مشاريع الشباب من ضيق القرض إلى سعة الشراكة والعطاء

19 فبراير 2020 14:29

هوية بريس – د.محمد بولوز

‫ما اقتنعت به بمناسبة الجدل الدائر بعد راي الدكتور احمد الريسوني حفظه الله في برنامج “انطلاقة”الموجه لتشجيع مشاريع مقاولات الشباب، ومساهمة في اثراء النقاش والتقدم خطوات متجاوزة نسبيا لما هو مطروح هو ما يلي:‬‬

اولا :-سياسة الاقتراض ليست الحل الامثل لمشكلات الاستثمار والازمات الاجتماعية والاقتصادية

فلابد من دعوة العلماء عموم الناس الى تجنب الاقتراض في عامة الاحوال الا للحاجة الحقيقية والضرورة الشرعية المعتبرة.سواء كان قرضا حسنا او قرض شبهة او قرض ربا، ‬‫فقد يقع العجز عن التسديد او مشاكل في الاداء فترتب عقوبات عدم الوفاء او “فوائد” التاخير، وذلك عين الربا وكان في الجاهلية اما تشترط الزيادة مع القرض او تفرض عند عجز الاداء فيفرضها صاحب القرض او يقول المدين انظرني ازدك. والاشد من ذلك نزول مصيبة الموت والمرء غارق في ديونه،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله ماذا أنزل من التشديد في الدين، والذي نفسي بيده لو أن رجلاً قتل في سبيل الله ثم أحيي ثم قتل ثم أحيي ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه دينه رواه الإمام أحمد وهو حديث صحيح.‬

وقال ﷺ في الحديث الصحيح الآخر: نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه ..‬

وروى الإمام أحمد وابن ماجه عن سعد بن الأطول رضي الله عنه: أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم وترك عيالاً، قال: فأردت أن أنفقها على عياله -أردت أن أنفق هذه الدراهم على عيال الميت- قال: فقال لي رسول الله ﷺ: إن أخاك محبوس بدينه فاقض عنه دينه حتى مع أن له عيال رسول الله ﷺ يأمر أخ الميت أن يقضي عنه دينه.‬

وفي الحديث الصحيح الآخر: أنه ﷺ صلى على جنازة فلما انصرف قال: أهاهنا من آل فلان أحد؟ أهاهنا من آل فلان الميت أحد؟ فسكت القوم، فقال ذلك مراراً وهم يسكتون، حتى أشار رجل من الصحابة إلى رجل في آخر القوم، قال: هاهو ذا رجل من أقرباء الميت، فجاء الرجل يجر إزاره إلى رسول الله ﷺ، فقال له عليه السلام: إن صاحبكم مأسور بدينه ..‬

وعن جابر رضي الله عنه قال: مات رجل فغسلناه وكفناه وحنطناه ووضعناه لرسول الله ﷺ حيث توضع الجنائز عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول الله ﷺ بالصلاة عليه، فجاء معنا فتخطى خطى ثم قال: أعليه دين؟ قلنا: ديناران فانصرف فتحملهما أبو قتادة، وفي رواية: صلوا على صاحبكم ورفض ﷺ أن يصلي عليه إشعاراً للأمة بخطورة الدين وأهمية قضائه ولزوم ادائه، فقال: (صلوا على صاحبكم) وصلاة الرسول ﷺ على المؤمنين فيها رحمة عظيمة لهم، قال: صلوا على صاحبكم ، فقال له رجل منا يقال له أبو قتادة: يا رسول الله! هما علي أنا أقضي دين هذا الرجل، فصلى رسول الله ﷺ عليه، ثم لقي النبي عليه السلام أبا قتادة من الغد، فقال:ما صنعت الديناران؟ قال: يا رسول الله! إنما مات أمس – يعني ما صار له وقت طويل- فقال:ما صنعت الديناران؟ ثم لقيه من الغد فقال: ما فعل الديناران؟ قال: قد قضيتهما يا رسول الله، قال: الآن بردت عليه جلده .رواه احمد ١٤١٢٧.‬

هذا في القرض العادي، فكيف بالقرض الذي فيه شبهة قويت او ضعفت، وكيف بالقروض الربوية البينة الواضحة،وما فيها من وعيد شديد، فيظهر من مقصد الشرع النفور من تشجيع سياسة الاقراض وتكثير جيش الغارمين في الامة.ولعل سبب فشل العديد من المشاريع الاستثمارية السابقة والموجهة للشباب هو اعتماد سياسة الاقراض، والتساهل في اعطاء تلك القروض وعدم ربطها بالجدوى الحقيقية وضعف المواكبة والمتابعة، ويكون فقط الهم في استرداد الديون مع “فوائدها” مع ضعف خبرة الشباب وهشاشة الوضعية الاقتصادية وضعف شروط المنافسة الحقيقية وغيرها من المعضلات، ولا شك ان الامر سيزداد سوءا عندما يعلم ان الدولة ضامنة لمعظم تلك الديون، فيقع التهاون من الابناك في التحري في المشاريع، كما سيقع التهاون من كثير من الشباب الذين يطرحون مشاريع وهمية يكون همهم فيها الحصول على المال ولا يهم ما بعد ذلك، ويبدأ بعضهم بما يجب تاخيره كالسيارة الفارهة والمكاتب الفاخرة ونحو ذلك مما يؤدي للافلاس.

ثانيا-الحل في الشراكة على منهج رابح رابح.

يلزم تشجيع الابناك التشاركية التي انتظرناها طويلا، باعتبارها تعتمد مبدئيا المشاركة في الربح والخسارة خلافا للابناك الربوية التقليدية،ولهذا ادعو لفتح الباب امام الابناك التشاركية للدخول في برنامج “انطلاقة” وغيرها من مشاريع مشابهة، وبما يناسب منهجها في التعامل المالي وبما يجعلها تستفيد ايضا من دعم الدولة وضماناتها.‬بل وادعو الابناك التقليدية الى احداث ثورة في بنيتها التي تكلست منذ نشاتها ولعقود متطاولة على نمط يكاد يكون وحيدا الا وهو الاقراض بالربا الذي يسمونه تلبيسا فائدة، لماذا لا تجرب هذه الابناك اشكال التمويلات الاخرى المتنوعة من مضاربة ومزارعة واستصناع وايجارة وشراكة حقيقية وغير ذلك، مما قد يتيح لها ارباحا طائلة على منهج رابح رابح، بالسهر الجدي على مشاريع طموحة جدية وذات جدوى ومردودية نافعة لهم وللعاملين فيها وللمجتمع كله، لماذا لا ينتقلون من الاثم الكامل الى صنف الذين خلطوا عملا صالحا واخر سيئا في انتظار التوبة الشاملة من مصيبة الربا؟

ثالثا: القطع مع الحرام في الربا كثيره وقليله

قطعيات ديننا تؤكد ان قليل الربا وكثيره حرام، والاحتياط الشديد في امره واجب.لذكر الحرب فيه من الله دون سائر الذنوب.كما قال تعالى:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ۝ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ “‬‫والمستعرض للنصوص الشرعية يرعبه ما ورد في شان الربا، فتم تشبيه المرابي بالمصروع من مس الشيطان، وان الربا يمحقه الله وهو طارد للبركة فالمَحْق يشمل ذهاب المال، وذهاب بركته.وأنه من السبع الموبقات المهلكات، ومن كبائر الذنوب.الى جانب الشرك وعقوق الوالدين واكل مال يتيم والسحر والزور والزنا…، وان صاحبه ملعون وتشمل اللعنة كل متعاون معه من كاتب وشاهد واخذه ومعطيه، وان آكل الربا يعذب في البرزخ، ويحال بينه وبين دخول الجنة.وأَكَلَة الربا يحشرون في أسوأ صورة يوم يقوم الناس لرب العالمين.فجاء النهي عن تعاطي الربا بكل صوره والوانه واشكاله وتحريم كل وسيلة تفضي اليه، وسلط الشرع اقبح النعوت على اكليه من الامم الاخرى ونفر امة الاسلام منه وذم اكله مضاعفا في اطار التدرج في التحريم ثم جزم في تحريمه والدعوة الى ترك ما بقي منه كثيرا او قليلا. ولهذا لا يسوغ ابدا باسم الاجتهاد او المقاصد او ضرورات العصر او الواقع التساهل في امر الربا لانه شر في شر وبلاء في بلاء ومصيبة في مصيبة، والشرارة فيه تجر النار العظيمة، واما الضرورات المبيحة فتوكل الى تدين الافراد وتقواهم بعد تحذير العلماء الناس من ان يحوموا بحماه، ويقال لهم هو شر من الميتة ولحم الخنزير والخمر فلياكوا وليشربوا او يدعوا ‬بحسب ما معهم من جوع شديد وغصة وخوف هلاك.

رابعا: كما يكون الربا بالزيادة قد يكون بالنقصان ايضا

فالمشهور المعروف ان الربا هو الزيادة على راس المال ياخذها المقرض من المقترض، وما يغفل عنه البعض هو ان الربا قد يكون بالنقصان ايضا، فكما كان معروفا في الجاهلية “انظرني ازدك” كان ايضا قولهم “ضع وتعجل” لمن يريد ان ياخذ ماله قبل حلول الموعد المحدد، والضابط الاجتهاد في الحفاظ على راس مال المقرض كما هو قدر المستطاع وبحسب الامكان، وكما حرمت عليه الزيادة على المال الذي اسلفه واقرضه، كذلك لا يظلم بالانتقاص من ماله، وعليه فالاصل ان مصاريف القرض يتحملها المقترض، ويقدرها الخبراء بعدل وانصاف، ليستمر خير القرض الحسن في تحريك المال لينتفع منه المجتمع والفئة المحتاجة الى استثمار طاقاتها في التنمية.‬الا ان يعفو المقرض، فمثلا لو ان شخصا اقرض اخر وبعث اليه بالقرض عبر الوكالات المصرفية، فان هذه الاخيرة تفرض رسوما بحسب حجم المال المرسل، فهذه المصاريف على المقترض وواجب ان يسددها مع واجب الدين عند الاداء الا ان يتطوع المقرض بها.
كما ان سلبيات التضخم وخصوصا في زماننا و مع طول مدة الدين وبعد اجل السداد، ومن باب العدل والانصاف، يجب ان يتحملها المقترض استنادا لقوله تعالى”فلكم رؤوس اموالكم لا تظلمون ولا تظلمون” فثلاث ملايين مثلا بعد خمس سنوات او عشر او عشرين لن تبقى قيمتها بالتاكيد نفس القيمة، وما كانت تشتريه من العروض والعقارات ونحو ذلك يوم القرض لن يكون غالبا نفس ما ستشتريه يوم السداد، ولهذا ارى من المشروع جدا ان يكون الاقتراض بطريقة تحافظ على راسمال المقرض.كالاقتراض بقيمة الذهب. مع مراعاة نفس عيار الذهب عند الاخذ وعند رد القروض.

خامسا، من السياسات الناجعة: انظار المعسر والزكاة والعطاء

ليس عبثا ان يقرن التحريم القاطع للربا بسياسات موازية من انظار المعسر الى يساره واعطائه من الزكاة اذا افلس واصبح من الغارمين، وايات الربا محاطة بتوجيهات كثيرة في البذل والانفاق وتشجيع سبل التجارة والبيع والاستثمار، قال تعالى : »‫وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (280) البقرة، وفي الحديث الذي رواه الترميذي وصححه الالباني عن ابي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « مَن أنظرَ مُعسرًا أو وضعَ لهُ ، أظلَّه اللهُ يومَ القيامةِ تَحتَ ظلِّ عرشِه ، يومَ لا ظلَّ إلَّا ظلُّهُ »‬واذا كان هذا موجها اساسا للافراد، فالدولة ايضا معنية به في اطار التكافل الاجتماعي بين الاغنياء والفقراء وسياسة العدالة الاجتماعية، ان تسلك مع الشباب الجاد غير المفرط هذه المسالك، والاولى من كل ذلك، اقامة الفريضة في هذا المجال باخراج صندوق الزكاة الذي اجل كثيرا وينتظره المومنون بفارغ الصبر حتى يساهم بما تيسر في حل كثير من المعضلات التي سيخلفها بالتاكيد برنامج انطلاقة كما خلفها غيره من البرامج الاجتماعية والاقتصادية، فسهم الغارمين من اسهم الزكاة المعتبرة التي ستحل جانبا من مشكلات من سيفلسون ويثقل كاهلهم بديون اقترضوها لتحسين اوضاعهم واذا بها قد تكون سببا لسجنهم وتعاستهم.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°
20°
الإثنين
22°
الثلاثاء
23°
الأربعاء
23°
الخميس

حديث الصورة

كاريكاتير