مراجعة كتاب “صحيح البخاري: نهاية أسطورة”



عدد القراءات 535

هوية بريس – خالد التايدي

1- في البدء

إنْ كان “طه حسين” في كلمته التي قدمها بين يدي كتاب أبي رية “أضواء على السنة المحمدية” أثنى على جهد أبي رية وأعلى من مقامه، إلا أن ناشر كتاب “الأسطورة” رغم اتفاقه مع “طه” في الثناء على الجهد غير أنه من حيث لم يتفطن أزرى بالكتاب وسطر عبارة طريفة يقول فيها: إن “الباحث لم يأت بشيء من عنده” (الأسطورة، ص:12)؛ فجاءت هذه المراجعة لتثبت هذه الدعوى وتبرهن عليها.

وقد كان في العزم أن تأخذ المراجعة مسارها المعتاد؛ بحيث تتصدى للأفكار وعرضها ومن ثم مناقشتها، لكني تفاجأت أثناء القراءة أني بإزاء مجموعة عقول وأساليب متباينة، تارة تعلو وأخرى تنزل لمستوى لا يليق ببحث أكاديمي “لم يسبق إليه أحد” بتعبير الناشر، علاوة على نوع تناقض في الأفكار لا تخطئها عين القارئ، يستدل على ثبوت أمر في مبحث وينفه في مبحث لاحق، إضافة لغياب صارخ للمصادر والمراجع؛ كل أولئك يوحي بأن ثمة سرقة لجهود الآخرين نُسبت زورا للأستاذ “رشيد أيلال”؛ فتغير المسار من مناقشة الفكرة إلى التثبت من نسبتها وقائلها، وتاليا للجواب عن السؤال المتمخض من حالة السرقة العلمية: ما مدى أهلية الكاتب لخوض غمار بحث يحطم من خلاله “أسطورة البخاري” معتمدا على معاول مُعارة، بل ومسروقة؟!

2- بنية الكتاب

تَجسّد جهد الكاتب في لمّ شتات جهد الآخرين وتوزيعه على فصول خمسة. وسأعتني بالأفكار المركزية لكل فصل وأحيل على آبائها الشرعيين؛ تجنبا للإسهاب، وإلا فالأفكار الهامشية والنقاشات والاعتراضات التي يبديها داخل المباحث؛ أيضا لا تصح نسبتها للكاتب. وعندي على ذلك عشرات الشواهد:

1- “الفصل الأول: آفة تدوين الحديث” تناول في مباحثه: إشكالية تدوين السنة وأحاديث النهي عن الكتابة وترجيحها، والحكم بالوضع على أحاديث الإذن بالكتابة، وامتناع الصحابة عن التدوين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. وهو في هذا لم يخرج عما قاله أبو رية في كتابه “أضواء على السنة المحمدية” من الصفحة 19 إلى 29، طبعة دار المعارف.

2- “الفصل الثاني: آفة علم الحديث” تطرق في المبحث الأول لمصطلح “الحديث” وأنه ما ينبغي إطلاقه على المرويات إنما هو خاص بوصف كلام الله. وترجع أصل الفكرة للدكتور محمد شحرور لما عهد عليه من تشقيقاته اللغوية ومخالفته للجميع. ينظر، “الكتاب والقرآن” لشحرور، ص:93. ومقال على موقع (أهل القرآن) بعنوان: “الحديث هو القرآن”. ثم انتقل في مباحث تالية لنزع صفة العلمية عن مجاليْ الحديث والرجال وزعم بأنهما ليسا بعلم، إنما خرافة وأكذوبة، وهو مقلد في هذا الزعم للمستشرق “شبرنجر” لكن بواسطة؛ إذ أخذ الفكرة من مقال على موقع (شبكة المسلمين المعاصرين) بعنوان: “السنة والسياسة”. وما يرجح ذلك؛ توافق في الأفكار وبعض استدلالات صاحب المقال نجدها مبثوثة في الكتاب. ثم جعل الدليل على عدم علمية “علم الرجال” كونهم يستدلون على الحقيقة بالرجال ويهتمون بمن قال أكثر مما قال، وهي عبارة بالنص أخذها بلا عزو عن صاحب كتاب “جناية البخاري” ص:19. يواصل جنايته على صاحب جناية البخاري ويسرق منه فكرة مفادها أن “علم الحديث سبب في تخلف الأمة وتعلقها بالخرافات. ص:26 من كتاب الجناية.

3- “الفصل الثالث: أسطورة البخاري” هذا الفصل مع الذي يليه يشكلان الفكرة الجوهرية للكتاب. قصد منه المؤلف إبراز هالة التقديس التي حفت بشخص البخاري، والأساطير التي نسجت حول حياته وقدراته وكراماته والإجماع المزعوم حول صحيحه. وهو في كل ذلك عالة على النجمي صاحب كتاب “أضواء على الصحيحين” أخذ منه كل مادة الفصل، أفكاره وأدلته، وهو أذكى من أن يقوم بسلخ الفصل كما هو في الكتاب، إنما يقدم ويؤخر بنوع من المكر؛ تمويها على القارئ وتضليلا أن يتفطن لسرقته، وانظر إن شئت الفصل الثالث من كتاب الأضواء، من صفحة 75 إلى 91، وقارنه بالفصل الثالث من الأسطورة ستصاب بالذعر والدهشة؛ أنى لباحث بكل هذه الجرأة؟!

4- “الفصل الرابع: سقوط الأسطورة” رام الكاتب من خلاله محاكمة البخاري للغة الأرقام الصماء -بتعبيره- وقسمة عدد الأحاديث على الساعات والأيام، واعتمد في ذلك على مقال لعبد الفتاح عساكر نقله بكامله مع عزو إليه. ثم في مبحث موال أورد إجماع العلماء على أن كل ما في البخاري صحيح وذكر ما يفند هذا القول بذكر انتقادات الأعلام لكثير من أحاديث البخاري ونسخ مقال” الرد الملجم” مع الإحالة. وتتمثل سرقته في المبحث المعنون بـــ “البخاري مجروح ومتروك” كونه لم يحل على المصدر واستفاد من أفكار وأدلة نجدها في كتاب “أضواء على الصحيحين”، من صفحة 73 إلى 86.

5- أما في “الفصل الخامس: من ألف البخاري” فنجده يردد إشكالات طرحها المستشرق “جنمانا” تتمثل في: عدم توفر النسخة التي خطها البخاري بيده، واختلافات واقعة في نسخ البخاري مما يدل على تصرف الرواة. وأفكار “جنمانا” تعج بها المواقع كل ينقل عن الآخر. وباقي الفصل نقولات عن أبي رية معزو إليها، وإحالة على بحث حول الروايات المنتقدة بسبب اختلاف النسخ. لنصل للمحصلة النهائية والسؤال الأهم: ما جديد الكاتب، وأي فكرة كان له فضل السبق إليها، وأي تحليل ودراسة للأفكار والمعطيات قدمها؟! فالكتاب: لا جديد فيه لا على مستوى الأفكار ولا التحليل ولا مقاربات جديدة لأفكار سُبق إليها.. اجترار لما قيل بلا عزو في كثير من الحالات، ثم نسمع ضجيجا حول “أسطورة تحطمت”!

3- أهلية الكاتب:

إن الخائض في مجال نقد المرويات وكتبها، المخطوط منها والمطبوع، لا بد أن يتوفر فيه شرطان: تمكّن من علم الحديث، ودراية بمجال المخطوطات، ولا نجد أيا منها متوفرا في الكاتب، فلا هو متخصص في الحديث ولا دراية له إطلاقا بالمخطوطات، وقد سئل عن ذلك في أحد الحوارات فأجاب: “لست متخصصا لكن لي حرية التعبير”. يتضح من جواب المؤلف أن لا فرق عنده بين مقام البحث العملي وبين التدوين الفيسبوكي والمقالي الذي لا يخضع لأي صرامة منهجية. وسأورد بعض الشواهد على عدم تمكن الباحث وأنه أجنبي عن الحقل المعرفي.

‌أ- التناقض المنهجي:

الكاتب لا يعترف بالمنظومة الحديثية ولا بعلم الرجال، ثم يستدل لقناعته-التي نقلها- من داخل المنظومة التي لا يرى اعتبارا لها. فمثلا يستدل على عدم تدوين الحديث زمن النبوة وبعدها بمرويات في البخاري وغيره من المدونات التي يراها أسطورة، وهذا استدلال بمحل النزاع مخل بأدبيات البحث المعرفي. قد يقول قائل: إنه في مقام المحاجّة وعليه أن يستدل بالقدر المشترك بين المتجادلين، وهذه مغالطة تضاف لسابقتها؛ إذ الكاتب ليس في معرض المناظرة وإنما التأليف والتأسيس لأفكاره، وفي التأليف لا تراعى منظومة المخالِف إنما يؤتى عليها بالنقض لا أن يستدل بشيء منها على صحة مذهب الناقض. فالمستشرق مثلا أكثر اتساقا منهجيا حينما يطعن في المنظومة الحديثية من خارجها؛ إذ يستعين بقواعد النقد التاريخي وعلم المخطوطات والوثائق، ولا يشحن كتابه بالمرويات إلا من باب الاعتراض وبيان الزيف والوضع، لا لصحة أفكاره.

لا دراية له بعلم الحديث:

تعليقاته على بعض النقولات الدقيقة أبانت مستوى الكاتب وخلفيته في هذا المجال، فنجده مثلا عند فرحه بلغة الأرقام وقسمة عدد الأحاديث على الأيام والسنوات من حياة البخاري؛ ليطعن في صحة قول الأخير إنه انتقى صحيحه من 600.000 حديث، لو كان له بعض الإلمام بمصطلحات القوم لعَلم أن المراد بالحديث هنا طرق الحديث لا متنه، إذ لفظة “الحديث” تطلق تارة ويراد بها المتن وتارة يراد بها طريق المتن أي السند، فقد تجد للمتن الواحد 100 طريق كلها تسمى حديثا! ضف إلى ذلك، عدم تفرقته بين الحديث المتواتر والحديث المتعدد الطرق، فيظن أن ما تعددت طرقه فهو المتواتر (ص:127) وهذا ما لا يقع من مبتدئ في علم الحديث.

‌ب- لا دراية له بالمخطوطات: قد كفانا تصريحه المتقدم عن إيراد أي مثال، وسنورده ليتنبه القارئ مع أي نوع من الباحثين هو: يستدل بالعدم على العدم، فنراه يقول: بما أن مكتبة الملك عبد العزيز العامة لا تشتمل على النسخة الأصلية للبخاري؛ فهذا دليل على عدم توفرها في مكتبات العالم! (ص:241).

‌ج- لغة الخطاب: يفتقر أسلوب الكاتب للصرامة المنهجية، والخطاب الموضوعي الذي يتقصّد الفكرة لا التهجم، لا يعلق على نقولاته أو يناقش إلا بعبارات مستفزة طافحة بالقدح والتهكم والسخرية، هذا بعد تسليمنا جدلا بأن له أفكارا يناقشها وإلا فهو مجرد ناقل غير أمين. وهي الخصيصة الأبرز لمن اطلع على الكتاب في ضوء المصادر الأصلية لمادته العلمية المشار إليها سلفا.

4- الهيكلة:

بلغ عدد صفحات الكتاب 280، إن حذفنا صفحات البداية والمقدمتين تكون المحصلة:263 صفحة. قد نقل الكاتب جردا وسلخا بلا سرقة 126 صفحة، أي زهاء 50% من مادة الكتاب مجرد نقول باعتراف الكاتب. ولتوقن بأني غير مبالغ، ففي موطن واحد نقل 77 صفحة بلا أي تعقيب منه، غياب تام لشخصية الباحث، وهذا في العرف البحثي مرفوض بشكل قاطع. أما إن اضفننا الفقرات المسروقة والأفكار مع كثرتها، فماذا يبقى لنا من الكتاب؟!

5- في الختام:

لعلي وفيت بما وعدت به في البدء، وتجلت حقيقة الكتاب وقيمته المعرفية ومكانة صاحبه العملية، لكن الحكاية لم تتوقف هنا، وإشكالات المستشرق “شبرنجر” ومن نقلها عنه كأبي رية وغيره ما زالت قائمة تهز قناعات كثير من الشباب، وما احتفاء بعضهم بمثل هذا الكتاب الذي أحدث ضجة رغم معايبه وانعدام نزاهة صاحبه إلا خير دليل. فيجب أن تتظافر الجهود لكتابة مقالات وأبحاث علمية هادئة تردّ على ما جاء في الكتاب من إشكالات أعاد إحيائها نقلا وبلا أمانة “الأستاذ رشيد”، والذي يمثل أسطورة بحثية تحطمت.

1 تعليق

  1. تمام هذه حقيقة صاحب الكتاب لايدري ماذا يكتب وماذا يقول ….صاحب الكتاب دخل من باب صعبا عنه وربما ظن أن طلبة العلم في علم الحديث غير موجودين…

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق