مكتبات الشارع المجانية



عدد القراءات 1731

مكتبات الشارع المجانية

هوية بريس – حميد طولست 

من الظواهر التي أثارت انتباهي مؤخرا ، خلال تجوالي في باريس ، وأشعلت في نفسي الدهشة وأججت فضولي ، ظاهرة المخادع الهاتفية العمومية القديمة التي تحولت إلى مكتبات مجانية *1 مبثوثة في شوارع وساحات باريس وضواحيها ، وقد أثبتت عليها ملصقات تدعو الناس إلى استعارة ما يرغبون في قراءتها من الكتب المعروضة بها والتبرع بالتي أنهوا قراءتها ، بهدف منح غيرهم فرصة الاستمتاع بها أيضاً ، وتمكين كل من لم يبرحوا إدمان فعل القراءة ،من المارة والساكنة ، من استعارة الكتب التي توفرها لهم بالمجان ، وخاصة منهم الشباب والعاطلين منهم ، الذين جعلوا منها أماكن أثيرة اعتادوا على زيارتها وأصبحوا بمثابة أعضاء رسميين فيها ، لما لها من ميزات عديدة وأولها المجانية ، وما زاد من استغرابي ما تعرفه هذه المخادع الهاتفية/المكتبات ،من إقبال كبير ، وحركة ذؤبة من دخول وخروج الأعداد الغفيرة من عشاق القراءة، من كل الأطياف والأعمار .

لقد جعلتني مراقبة هذه الظاهرة عن كتب ، أدرك وأتيقن بأن تلك المخادع التلفونية القديمة التي حولتها الجهود التطوعية الإنسانية الرائعة إلى مكتبات قرب عمومية مجانية، قد استطاعت أن تجسد عمليا وبموارد ذاتية وبدون تمويل من أي جهة ، شعار “القراءة للجميع” الذي سمعنا عنه في بلادنا ولا نرى له حتى الحدّ الأدنى مما أعطاه من الأثر البالغ على أرض واقع القراءة في هذا البلد ، الذي في الوقت الذي تعلن فيه الكثير من الإحصاءات أن مستقبل القراءة في بلادنا ، لا يطمئن كثيراً ، ويدفع إلى اليأس ، بسبب حال انحسار القراءة فيها ، وتعاظم فداحة تراجع إصدار الكتب ، وتفاقم أفول نجم المكتبات ، وإغلاق أبواب عدد لا يحصى منها ، وتحول الباقي إلى محال لبيع الصحف والمجلات والأدوات المدرسية ، نجد جل البلديات وجمعيات الأحياء الفرنسية عامة والباريسية على وجه الخصوص، تتنافس في سباق تطوعي محموم ، لإقامة الكثير من مكتبات الشارع المجانية في العديد من الشوارع والدروب والمتنزهات والساحات المقابلة للمنازل والمقاهي، والمحلات التجارية الكبيرة والكثير من المصالح العامة لمدينة باريس التي طالما عرفت بكونها من العواصم المعروفة بكونها مدنا للمكتبات والتي لا يمكن تخيلها بلا مكتبتها الوطنية ! كما هو حال لندن التي لا يمكن تصورها بدون مكتبتها البريطانية الشهيرة ! موسكو المعروفة بمكتبة “لينين”..

لقد جعلت القارنة التي أقمتها بين حال القراءة التي تراجع جمهورها بالمغرب والعالم العربي ، متجها نحو إغراءات أخرى حملها العصر الحديث ، ووبين حالها في فرنسا البلد المتنور الذي يدرك أهله أهمية القراءة، ويمارسونها بنهم ، جعلت ما عشته وجيلي من وطنيي أيام زمان ، من مشاعر “العاطفة الوطنية ” التي كانت تصل بنا حد ذرف الدموع بمجرد سماع قصيدة وطنية أو أغنية وطنية أو خطاب وطني حماسي ، تتزاحم بدواخلي ، وأحتار في كيفية التعامل مع هذه المسألة، أأشعر بالغيرة من هذا الإنجاز العظيم الذي تمثله مكتبات الشارع المجانية رغم بساطتها ؟ أم أشعر بالذلّ الذي لا بدّ لكل وطني غيور أن يشعر به أمام ما تعيشه بلاده من انحطاط ؟ أم أتحمل قسوة الشعورين معاً ؟ لأن الشعور الأول “طبيعي بشري” ويدفع كل غيور ليتمنى كل جميل لوطني ، والشعور الثاني، “منطقي وواقعي”، يحتم على كل وطني وفي لوطنه، أن يرفض ما تعيشه بلاده من انحطاط ويطلب لها الحدّ الأدنى من الازدهار..

وفي الختام لا يسعني إلا أن أتقدم بالتحية والاحترام لهؤلاء الشباب الرائعين الذين ربحوا رهان إخراج شعوبهم من نفق العزوف عن القراءة بقتريب الكتاب من الجميع ووضعه تحت تصرفهم وأمامهم في الشارع ،وقد تعودوا عليه ، لأن العادة ــــ كما هو معلوم – تبدأ سخيفة ، ثم تصبح مألوفة ، ثم تغدو معبودة .

هوامش:

1* -: بدأت حركة “مكتبات الشارع المجانية الصغيرة” في ولاية ويسكنسون الأمريكية عام 2009 و انتشرت بعد ذلك في أنحاء العالم بسرعة في أماكن مثل مقابل المقاهي، في المتنزهات، بجانب المكتبات العامة و محلات الكتب ، وكذلك مقابل المنازل.

حميد طولست Hamidost@hptmail.com

رئيس تحرير جريدة ” الأحداث العربية”.

مؤسس مدير جريدة ” منتدى سايس” الورقية الجهوية الصادرة من فاس

مدير جريدة ” منتدى سايس”

مدير ورئيس تحرير جريدة منتدى سايس اللإلكترونية .

عضو مؤسس لجمعية المدونين المغاربة.

عضو المكتب التنفيذي لرابطة الصحافة الإلكترونية.

عضو المكتب التنفيدي للمنتدى المغربي لحقوق الإنسان لجهة فاس مكناس

عضو المكتب التنفيدي لـ “لمرصد الدولي للإعلام وحقوق الأنسان.

لا يوجد تعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق