السائدة، شكّل نقلةً فارقة من دائرة «المُحرمات» إلى دائرة «المباحات» التي ظلت من المُحرمات لعقودٍ طويلة من استغفال المتلقي، ما أثار حفيظة أنظمة عدّة لمْ تتوانَ في توجيه انتقادات حادّة لأداء «الجزيرة» على لسان أعلى مسؤولي تلك الدول، ومن بينهم رؤساء وأمراء وملوك رأوا في مناسبات عدّة أنّ القناة تعكس التوجهات العامة لسياسة دولة قطر، وهو ما تُصرُّ على نفيه بشكلٍ رسمي، مقابل آراء ذهبت إلى أنّ التمويل المفتوح للقناة ساهم بشكلٍ ما في تعزيز صورة قطر أمام الرأي العام العربي والعالمي، كما ساهم في بعث الروح في مفاهيم مغيّبة عمداً مثل حرية التعبير والحق في التغيير الديمقراطي ونبذ الاستبداد السلطوي.
هناك واقع عربي يفرض على قناة «الجزيرة» أو غيرها الاضطلاع بدورٍ فاضح لجرائمَ تُرتكب بحق مدنيين أبرياء، يروحون ضحية قصف طائرات أنظمة تواجه حركة «التغيير» في ليبيا مثلا أو سوريا، لكنّ ما تغض الطرف عنه قنواتٍ أخرى لدواعٍ واعتباراتٍ معينة لمْ تسكتْ عنه قناة «الجزيرة» التي طالما بثّت مشاهدَ مباشرة من ميادين الحركات الاحتجاجية لقتل محتجين في القاهرة وصنعاء ومدنٍ سورية عدّة وليبية؛ هذه المشاهد يتمُّ تفسيرها بموقفٍ منحازٍ للقناة إلى جانب حركات «التغيير» التي تستهدف أنظمة قمعية واستبدادية عانت منها الشعوب على مدى عقود.
وإذا كانت حركات الإسلام السياسي قد تصدّرت مشهد ساحات وميادين الحركات الاحتجاجية، فهو واقع لا تستطيع الجزيرة أو غيرها التعتيم عليه، وهو في كل الأحوال ليس ذنب القناة أن تنقل المشهد العام كما هو في واقعه؛ لكنّها جُوبهت بتهمة دعم وتأييد حركات الإسلامي السياسي، التي تُكنّ لها دولٌ عدّة خصومة مستديمة، ووضعتها على لوائح المنظمات والتنظيمات «الإرهابية»، مع غياب أيّ أدلة على استخدام العنف من قبل تلك الحركات.
ستبقى «شبكة الجزيرة» بكل تأكيد صوتاً متميزاً مثيراً للجدل مُختلفا عليه في أوساط عدّة؛ لكنْ ليس ثمّة ما يدعو للقول باحتمالية غياب هذا الصوت أو تغييبه؛ وسيبقى احتمال إعادة النظر في سياسات الشبكة قائماً بدون المساس بثوابتها المعهودة مع تضييق في الهامش المتاح تناوله من قضايا الأمة أو شؤون داخلية تتعلق بهذه الدولة أو تلك؛ وسيبقى تصور غياب «شبكة الجزيرة» بعيداً في المدى المنظور طالما أنه سيشكل خسارةً حقيقيةً لنسبةٍ مهمةٍ من مجتمعات تواقة لقيمٍ مغايرة لقيم أخرى تمّت قولبتها عليها طيلة عقود.

لا يوجد تعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق