هل تنقذ الحربُ على «الإرهاب» الحضارةَ الغربية من السقوط؟؟



عدد القراءات 1729

هوية بريس – ذ. إبراهيم الطالب

من‭ ‬مظاهر‭ ‬العبث‭ ‬المقززة‭ ‬أن‭ ‬يخطب‭ ‬المجرم‭ ‬القاتل‭ ‬الناهب‭ ‬في‭ ‬ضحاياه‭ ‬من‭ ‬الجرحى‭ ‬والقتلى‭ ‬والمنهوبين؛‭ ‬يأمرهم‭ ‬بالفضيلة‭ ‬ويحثهم‭ ‬على‭ ‬السلام‭ ‬والتعايش. ‬

هذا‭ ‬حالنا‭ ‬نحن‭ ‬المسلمين‭ ‬مع‭ ‬الغرب‭ ‬المتسلط. ‬

فالغرب‭ ‬له‭ ‬قرابة‭ ‬الثلاثة‭ ‬قرون‭ ‬وهو‭ ‬يقتل‭ ‬فينا‭ ‬وينهب،‭ ‬ويغتصب‭ ‬ويعربد،‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬يحتل‭ ‬أرضنا‭ ‬بقواعده‭ ‬العسكرية،‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬تطلع‭ ‬طائراته‭ ‬لتدمر‭ ‬إقليما‭ ‬من‭ ‬أقاليم‭ ‬المسلمين؛‭ ‬تنشر‭ ‬فيه‭ ‬الدمار‭ ‬والموت،‭ ‬وتفرق‭ ‬الحزن‭ ‬والألم‭ ‬واليتم‭ ‬بين‭ ‬نسائنا‭ ‬وأطفالنا،‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬تدعونا‭ ‬نخبته‭ ‬السياسية‭ ‬والمثقفة‭ ‬إلى‭ ‬التسامح‭ ‬والتعايش‭ ‬والحوار‭ ‬ونبذ‭ ‬العنف‭ ‬ومحاربة‭ ‬التطرّف‭ ‬والإرهاب،‭ ‬وتتمادى‭ ‬لتفرض‭ ‬علينا‭ ‬تغيير‭ ‬مقررات‭ ‬التعليم‭ ‬وتخضع‭ ‬حكوماتنا‭ ‬الورقية‭ ‬لتقبل‭ ‬بقراءة‭ ‬جديدة‭ ‬للإسلام‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ولتحارب‭ ‬معه‭ ‬الإرهاب‭ ‬والتطرف‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى. ‬

الغرب‭ ‬يلعب‭ ‬أكبر‭ ‬مسرحية‭ ‬مرت‭ ‬فوق‭ ‬هذا‭ ‬الكوكب،‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عن‭ ‬افتعال‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬يُفني‭ ‬فيها‭ ‬الملايين‭ ‬العديدة‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والحين‭ ‬ثم‭ ‬يسخر‭ ‬منظماته‭ ‬ومثقفيه‭ ‬يدعو‭ ‬من‭ ‬خلالهم‭ ‬الشعوب‭ ‬التي‭ ‬دمرها‭ ‬إلى‭ ‬احترام‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الحياة. ‬

يدعو‭ ‬إلى‭ ‬التسامح‭ ‬وهو‭ ‬يشعل‭ ‬نيران‭ ‬الطائفية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬وينشر‭ ‬مشاعر‭ ‬التعصب‭ ‬ويذكيها‭ ‬حتى‭ ‬يفرق‭ ‬الشعوب‭ ‬ويستحوذ‭ ‬على‭ ‬مقدراتها. ‬

يدعو‭ ‬إلى‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وهو‭ ‬يساند‭ ‬الاستبداد‭ ‬ويدير‭ ‬الانقلابات‭ ‬على‭ ‬الرؤساء‭ ‬المنتخبين‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬العالم. ‬

يدعو‭ ‬إلى‭ ‬السلام‭ ‬والمحبة‭ ‬وهو‭ ‬أكبر‭ ‬مصنع‭ ‬لأسلحة‭ ‬الدمار‭ ‬الشامل. ‬

يدعو‭ ‬لتكريم‭ ‬المرأة‭ ‬وهو‭ ‬يستعبدها‭ ‬في‭ ‬المصانع‭ ‬وقطاعات‭ ‬اللذة‭ ‬وسوق‭ ‬الدعارة‭ ‬وتجارة‭ ‬البورنو. ‬

فكيف‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يفهم‭ ‬المسلم‭ ‬هذا‭ ‬التناقض‭ ‬الغربي‭ ‬وهذه‭ ‬الازدواجية‭ ‬في‭ ‬الخطاب؟؟

وهل‭ ‬فعلا‭ ‬حضارة‭ ‬الغرب‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قوية‭ ‬رغم‭ ‬هذا‭ ‬الإفلاس‭ ‬الأخلاقي‭ ‬والإجرام‭ ‬الفظيع‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬البشر؟

وهل‭ ‬تنقذ‭ ‬الحربُ‭ ‬على‭ ‬‮«‬الإرهاب‮»‬‭ ‬الحضارةَ‭ ‬الغربية‭ ‬من‭ ‬السقوط؟؟

لقد‭ ‬استطاعت‭ ‬اللوبيات -‬المستحوذة‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬على‭ ‬دواليب‭ ‬السياسة‭ ‬والمال‭ ‬والإعلام- ‬أن‭ ‬تقنع‭ ‬الإنسان‭ ‬الغربي‭ ‬بأنه‭ ‬تحرر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ديمقراطية‭ ‬موجهة‭ ‬بالمال‭ ‬والإعلام،‭ ‬تعطيه‭ ‬الإحساس‭ ‬أنه‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يختار‭ ‬من‭ ‬يحكمه؛‭ ‬(ولا‭ ‬مجال‭ ‬للمقارنة‭ ‬هنا‭ ‬بين‭ ‬سياساتهم‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وبين‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬أكثر‭ ‬المتحمسين‭ ‬عندنا‭ ‬شروط‭ ‬الإقلاع‭ ‬الديمقراطي). ‬

استطاعت‭ ‬اللوبيات‭ ‬عبر‭ ‬الإعلام‭ ‬والفن‭ ‬والسينما‭ ‬والثقافة‭ ‬أن‭ ‬تحول‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬عابد‭ ‬في‭ ‬محراب‭ ‬اللذة‭ ‬يعبد‭ ‬هواه‭ ‬وجسمه‭ ‬ومتعته،‭ ‬أقنعوه‭ ‬أن‭ ‬المتعة‭ ‬الجنسية‭ ‬والمادية‭ ‬هي‭ ‬أكبر‭ ‬شيء‭ ‬يعيش‭ ‬من‭ ‬أجله‭ ‬الإنسان،‭ ‬فانتشر‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬الإلحاد‭ ‬وغابت‭ ‬الغائية،‭ ‬وانقطعت‭ ‬الصِّلة‭ ‬بين‭ ‬الأرض‭ ‬والسماء‭ ‬في‭ ‬معتقدات‭ ‬أبنائه،‭ ‬ثم‭ ‬أعلنت‭ ‬نخبته‭ ‬‮«‬موت‭ ‬الإله‮»‬‭ ‬لتفقد‭ ‬الحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬عنصر‭ ‬الحياة‭ ‬فيها. ‬

يعبر‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ (*) ‬الفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬الملحد‭ ‬ميشيل‭ ‬أونفري‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الأخير‭ (‬2017‭): ‬‮«‬الانحطاط: ‬من‭ ‬المسيح‭ ‬إلى‭ ‬بن‭ ‬لادن،‭ ‬حياة‭ ‬الغرب‭ ‬وموته‮»‬‭” ‬‮‬Décadence‭: ‬De‭ ‬Jésus‭ ‬à‭ ‬Ben‭ ‬Laden‭, ‬vie‭ ‬et‭ ‬mort‭ ‬de‭ ‬l’occident‮‬”‭.‬

والذي‭ ‬يتحدث‭ ‬فيه‭ ‬عن‭ ‬تاريخ‭ ‬الحضارة‭ ‬اليهودية‭ ‬المسيحية‭ ‬وحتمية‭ ‬سقوطها‭ ‬وأنها‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬الاحتضار،‭ ‬مع‭ ‬طرح‭ ‬السؤال‭ ‬عمن‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يحل‭ ‬مكانها‭.‬

قوة‭ ‬النص‭ ‬وغرابته‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬كون‭ ‬صاحبه‭ ‬ملحدا‭ ‬متطرفا‭ ‬في‭ ‬إلحاده،‭ ‬غير‭ ‬متهم‭ ‬بمحاباة‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬تضخيم‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الحضارة‭ ‬يقول‭ ‬هذا‭ ‬الفيلسوف‭ ‬المذكور‭:‬

‮«‬إن‭ ‬قوة‭ ‬أية‭ ‬حضارة‭ ‬تتحد‭ ‬دائما‭ ‬مع‭ ‬قوة‭ ‬الدين‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬مشروعيتها‭. ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬صعود،‭ ‬تكون‭ ‬الحضارة‭ ‬في‭ ‬صعود‭ ‬أيضا؛‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬انحدار،‭ ‬فإن‭ ‬الحضارة‭ ‬تسقط؛‭ ‬حين‭ ‬يموت‭ ‬الدين،‭ ‬تموت‭ ‬الحضارة‭ ‬معه‭.‬ من‭ ‬حيث‭ ‬إنني‭ ‬ملحد،‭ ‬فهذا‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬يسوءني‭ ‬ولا‭ ‬يفرحني‭ :‬ألاحظ‭ ‬كما‭ ‬يفعل‭ ‬الطبيب‭ ‬مع‭ ‬تقشر‭ ‬الجلد‭ ‬أو‭ ‬الكسر‭ ‬أو‭ ‬الأزمة‭ ‬القلبية‭ ‬أو‭ ‬السرطان.‭ ‬والحضارة‭ ‬اليهودية‭ ‬المسيحية‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬النهائية.‭ ‬إن‭ ‬الإعلان‭ ‬النيتشوي‭ ‬عن‭ ‬موت‭ ‬الإله‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬يتزامن‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬نهاية‭ ‬الحضارة‭ ‬اليهودية‭ ‬المسيحية‮»‬‭(*).‬

فهل‭ ‬الحضارة‭ ‬اليهودية‭ ‬المسيحية‭ ‬اليوم‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬مرحلتها‭ ‬النهائية؟

لن‭ ‬أغرق‭ ‬في‭ ‬الجواب‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬وعلى‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬الجواب‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬التقارير‭ ‬الرسمية‭ ‬وغير‭ ‬الرسمية‭ ‬التي‭ ‬تتنبأ‭ ‬بزوال‭ ‬الحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬وتنذر‭ ‬بتفككها،‭ ‬وتحذر‭ ‬من‭ ‬التزايد‭ ‬الديمغرافي‭ ‬للمسلمين‭ ‬في‭ ‬بلدانه،‭ ‬سواء‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمهاجرين‭ ‬أو‭ ‬بالنسبة‭ ‬لأبنائه‭ ‬الذين‭ ‬يفرون‭ ‬من‭ ‬جحيم‭ ‬الإلحاد‭ ‬وتناقضات‭ ‬النصرانية‭ ‬إلى‭ ‬سعادة‭ ‬الإسلام‭ ‬وانسجام‭ ‬عقائده‭ ‬وسماحة‭ ‬أخلاقه.  

إن‭ ‬الحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬تقود‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬لمحاربة‭ ‬الإرهاب‭ ‬والتطرف‭ ‬ليس‭ ‬بالفكر‭ ‬والنقاش‭ ‬والإقناع،‭ ‬ولكن‭ ‬بقوة‭ ‬السلاح‭ ‬والردع‭ ‬بالعقوبات،‭ ‬وتنفيذ‭ ‬المخططات‭ ‬المتتالية‭ ‬التي‭ ‬تفسد‭ ‬الشعوب‭ ‬وتدير‭ ‬بها‭ ‬حياتهم‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬وحتى‭ ‬الدينية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التواطئ‭ ‬مع‭ ‬حكوماتهم‭ ‬الفاسدة‭ ‬التي‭ ‬يحمونها‭ ‬من‭ ‬السقوط‭ ‬ويدعمونها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬استنزاف‭ ‬خيرات‭ ‬الأمم،‭ ‬والحيلولة‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬انفكاك‭ ‬عن‭ ‬مؤسساتها‭ ‬المالية‭ ‬وبنوكها‭ ‬وصناديقها‭ ‬المسماة‭ ‬زورا‭ ‬دولية،‭ ‬وقراءة‭ ‬عجلى‭ ‬لكتاب‭ ‬نعوم‭ ‬تشوميسكي‭ ‬‮«‬ماذا‭ ‬يريد‭ ‬العم‭ ‬صام‮»‬‭ ‬كفيلة‭ ‬بأن‭ ‬ترسخ‭ ‬اليقين،‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الغرب‭ ‬لا‭ ‬تقود‭ ‬العالم‭ ‬بالعلم‭ ‬والعدل‭ ‬والقيم‭ ‬وما‭ ‬تدعيه‭ ‬من‭ ‬حضارة‭ ‬وإنما‭ ‬بالقتل‭ ‬والانقلابات‭ ‬واستعباد‭ ‬الشعوب. ‬

الأمر‭ ‬ليس‭ ‬قاصرا‭ ‬على‭ ‬أمريكا،‭ ‬بل‭ ‬نفسه‭ ‬بالنسبة‭ ‬لكل‭ ‬الدول‭ ‬الأوربية‭ ‬فما‭ ‬تعانيه‭ ‬إفريقيا‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬حروب‭ ‬وتخلف‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬أغنى‭ ‬القارات،‭ ‬هو‭ ‬بسبب‭ ‬استحواذ‭ ‬بلدان‭ ‬الأنوار‭ ‬والديمقراطية‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬القرارات‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬القارة‭ ‬السمراء،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يجلس‭ ‬رئيس‭ ‬على‭ ‬كرسيه‭ ‬إلا‭ ‬بتأشيرة‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الإمبريالية؛‭ ‬ثم‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬تلبس‭ ‬عند‭ ‬كل‭ ‬خطبة‭ ‬في‭ ‬منظمات‭ ‬هيئة‭ ‬‮«‬أممها‭ ‬المتحدة‮»‬‭ ‬جبة‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬السلام،‭ ‬ونشر‭ ‬ثقافة‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وتنمية‭ ‬الدول‭ ‬الفقيرة‭ ‬وحرب‭ ‬الأمراض‭ ‬فيها،‭ ‬ومحاربة‭ ‬تجارة‭ ‬المخدرات،‭ ‬والتجارة‭ ‬في‭ ‬الأعضاء‭ ‬البشرية،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزدهر‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬تشعلها‭ ‬في‭ ‬ربوع‭ ‬العالم.  

‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬التعليق‭ ‬به‭ ‬على‭ ‬كلام‭ ‬‮«‬أونفري‮»‬‭ ‬هو‭ ‬الإلماح‭ ‬إلى‭ ‬حقيقة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬موضوعا‭ ‬للتباحث‭ ‬وتعميق‭ ‬النقاش،‭ ‬وتتلخص‭ ‬في‭ ‬الهدف‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬الغرب‭ ‬يحارب‭ ‬الصحوة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الإسلام‭ ‬منذ‭ ‬حرب‭ ‬الخليج‭ ‬الأولى؟؟

فإذا‭ ‬كانت‭ ‬حضارة‭ ‬الغرب‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬‮«‬أونفري‮»‬‭ ‬بدأ‭ ‬سقوطها‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬فإن‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬هو‭ ‬القرن‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬تغلغل‭ ‬الجيوش‭ ‬الغربية‭ ‬إلى‭ ‬بلدان‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬حملاتها‭ ‬الإمبريالية‭ ‬التي‭ ‬أسقطت‭ ‬خلالها‭ ‬خلافة‭ ‬المسلمين‭ ‬وقسمت‭ ‬بلدانهم،‭ ‬واستنبتت‭ ‬في‭ ‬دويلاتهم‭ ‬نظما‭ ‬علمانية‭ ‬تتحاكم‭ ‬لقوانيننها‭ ‬العلمانية،‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬تخرج‭ ‬منها‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬سلمت‭ ‬مقاليد‭ ‬الحكم‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬رؤساء‭ ‬اتفقت‭ ‬معهم‭ ‬على‭ ‬استقلالات‭ ‬وهمية‭ ‬توافقية‭ ‬تضمن‭ ‬استمرار‭ ‬مصالحها،‭ ‬ثم‭ ‬جعلت‭ ‬لليهود‭ ‬الصهاينة‭ ‬الإرهابيين‭ ‬دويلة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬دول‭ ‬العرب،‭ ‬لتحول‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬وحدة‭ ‬أو‭ ‬تعاون‭ ‬بينهم،‭ ‬بل‭ ‬تكرس‭ ‬خلافاتهم‭ ‬على‭ ‬الدوام. ‬

فهل‭ ‬كان‭ ‬الغرب‭ ‬حينها‭ ‬يدرك‭ ‬فعلا‭ ‬أن‭ ‬حضارته‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬السقوط‭ ‬وأن‭ ‬الخلافة‭ ‬الإسلامية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تتعافى‭ ‬شيئا‭ ‬فشيئا‭ ‬مع‭ ‬خلافة‭ ‬السلطان‭ ‬الأمجد‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الثاني،‭ ‬وإصلاحاته‭ ‬العميقة ستجهز عليها وتكتسحها ولو بعد حين، خصوصا وأن الخلافة كانت تمتلك أغلب حقول النفط والغاز المتواجد في العالم والذي كان حديث الاكتشاف والثورة الصناعية لا زالت في مهدها؟؟‭ ‬

زعماء‭ ‬الغرب‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرنين‭  ‬تأكد‭ ‬لديهم‭ ‬أن‭ ‬المواجهة‭ ‬المباشرة‭ ‬مع‭ ‬المسلمين‭ ‬لا‭ ‬تجدي‭ ‬نصرا،‭ ‬واستيقنوا‭ ‬أن‭ ‬الإفصاح‭ ‬عن‭ ‬نيتهم‭ ‬الخالصة‭ ‬والتصريح‭ ‬بنصب‭ ‬العداء‭ ‬التام‭ ‬والمباشر،‭ ‬يدفع‭ ‬النائم‭ ‬من‭ ‬المسلمين‭ ‬إلى‭ ‬الاستيقاظ،‭ ‬والغافل‭ ‬إلى‭ ‬الانتباه،‭ ‬والجاهل‭ ‬إلى‭ ‬التعلم،‭ ‬والكسلان‭ ‬إلى‭ ‬العمل،‭ ‬والفاتر‭ ‬إلى‭ ‬الشرة،‭ ‬والمتردد‭ ‬إلى‭ ‬الجزم‭ ‬والحزم،‭ ‬فتكون‭ ‬المقاومة‭ ‬على‭ ‬أشدها‭ ‬فتنهزم‭ ‬جيوشه‭ ‬لقوة‭ ‬العزيمة‭ ‬وصدق‭ ‬اليقين‭ ‬عند‭ ‬المؤمنين. ‬

لهذا‭ ‬فهو‭ ‬هو‭ ‬يتوارى‭ ‬إلى‭ ‬الخلف‭ ‬ويجعل‭ ‬حكوماتنا‭ ‬تنخرط‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الإرهاب‭ ‬والتطرف،‭ ‬لتضرب‭ ‬بيدها‭ ‬النزهاء‭ ‬من‭ ‬أبنائها،‭ ‬وتَقْتل‭ ‬في‭ ‬شعوبها‭ ‬كل‭ ‬ممانعة‭ ‬لسيطرته،‭ ‬وتجهض‭ ‬كل‭ ‬محاولة‭ ‬للانفكاك‭ ‬من‭ ‬هيمنته. ‬

إن‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الإرهاب‭ ‬والتطرف‭ ‬أصبحت‭ ‬تعني‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬المشروع‭ ‬الإسلامي،‭ ‬الذي‭ ‬استغرقت‭ ‬الأمة‭ ‬بكل‭ ‬أطيافها‭ ‬قرابة‭ ‬القرن‭ ‬في‭ ‬تأسيسه‭ ‬وبنائه،‭ ‬وكانت‭ ‬تراهن‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬الانفكاك‭ ‬من‭ ‬قبضة‭ ‬الإمبريالية‭ ‬والهيمنة‭ ‬الغربية‭ ‬على‭ ‬مقدرات‭ ‬بلداننا‭ .

لذا‭ ‬نجزم‭ ‬أن‭ ‬تفكيك‭ ‬المشاريع‭ ‬الإسلامية‭ ‬أصبح‭ ‬عند‭ ‬الغرب‭ ‬هدفا‭ ‬للحيلولة‭ ‬دون‭ ‬سقوط‭ ‬حضارته،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬منافس‭ ‬لها‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬سوى‭ ‬المشروع‭ ‬الإسلامي‭ ‬الذي‭ ‬لطالما‭ ‬شكل‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬اليقظة‭ ‬والنهضة‭ ‬والوحدة،‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭ ‬الذين‭ ‬يمتلكون‭ ‬كل‭ ‬مقومات‭ ‬القوة‭ ‬لقيادة‭ ‬العالم،‭ ‬وإنما‭ ‬يحول‭ ‬دونها‭ ‬وجود‭ ‬وكلاء‭ ‬الغرب‭ ‬الذين‭ ‬يحرسون‭ ‬مصالح‭ ‬الغرب‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬بلداننا،‭ ‬ولهذا‭ ‬نراهم‭ ‬اليوم‭ ‬يسجنون‭ ‬علماءهم‭ ‬ويحرقون‭ ‬شعوبهم‭ ‬ويدمرون‭ ‬بلدانهم،‭ ‬حتى‭ ‬يستمروا‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬ويستمروا‭ ‬في‭ ‬الحراسة. ‬

إن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬شيطنةٍ‭ ‬للإسلاميين،‭ ‬وحربٍ‭ ‬على‭ ‬العاملين‭ ‬لعز‭ ‬الإسلام،‭ ‬وخلقٍ‭ ‬لمشاريع‭ ‬متعددة‭ ‬مدعومة‭ ‬بالعسكر‭ ‬والمؤسسات‭ ‬والأموال‭ ‬القذرة‭ ‬تحت‭ ‬ذريعة‭ ‬محاربة‭ ‬الإرهاب‭ ‬والتطرف‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬أجل‭:‬

1- ‬إحداث‭  ‬تشكيك‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬مكتسبات‭ ‬الصحوة‭ ‬الإسلامية. ‬

2- إفقاد‭ ‬الثقة‭ ‬لدى‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬أتباع‭ ‬الحركات‭ ‬الإسلامية‭ ‬وفي‭ ‬رموزهم‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬ودعاة‭ ‬ومفكرين‭ ‬وإعلاميين. ‬

3- تفكيك‭ ‬المؤسسات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬التي‭ ‬بناها‭ ‬الإسلاميون‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬ويشتغلون‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬على‭ ‬ربط‭ ‬الجسور‭ ‬بين‭ ‬الفاعلين‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬تنافس‭ ‬المؤسسات‭ ‬الغربية‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬المستويات‭ ‬الإغاثية‭ ‬والعلمية‭ ‬والحقوقية‭ ‬والثقافية‭ ‬والنسائية. ‬

4- ‬خلق‭ ‬مفاهيم‭ ‬جديدة‭ ‬لتفكيك‭ ‬العقيدة‭ ‬الصافية‭ ‬التي‭ ‬استغرق‭ ‬تحريرها‭ ‬من‭ ‬سفسطة‭ ‬الكلاميين‭ ‬وخرافات‭ ‬الصوفية‭ ‬قرنا‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬هذه‭ ‬الخرافات‭ ‬التي‭ ‬هيمنت‭ ‬على‭ ‬العقل‭ ‬الإسلامي‭ ‬قرونا‭ ‬مديدة‭ ‬وكانت‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬أسباب‭ ‬انهزام‭ ‬المسلمين‭ ‬أمام‭ ‬الغزو‭ ‬الغربي‭ ‬المسلح؛‭ ‬تدعم‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬الغرب‭ ‬وتفرض‭ ‬كبديل‭ ‬للإسلام‭ ‬المصفى. 

5- ‬إنجاح‭ ‬محاولة‭ ‬كبرى‭ ‬لتزييف‭ ‬الوعي‭ ‬وإلحاق‭ ‬الهزيمة‭ ‬النفسية‭ ‬بالشعوب‭ ‬الإسلامية،‭ ‬والتي‭ ‬تعتبر‭ ‬الشرط‭ ‬الأساس‭ ‬لحصول‭ ‬انتكاسة‭ ‬أخرى‭ ‬للمسلمين‭ ‬تدوم‭ ‬عقودا‭ ‬مديدة‭ ‬في‭ ‬المستقبل -لا قدر الله-.‬

لذا،‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬العاملين‭ ‬أن‭ ‬ينتبهوا‭ ‬إلى‭ ‬الفخاخ‭ ‬المنصوبة‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يشاركوا‭ ‬في إنقاذ‭ ‬حضارة‭ ‬غربية‭ ‬إرهابية‭ ‬على‭ ‬وشك‭ ‬السقوط،‭ ‬وإرجاع‭ ‬الأمة‭ ‬إلى‭ ‬سباتها‭ ‬العميق‭ ‬واستسلامها‭ ‬الخانع‭ ‬من‭ ‬جديد. ‬

وخير‭ ‬الهدي‭ ‬هدي‭ ‬محمد‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم

‭——————– ‬

‭ (*) ‬ما‭ ‬بين‭ ‬النجمتين‭ ‬مقتبس‭ ‬من‭ ‬تدوينة‭ ‬لأخينا‭ ‬الدكتور‭ ‬المهندس‭ ‬البشير‭ ‬عصام‭ ‬المراكشي‭ ‬وترجمة‭ ‬النص‭ ‬من‭ ‬الفرنسية‭ ‬له‭.‬

لا يوجد تعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق