ما لم يره ابن بطوطة في رحلاته



عدد القراءات 1095

ما لم يره ابن بطوطة في رحلاته

هوية بريس – عبد المجيد آيت عبو

“وفي الخامس والعشرين من هذا الشهر، ركبتُ قاربا رفقة جماعة من الهنود، وقصدت قرية من القرى المجاورة لمدينة ملتان، وإني مذ وظئت قدمي بلاد الهند وأنا أرى من عجائب وغرائب أهلها وعاداتهم ما لم تره عيني في غيرها من بلاد الدنيا، وإنما دعاني الفضول إلى زيارة هذه القرية لأنَّ جُلَّ من لقيتهم يَحكي عن تفنن أهلها في إظهار الخوارق، وتباهيهم في ألوان السحر والشعوذة، وصنع العقاقير التي لها خواص عجيبة.

وقد حدثني من استضافنا في هذه القرية أن بعض حذَّاقهم صَنَع مشروبا يسافر بعقل شاربه عبر الزمن، فيستدعي لذاكرته بعد حجبها صورَ الحياة المختلفة من الماضي أو الآتي بحسب توافق المشروب مع أمزجة الشارب. قال لي صاحبي: بلغني أن شابا تَمَلَّك جُرَعا من ذلك الشراب، فشربها، فاستلقى يوما وبضع يوم لا يُبدي حَراكا، يحسبه الناظر إليه ميتا، فلما أفاق أجبر جلساءه بأنه شهد حربا بين قبيلته وبين قبيلة مجاورة، وحدثهم بتفاصيل تلك الحرب وتاريخها وقاداتها وما جرى فيها من أحداث، فاستغربوا منه ذلك، إلى أن بلغ خَبَرُه بعض شيوخ القبيلة ممن أدركه ذلك الزمان وهو صغير، فلم يَنْقَض العجب من الشيخ إذ طابق خبر الشاب ما كان حينئذ. إن كلام صاحبي حثني على التماس هذا الشراب، ولئن صح ما أخبر به فإنه العجب العجاب، فرغبت في العثور عليه، لكن اشتغلت عن الاهتمام بذلك بعد مضي بضعة.
وفي اليوم العاشر من زيارتنا أضعت رفاقي ببعض الفجاج الملتوية، وألقى بي تعقبهم إلى فلاة مقفرة أجوبها يمنة ويسرة، وقد بلغ مني الجوع والعطش مبلغهما، فنسيت تعقب أصحابي لشدة ما بي، وصار همي لُقمة أتبلُّغ بها، أو شربة أرتوي منها. وبعد جهد ونصب لمحت من بعيد خيمة معزولة، فقصدتها، فلما رآني صاحبها بشر حال، قدم لي بعض الطعام، فالتهمته في نهم، ثم أخذ قارورة من كمه وصب منها بضع جرعات وناولينا فقال: اشرب، عسى أن تنتعش من هذا الشراب ويخفف من أتعابك. فحمدت له الإكرام، ثم شربت تلك الجرع، وانزعجت من طعمها، فاستسغتها على مضض. فلما استقرت في أحشائي، أحسست بدبيب يسري في كل أعضائي، أصابني منه فتور واسترخاء. فتحت عيني، التفتت يمينا وشمالا كالمذعور. أين أنا؟ أي بلاد هذه؟ منازل شاهقة، وطرق مرصوصة، ومراكب تسير بعجلات أربع، وأخرى بعجلتين، ومركب آخر يزحف زحفا ويخيَّل إليك من طوله أنه أفعى ضخمة سير سيرا حثيثا وهي تتلوى. ماذا أرى؟ أهي البلاد التي يقال عنها بلاد الوقواق؟ أجنٌّ من أراهم أم إنس؟ مر بي رجل فرآني أتخبط كالمجنون فقال لي: هل أضعت طريقك أيها الشيخ؟ قالها بلغة غاب عني منها أكثر مما فهمت. فقلت: أي بلاد الله هذه؟ قال: بلاد المغرب الأقصى، وهذه مدينة الرباط. فقلت: بلدي وموطني، أعرف رباط الفتح جيدا، وأنا من مدينة طنجة. لكن، ماذا جرى؟ هل الزمان غير الزمان؟ في أي عام نحن يا هذا؟ فأجابني الرجل وملامح إشفاقه على حالي بادية على محياه: نحن في منتصف عام 2018. قالها فحبست أنفاسي، وعلمت أنني قفزت عن زمني بتأثير الشراب، ولم يخطر بخلدي أن أتجاوز كل هذه السنين.
سرت أتجول في أزقة الرباط وأجوب شوارعها وفضولي يملأ المدى. استمر بي المسير حتى أدركني الليل، ولا تزال خطواتي تكشف أعاجيب المدينة وغرائبها حتى انتهت بي إلى مكان فسيح تتعالى فيه جلبة أصوات وصخب وصياح وصفير. اقتربت من المكان فرأيت أمواجا من البشر يتراقصون ويتمايلون، قد اختلط فيهم الرجال بالنساء، والصغار بالكبار. رأيت النساء كاسيات عاريات، قد ارتدين حفنة من ثياب تكشف عن كل مفاتنهن. قلت: هذا الهرج والمرج الذي يكون بين يدي الساعة؟ أي منكر هذا؟ أبلغت أمتنا من فساد أخلاقها هذا المبلغ؟
وقفت مشدوها، تَسَمَّرت رجلاي من هول ما رأيت. صخب من الألحان تصطك له الاذان، وفتيات يرتمين في أحضان فتيان. هالني ما رأيت، ثم وليت منهم فرارا من صاعقة تنزل من السماء، أو يعمني الله معهم ببلاء. فما وقفت بي قدماي إلا عند مسجد حسان، فأسندت ظهري إلى أسطوانة من أسطوانات ساحته وأنا أرتجف من الفزع والخوف والحسرة، فمر بي كهل وتوقف يرقبني مشفقا على حالي، فقال: هل أصابك مكروه أيها الشيخ؟ فحكيت له ما رأيت، فابتسم في وجهي وقال: لا عليك، هذا مهرجان موازين، يقام في المدينة كل عام، يحج إليه الناس من كل مدينة، ويفد إليه أهل الغناء والرقص من كل بلاد الدنيا، وتنفق عليه مئات الملايين، وقد تأتيه العاهرات الماجنات وذوو الشذوذ المنبوذون في أوطانهم فتنفق عليهم الأموال الطائلة. قلت: أما من سبل تنفق فيه تلك الأموال حتى تضيع في أيدي هؤلاء المعتوهين؟ قال: بلى، فتعليمنا في الحضيض، وقطاع الصحة يحتضر من كثرة التهميش والإهمام، والأسعار ملتهبة، ودخل الفرد منا ممن يحسبه الناظر إليه من أهل السعة؛ لا يكفي سد احتياجاته، أما الفقراء عندنا فمقهورون قهرا، وإن أحدهم قد لا يملك ما يشتري به حبلا ليشنق به نفسه. قلت: هذا والله العبث، أين القسط والعدل؟ وأين الدين والحياء؟ أين مروءة من يُصغي لسافرات فاسقات متبرجات يتراقصن ويتمايلن؟ قال: أما بلغك أن إحدى العاهرات وفرقتها صعدن أمام الملأ بلا سراويل، وأَلَيَاتُهن تضطرب أمام أعينهم كالحمر والبهائم؟ قلت: واأسفاه، واحسرتاه على أمتي. أين علماؤها من هذا المنكر؟ أرضوا بالسفاهة والخنا والفجور؟ أبلغ بأمتي أن تصرف فيها أموال المسلمين للفسقة والماجنين؟ أيرضى حكامهم وذوو الرأي منهم أن يكونوا عونا على هدم الفضيلة والأخلاق؟ أيحصل هذا بعلم منهم؟
قاطعني الرجل إذ رأى بقربي قارورة صغيرة كان يصرف إليها نظره منذ وقف بجانبي، قال: أتشرب ماء “سيدي علي”؟ ألست من المقاطعين؟ قلت: القارورة ليست لي، ولم أدر قصدك. قال: إن الشعب عزم على مقاطعة بعض السلع والمنتوجات بسبب الغلاء في الأسعار، ومن ذلك شركة الماء المعدني “سيدي علي”. قلت: سبحان الله، تتواطؤون على مقاطعة تلك السلع، ولا تتحدون في مقاطعة هذه العهر وهذا المجون الذي يهدد صرح الفضيلة، ويهتك حجب الحياء، وتضيع فيه الأموال؟ أليس هذا أولى بالمقاطعة؟ قال: بلى. أحسست بيد تهز كتفي، ثم انتبهت، فسمعت الرجل يقول: استغرقت في إغمائك أيها الضيف، فتعب السفر قد أضنى جسدك وأحوجك للنوم. بقيت محملقا في محيا الرجل وفي أجاء الخيمة وصدى الصخب يتردد في أذني، وفي كل لحظة أستعيذ بالله من الشيطان وأقول: قد سَبَحَت بي أضغاث الأحلام بعيدا، واستدعى لها الشيطان كل فتنة وبلية. أَوَاقِع في أمتي ما رأيت؟ أعاذها الله من الشر، وأنار لها طريق اليمن والفضيلة، وجعل غدها مشرقا. وهنا تذكرت المقاطعة فقلت: وأعانها على التمسك بمقاطعة كل شر، آمين.
جلست مع صاحب الخيمة نتجاذب أطراف الحديث، وتحرجت أن أثير مسألة الشراب العجيب. استضافني يومين، وفي الثالث وجدني أصحابي بعد جهد، وحزنوا لافتقادي. وفي اليوم الرابع حزمنا رحالنا وانطلقنا إلى قرية أخرى تشتهر عندهم بقرية التنين…”.

3 تعليقات

  1. العجب انه لم يرى في طريقه اناس يحجون الى قبور الاولياء ولالة عايشة البحرية و بن مشيش و احمد التيجاني وغيرهم من مشاهد الشرك التي تعرف رواجا بالتزامن مع مهرجان الرذيلة والعهر و الشذوذ ….

    اللهم اهدي قومنا واصلح احوالنا و ابعد عنا المفسدين

  2. الم يخبر بما فعله وزير التوقيغات وموازين بكل امام سولت له نفسه ان يتكلم عن المقاطعة والمقاطعين وعن حيحة موازين وعن افريقيا وسيده علي وحليب الاقطاعيين

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق