مقاصد نظرية “سجن العلماء” عند ابن تيمية



عدد القراءات 2343

طارق الحمودي – هوية بريس 

لم يستطع الجبارون والظلمة أن يعوا حقيقة السجن عند العلماء، ولم ينتبهوا إلى أنهم مهما سجنوهم طوال تاريخ الإسلام لم يزدهم ذلك إلا عزا ورفعة،فإنهم لم ينظروا إلى السجن إلا نظرة ظاهرة ولم يفهموا أن للسجن عند العلماء والدعاة الذين يحبسونهم أبعادا أخرى لا تطالها أفهام سجانيهم إلا قليلا،ولقد أظهر العلماء بعض أسرار ذلك، تصريحا أو حالا، فكان السجن عندهم حافزا للزيادة لا النقصان والانتكاسة كما يحدث لأشباههم، ونقلت لنا كتب التاريخ والتراجم عجائب من ذلك تعد أساسات في فقه الاقتداء بالأفاضل بدءا بالأنبياء مثل يوسف عليه السلام.

وممن أثر عنه بوح بشيء من أسرار السجن عند العلماء شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية رحمه الله، فقد ناله ظلم السجن مرارا،وكانت له فيه نظرية عجيبة، شغلت الناس بعده، وصارت لباسا يلبسه العلماء والدعاة بعده عند دخولهم زنازينهم، ومن طرائف ذلك أن تجد رئيس الحكومة السابق الأستاذ عبد الإله بنكيران يعترف بكونه واحدا ممن لبسها فكرا وممارسة.

كان ابن القيم رحمه الله ممن تنبه لجانب الاقتداء في نظرته لفكر ابن تيمية وحياته، فقد لاحظ كثيرا من تصرفاته، وقيد جملة من عباراته مما يعد معالم في فقه التربية والسلوك، ونقل ذلك في كتبه اعتبارا واستشهادا، وكان يعرضها في سياقات ثقيلة منبها على مقاصدها، وكان من ذلك عرضه لنظرية ابن تيمية في السجن وفضائله… وكان ما عرضه من أعجب العجب.

   ينقل ابن القيم عن شيخه ابن تيمية أنه كان يقول: “ما يفعل أعدائي بي، أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة“، هكذا كان يرى ابن تيمية السجن، وهكذا عاشه، فلننظر إذن إلى مركبات نظريته، ومقاصدها.

يبدو أن النظرية قائمة على الإبلاس للخصم، فإن ابن تيمية لم يترك منفذا له إلى أذية العالم المسجون، ويزيده قوة أن السجان لا ينتبه لهذا، وفي غفلت السجان الظالم يمارس العالم المسجون حريته داخل سجنه بطريقة أعمق، فقد كانت نظرية السجن عند ابن تيمية تقوم على أساس “عكس الحالة“، ويبين هذا بما نقله عنه ابن القيم وهو قوله: “المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه”، وبهذا يكون العالم المسجون حرا، وسجانوه محبوسين، ويرجع أصل هذا إلى أن خدمة العبادة تحرر وتوسع كما قال الله تعالى مخبرا عن أم مريم عليها السلام”إني نذرت لك ما في بطني محررا” أي محررا من الأهواء والدنيا بخدمة محل العبادة بالعبادة، وهكذا حال العلماء بعد الأنبياء..إنما ورثوا منهم هذا العلم لا الدينار والدرهم…فأينما كانوا كان معهم…خلاف من يكون قلبه متعلقا بالأصفر والأحمرفإنه يكون في سجنين.

لننظر الآن إلى عبارة ابن تيمية “أنا جنتي وبستاني في صدري“، ولنرفع عنها غطاء الإجمال بالتفصيل،وحسبنا هنا أن نعلم أن لابن تيمية عبارة قريبة منها تكملها نقلها عنه ابن القيم أيضا وهي:”إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة“، وهذا يفصح عن أمر عجيب ولطيف، وسر من أسرار نظرية السجن عند العلماء الربانيين، فإن ظاهر سجن العالم كما يبدو مرتفع بباطن كون العالم في سعة جنة وبستان العبادة والتأله في صدره وقلبه، ولذلك لا تفارقه جنته، لأنه عند التحقيقحر داخلها.

يفصح ابن تيمية مرة أخرى عن سر آخر، وهو أن للسجن توجيها تربويا وسلوكيا عجيبا، وهو جعله السجن خلوة، خلوة كان يراها ابن تيمية من أعظم النعم عليه، وهي التي وصفها الأستاذ سلمان العودة بأنها تجربة جميلة يرجو أن لا تتكرر..فقد كان لسلمان زوجة وأبناءولم يكن لابن تيمية شيء من ذلك..!

عبر ابن تيمية عن قيمة هذه النعمة بعبارة عالية وراقية فقال: “لو بذلت ملء هذه القاعة ذهبا ما عدل عندي شكر هذه النعمة“، بليذهب ابن تيمية أبعد من هذا فيجعل السجان سببا لهذه النعمة يستحق الشكر، ففي رواية لهذه العبارة أنه قال: “لو بذلت …ما جزيتهم على ما تسببوا إلي فيه من الخير” وبهذا تعرف معنى قوله:”ما يفعل أعدائي بي“!

ترى…ما الخير الذي يجده العامل المحبوس بسبب قوله للحق في سجنه…؟

سأبتعد عن ابن تيمية قليلاوأقف مع تجربة سجن أخرى غريبة، تنسب لأحد كبار علماء الحنفية، وهو شمس الأئمة محمد بن أبي أحمد بن أبي سهل السرخسي،وقد كان حبسه مختلفا عن غيره، إذ حبس في قعر بئر،وكان السبب كما في الجواهر المضية “كلمات كان فيها من الناصحين، سالكا فيها طريق الراسخين، ليكون له ذخيرة إلى يوم الدين، وإنما يتقبل الله من المتقين،وهو يتولى الصالحين“..!

تذكر كتب تراجم الحنفية كالجواهر والتاج وغيرها أنه أملى كتابه الكبير “المبسوط” على تلامذته مثل “العثمانيالحنفي” الذين كانوا يجلسون على حافة البئر،فيدونون ما يمليه عليهم من قاع البئرمن حفظه، فكان ما أملاه كثيرا، طبع اليوم في ثلاثين مجلدا مع مجلد آخر للفهارس، وكذلك أحوال العلماء في السجن، وكذلك ابن تيمية الذي “بقي مدة في القلعة يكتب العلم ويصنفه،ويرسل إلى أصحابه الرسائل،ويذكر ما فتح الله به عليه في هذه المرة من العلوم العظيمة،والأحوال الجسيمة” وغير بعيد عنا، العلامة الألباني حين سجن،فقد كان مشتغلا فيه بالعلم غير منفك عنه، وفيه اختصر صحيح مسلم…!

لم يكن علماء المسلمين بدعا من صدق الرجال في هذا، فلهم الأسوة الكبرى في النبي صلى الله عليه وسلم الذي أراد به مشركو مكة أحد ثلاثة مما ذكره ابن تمية في نظريته، إذ قال الله تعالى في سورة الأنفال ذاكرا ما تشاوروا فيه: “وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ“، فالإثبات السجن والإخراج النفي ثم القتل..وهذه هي أساسات نظرية ابن تيمية.

لعله إن وقف السجان على مثل هذه الأسرار المباح بها لما وسعه إلا أن يبذل في سبيل النكاية بالعالم المسجون أقصى وأقسى ما يجده، ولن يكون إلا التعذيب،وحينها سيجد نفسه أمام “الحالة الأحمدية” والتي تقوم على الصبر على السوط دون مخالفة الحق، فإن الإمام أحمد صار بتلك الأسواط إماما للسنة، وإلا فإن آخر النكاية القتل، وهي طريقة اليهود مع أنبيائهم، لكنها مع ذلك، في النظرية التيمية، شهادة في سبيل الله بشهادة نصوص الشريعة.

خلاصة الأمر، إنما يفعل الظلمةبالعلماء إن كان حبسهم خلوة، وكان سجنهم حرية، وكان نفيهم سياحة تأمل، وكان تعذيبهم رفعة، وقتلهم شهادة…مكر يأكل رأسه ذنبه..فقد أبى الله إلا أن يرفع الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات..وأمام غباء السجانين..فالله غالب على أمره؟!

 

لا يوجد تعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق