الرد الجميل فيمن دعا إلى تغيير التنزيل

25 أبريل 2017 23:21
بعد دعوته لمراجعة أحكام الإرث.. أبو حفص يدعو لإلغاء منع زواج المسلمة بغير المسلم!!

هوية بريس – فهد ملاطو

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على نبيه المصطفى، الحمد لله الذي شرع لنا أفضل الشرائع ولم يجعل لها عوجا وفرض علينا اتباع دينه الحنيف فلا نبغي به بدلا، أما بعد فهذه كلمة موجزة تعقيبا على الرفيقي فيما ساق من دعوة لفتح حوار حول مسألة الإرث وحاجة المجتمع إلى إعادة النظر في المنظومة المجتمعية التي جاء بها ديننا الإسلام.

أولا القار والمتغير

إن الدين ينقسم إلى شرائع ثابتة تأخذ أحكامها اذا تحققت مناطاتها ﻻ مجال للاجتهاد فيها إلا فيما يخص تحقق مناطاتها، كوجوب حد السرقة على السارق الذي يسرق من الحرز ما يبلغ نصاب القطع دون شبهة ملك أو اضطرار، وكثيرا ما يدندن الناس حول بعض اجتهادات الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه عام الرمادة، ويطلقون عليه زورا تعطيلا لحد من حدود الله، والأمر لا يعدو أن يكون اجتهادا في تحقق مناط حكم من الأحكام ألا وهو انتفاء الاضطرار الذي هو مانع من تطبيق الحكم في صقع محدود في حالات معينة مراعاة لشبهة الاضطرار بالنسبة لهؤلاء الاشخاص وكل هذا ان صح الخبر بذلك، فهو لم يطبق حد الله عملا بأمر الله، أما أنه منع من تطبيق حد تحققت شروطه وانتفت موانعه فهذا كذب عليه رضي الله عنه.

القسم الثاني أحكام خاضعة للتغير بحسب الاجتهاد كتعزير سارق ما دون النصاب أو كاعتبار أعراف الناس في المعاملات والبيوع إلى غيرها من أبواب الفقه التي لم يؤقت فيها الشارع شيئا محدودا وإنما وكل الحكم فيها لاجتهاد علماء الأمة وفقهائها، هذا وقد يكون كما مر الاجتهاد في باب تحقيق المناطات التي قد تخضع للمتغيرات والأعراف كتحديد الحرز في مثالنا السابق وهذا باب واسع تكفي الإشارة إليه.

اتفق علماء الأمة أن الأصل في أحكام الله الثبوت والاستقرار إن لم يشر الشارع إلى حد ينقضي العمل بها عنده، فكل من وصلته آية أو حديث ثابت من علماء الامة اعتقد ودان بوجوب العمل به ما لم يأت ما ينسخه أو يخصه، وعلى هذا دأب علماء الأمة من أولها لآخرها.

ولولا هذه القاعدة لصار كل من أراد تعطيل حكم من أحكام الله ادعى انتهاء أمد العمل به لتغير عرف أو ابتغاء تحقيق مصلحة مزعومة وهذا عين الباطل، فإذا فرض الله ورسوله شيئا فالعمل به فرض على الأمة إلى يوم القيامة إلا أن يأتي قيد في الشرع نصا أو إشارة يبين موطن الاستثناء أو الظرف التي قد يتغير الحكم عنده، كما في بعض أحاديث اعتزال الناس عند نزول الفتن أو ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بعض الظروف أو الامتناع عن تولي بعض المناصب إن كان الحاكم ذا صفات معينة إلى غيرها من الأمثلة التي أشار الشارع إلى تغير بعض الأحكام بناء على بعض الطوارئ، ويمكن اعتبار الاستحسان والمصالح المرسلة من هذا الباب أيضا.

وتجدر الإشارة هنا إلى اعتناء الصحابة إن خالجهم شك في ثبوت وتعميم بعض الأحكام بتأكيد السؤال عنها كما قال سراقة حين سأل رسول الله عن المتعة اي العمرة في أشهر الحج فقال متعتنا هذه لعامنا هذا أم لأبد الأبد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل لأبد الأبد، أو حينما سأل الذي نزلت فيه آية اقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ان الحسنات يذهبن السيئات، فقال ألي خاصة فأجابه صلى الله عليه وسلم بل لكل من عمل بها إلى غيره من الأمثلة.

دوران الحكم مع علته وجودا وعدما

أشار صاحب المقال الى قاعدة فقهية هي أن الحكم منوط بعلته ويدور معها وجودا وعدما، وهي قاعدة صحيحة لكنه أساء توظيفها، إذ محل هذه القاعدة الأحكام المنصوص على عللها التامة نصا ﻻ يتطرقه الاحتمال ﻻ ما يستنبط منه بعض حكم الحكم عن طريق الاجتهاد دون تيقن ثم يحكم بتعطيل الحكم اذا انتفت هذه الحكمة، فهذا عين الظن الذي نهينا عن اتباعه ووصف بأنه اكذب الحديث في الحديث الصحيح.

وهذا على أن بعض العلل وإن كانت منصوصة إلا انه ﻻ يوقن أهي جزء علة أم علة تامة، فما بالك إن لم تكن ﻻ منصوصة ولا مومأ إليها بشكل من الأشكال كما في مثالنا الحاضر أي كون التفاوت بين الذكور والإناث في بعض أبواب الإرث معلول بكون الذكور يتحملون نفقة اهليهم،

وتجدر الإشارة إلى كون بعض الأحكام وإن كانت منصوصة على عللها إلا أن أحكامها ثبتت وإن زالت عللها كالاضطباع والرمل عند طواف القدوم، فهو فعل أول مرة مراءاة لكفار قريش عند عمرة القضية لإظهار قوة المسلمين، على أن هذا الحكم ثابت ولو بعد زوال علة فعله اتفاقا، فعله رسول الله في حجة الوداع ويفعله المسلمون إلى اليوم، مما يجعل هذا الباب بابا خطرا ومسالكه مسالك وعرة مما حدا ببعض طوائف الفقهاء إلى نبذ القياس وإنكار تعليل الأحكام كما عليه أهل الظاهر.

إليك بعض الأمثلة لاستعمال هذه القاعدة الفقهية كي يتضح الأمر، نهى رسول الله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، وقد نص على أن النهي إنما كان من أجل الدافة، أي ما كان إلا من أجل الدافة، فلما زالت العلة رجع الحكم إلى أصله وهو إباحة الادخار، وكذلك بالنسبة لقيام الليل جماعة في رمضان إنما لم يواضب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه خوف أن يفرض على الأمة كما أخبر هو عن هذا المانع، فلما زالت العلة أي علة المنع بموته صلى الله عيه وسلم عاد الحكم إلى الاستحباب إلى غيره من الأمثلة.

أما عن أمثلة العلة غير التامة فكتعليل إعفاء اللحية بمخالفة المشركين، فقد علل الشارع الأمر بالإعفاء بمخالفة المشركين، وهي علة غير تامة لأنه جاء في الحديث عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عشر من الفطرة ومنها إعفاء اللحية، فكون المشركين اليوم ﻻ يعفون لحاهم ﻻ يعني سقوط هذا الحكم.

أما ما قد يعارض به تعليل التفاوت بين الذكر والأنثى في الإرث بكون الرجال يتحملون النفقات فنقول، أين في الوحي أن هذه علة هذا التفاوت، وإن سلم ذلك فكيف يستيقن أنها علة تامة يترك الحكم عند تخلفها، إن هو إلا التخرص والظن، فما الفرق بين هذه الدعوى ودعوى كون الزنا محرما لحفظ الأنساب فإن أمنا الحمل فلا بأس بارتكاب الفاحشة اذا لأن الحكم يدور مع علته، وكذلك القول في اللواط وتغير الأعراف، والقول في لباس المرأة الشرعي إلى غيرها من الأمثلة التي لو طردنا هذا الاستدلال فيها لم يبق لنا من الإسلام إلا اسمه.

مبنى الإسلام على الاستسلام

المسلم من استسلم وخضع لأمر الله ظاهرا وباطنا، وصدق قول ربه ورضي بحكمه، ويرافق هذا الخضوع والاستسلام ايقان بكون الخالق أرحم به من أمه وابيه، يعلم ما يصلحه وما يفسده، أحل له كل الطيبات وحرم عليه كل الخبائث، العليم الحكيم، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون، شرعه أفضل الشرائع وحكمه أعدل الأحكام.

هذا الاستسلام مبني على الإيمان بأن الله حكم عدل وشرعه كله رحمة وحكمة، أدركها من أدركها وجهلها من جهلها، وليس المقام مقام مناقشة حكمة الله العزيز الحكيم في تشريع هذا التفاوت بين الذكر والأنثى في الإرث، إنما المقام مقام بيان أن مبنى عقيدة المسلمين على قوله عز وجل، ” إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ”، “وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ”.

كيف نعالج الاعوجاج الحاصل؟

قد علل صاحب المقال دعوته المجتمع لفتح حوار حول مراجعة أحكام الإرث على الحيف الحاصل لفئة من النساء اللواتي يتحملن نفقة اهليهن، فنقول، فهلا عالجنا مشكلة هذه الفئة من النساء، بالرجوع الى شرع ربهن الذي ضمن لهن الكرامة والعزة، وهي حالة استثنائية قصارها أن تأخذ حكمها الاضطراري الذي يقدر بقدره، هلا فتحنا حوارا لمراجعة حالتهن وحدهن في ظل الشريعة التي راعت المصالح المرسلة والاستحسان والاضطرار وتركنا باقي المجتمع تحت كنف شريعة ربه، فمثل حالتنا كمثل دواء يوالم معظم الخلق إلا فئة قليلة متغيرة المزاج، فجاء أحدهم وقال هلا استبدلنا الدواء للجميع عوض دراسة الفئة الفاسدة المزاج على حدة كي يتوصل لها إلى الدواء المناسب.

ثم نقول، المسلم يوقن أن كل داء إنما يأتي من الابتعاد عما شرع الله، وكل دواء إنما هو بالرجوع إلى الله والى شرعه الحنيف الذي ﻻ يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكلما كانت الأمة بعيدة عن شريعة ربها كلما تفشت فيها الأمراض المعضلات، والأدواء المشكلات، فالمصلح الحق من يسعى لرد الأمة لشرع ربها وسنة نبيها، ﻻ من يسعى لحل مشكلة إنما حدثت جراء ابتعاد الأمة عن شرع ربها بمزيد من الابتعاد، فمثله كمثل القائل وداوني بالتي كانت هي الداء.

وتنزلا عند الحوار، فقبل الحكم عن فشل شرع الله في حل مشاكل المجتمع في هذا الباب ومعاذ الله، فهلا تساءلنا هل نحن طبقناه بشكل صحيح ومع مقاربة شاملة تشمل كل ما أوصانا به ربنا ورسوله في ما يخص المرأة وأحوالها في المجتمع، من نكاح ونفقة وإرث إلى غيرها من الأبواب المتعلقة بأحوال المرأة.

وبعد، وختاما لهذه الكلمة الوجيزة فنقول لصاحب المقال، ردنا على دعوتك فتح حوار حول قضية الإرث هو قوله تعالى مباشرة بعد تفصيله أحكام الإرث في سور النساء: “تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله ندخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده ندخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين”، وقال بعد آية الكلالة في آخر السورة: “يبين الله لكموا أن تضلوا والله بكل شيء عليم”، فإياكم والضلال أيها المسلمون.

آخر اﻷخبار
1 comments
  1. السلام عليكم ورحمة الله
    “يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم” المرجو تصحيح الاية من خطا في الكتابة
    بارك الله فيكم

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M