نصب تذكارية تحجب تاريخا من العنصرية والعنف الاستعماري في بريطانيا

22 يونيو 2020 23:05

هوية بريس – متابعات

بعد 125 عامًا من بنائه أسقط متظاهرون غاضبون التمثال البرونزي لتاجر الرقيق إدوارد كولستون (توفي 1721) قرب ميناء نهر بريستول جنوب غربي بريطانيا، الذي كان أحد أهم موانئ تجارة الرقيق في بريطانيا.

وبدا أن كثيرين غير راضين عن الخطوة التي قام بها المتظاهرون تضامنا مع حركة “حياة السود مهمة”، وبعد يوم واحد فقط حاولت مجموعة أخرى إخراج التمثال من الماء لإعادة نصبه في مكانه.

لكن هذه المحاولة لاسترداد التمثال بدت دون معنى، بعد أن تداولت وسائل الإعلام العالمية بكثافة خبر إسقاط التمثال، وأثارت حوارًا واسع النطاق حول تماثيل وآثار أخرى يقول المتظاهرون والمحتجون إنها تركز على العنصرية والتفوق الأبيض والعنف الاستعماري.

ومن هذه التماثيل الموضوعة على قوائم المتظاهرين نصب تاريخي للزعيم الإنجليزي ونستون تشرشل الذي يتهم بتبني وجهات نظر عنصرية بيضاء، وبكونه مسؤولاً عن سياسات وحشية في الهند “درة تاج” الإمبراطورية البريطانية السابقة.

وكان كولستون رمزا لتجارة الرقيق، وقد عاش في القرن السابع عشر، وعمل في الشركة الأفريقية الملكية التي يُرجح أنها كانت وراء نقل أكثر من 80 ألف رجل وامرأة وطفل من أفريقيا إلى الأميركتين لاستعبادهم هناك. وفي عام 1721 مات كولستون بعد أن أوصى بأن تكون ثروته لصالح الأعمال الخيرية، ولا تزال في بريستول نصب تذكارية ومبان كان يمتلكها.

ووقّع نحو 20 ألف شخص عريضة إلكترونية لاستبدال تمثال آخر به، على أن يخصص لبول ستيفنسون، ناشط الحقوق المدنية من أصول أفريقية خلال ستينيات القرن الماضي، في بريستول.

الدعاية الفنية للدولة
وبعيدا عن الجدل المحتدم حول التمثالين، تقول الأكاديمية الأميركية ريبيكا سنيور إنه لا يمكن تجاهل أهمية هذه اللحظة من قبل مؤرخي الفن، إذ تشير قطع أثرية عديدة للطريقة التي تخفي بها القطع الفنية العنف الذي ميّز التوسع الاستعماري البريطاني، وتمثل القطع الأثرية ثقافة مكرسة للتفوق الأبيض، بحسب مقالها المنشور بموقع “كونفيرذيشن”.

وتضيف الكاتبة أن منحوتات الشخصيات الرمزية تشير لدعاية الدولة وقمعها بواسطة الآثار المنحوتة. واكتسبت الشخصيات النسائية الرمزية المجسدة في تماثيل “النصر” و”السلام” و”العدل” و”بريتانيا” شعبية خلال الفترة الأكثر شراسة من التوسع الإمبراطوري البريطاني في القرنين 18 و19.

وتتابع الأكاديمية بجامعة نوتنغهام البريطانية أنه من المهم ألا يتم نسيان دور هذه الرمزيات في هذه اللحظة الحالية، لأنها توضح كيف أن الآثار لم تمكن النحاتين من إحياء ذكرى الراحلين فحسب، بل أيضًا نشر رسالة الاستعمار البريطاني والتفوق الأبيض للأجيال المقبلة.

كذلك فإن فهم هذه الرمزيات يمكّن الجمهور من إدراك كيف يمكن للثقافة المرئية أن تحجب تاريخ قمع الدولة، ولم يكن من قبيل المصادفة أنه قبل احتجاج الحقوق المدنية، قرر مجلس مدينة بريستول تغطية تمثال كولستون بالقماش.

ومثل التاريخ ذاته، فإن الآثار ليست سجلات محايدة ولكنها أشياء معدلة ومنقحة تستخدم الفن كوسيلة لنشر دعاية الدولة، وينبغي النظر إليها كمحاولات ترعاها الدولة لتحويل العبودية والإبادة الجماعية والاستعمار العنيف إلى مواضيع مستساغة للاستهلاك العام.

حملات الإزالة
وتتسع محاولات المحتجين لإسقاط العديد من التماثيل التي تحيي ذكرى مرتكبي الفظائع الاستعمارية يوما بعد يوم، مثل تمثال الملك البلجيكي ليوبولد الثاني الذي كان يملك حديقة حيوانات بشرية في قصره وعرض فيها مستبعدين كونغوليون، وقد قتل في عهده ملايين الأفارقة.

وفي المقابل، أزالت سلطات العاصمة البريطانية تمثال تاجر العبيد الشهير روبرت ميليغان الذي امتلك سفنا في القرن الـ18 وعمل في تجارة العبيد، وتم اتخاذ القرار استجابة للالتماسات التي دعت إلى إزالته، مما يدل على أنه يمكن للمؤسسات اتخاذ قرارات مهمة في هذا السياق.

ومع ذلك، فإن أولئك الذين يريدون إزالة هذه التماثيل يقابلون بشكل متزايد بالمعارضة المعتادة التي تقول إن ذلك يمثل محوا للتاريخ، وهي حجة يتم ترسيخها بقوة في النقاشات حول المعالم الأثرية التي تعود للحقبة الكونفدرالية في الولايات المتحدة.

وأعلن عمدة لندن، صادق خان، أنه سيتم إنشاء لجنة للتنوع في الأماكن العامة وستراجع معالم العاصمة البريطانية الأثرية، لكن هذه الخطوة يخشى أن يتمخض عنها نتائج شبيهة بما قام به عمدة مدينة نيويورك بيل دي بلاسيو عام 2017، إذ أنشأ لجنة استشارية حول فن المدينة وآثارها ومعالمها، وهي اللجنة التي أوصت بإزالة واحدة فقط من نصب جيمس ماريون سيمز للتعذيب، والذي قام في القرن 19 بتجارب مروعة على النساء السود المستعبدات. وبدلاً من إزالته بالكامل، تم نقله إلى مقبرة عامة في بروكلين.

ولكن بدعم من الاحتجاجات الأخيرة الرافضة للعنصرية ضد السود وعنف الدولة، تتوقع الكاتبة أن تنجح هذه الاحتجاجات في الانتشار وتحقق أهدافها مثل حملة “رودس يجب أن يقع” التي بدأت كحركة احتجاج في مطلع عام 2015 ضد تمثال في جامعة كيب تاون يحيي ذكرى سيسل رودس الذي كان رئيس وزراء مستعمرة الكاب البريطانية في جنوب أفريقيا نهاية القرن الـ 19، وتمت إزالة التمثال في النهاية، وتوسعت الحملة عالميا وشملت جامعات بريطانية وعالمية.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M