الشيخ مولود السريري: المقرَّر المعلوم في شأن بناء الأحكام أنَّ الثَّابتَ لا يرفع بالاحتمال

04 أغسطس 2017 01:33
الشيخ مولود السريري يحاضر في ندوة: «المدرسة المالكية المغربية وصناعة الفتوى»

هوية بريس – د. مولود السريري

من المعلوم أنّه لا حرّية فكرية حقيقيّة إلّا بتخطّي أحكام النُّفوسِ ومقتضياتِها، والانفكاك عن أغلالها، وقيودها، والتّشمير عن ساعد الجدّ في طلب حقائق الأشياء بما يوصل إليها من وسائل، وسبل كيفما كانت، ولا يصحُّ أن يصدَّنا عن ذلك غرورُنا المبنيُّ على ادّعاء أنّنا بالبديهة ندرك تلك الحقائق، وكأنَّ كلَّ ما أدرك بالبديهة قد أدركت حقيقته، ثمّ ما الذي أدرانا أن حالتنا الذهنيَّة حالةٌ قامت بها حقيقة الصّواب، والإصابة في الإدراك على كلّ حال، بل ما أدرانا أنَّها حالة صالحة للخوض في مثل هذه الأمور.
لا يوجد دليلٌ يقضي بهذا أو يدلُّ عليه على الإطلاق، وبذلك فإنَّه لا بدّ من السَّعي إلى كسب المعارف الَّتي توجِّهُ العقولَ في كلّ موضوع إلى فهمه وإدراك حقيقة شأنه.
وصلاحيَّة الذِّهنِ للنَّظر في الأمور الدّينيَّة لا تكون إلَّا باستحضار ما ذكر وما في حكمه: لأنَّه من الزُّورِ والظّلم أن يقصر النَّظر في أمرها على احتمالٍ نفسيٍّ واحد وهو أنَّها من أساطير الأوَّلين –مثلا- فقط، ويكتفى بذلك دون التبيّن والتّثبُّت من صحَّةِ هذا الاحتمال الذي هو في واقع الأمر احتمالٌ يبتدره من قصر نظره عن الحقيقة واعتاد على القول بالأحكام السَّهلة التي تدلُّ على نفسٍ مشحونةٍ بالغرور، ومصوغة صياغة صيّرتها جامدة راكدة، وعلى معرفة قشرية سطحية، وتعلم منحط، وممارسة سلطة فكريّة وهميّة، وكلّ هذه الأشياء من الآفات النّظريّة الصَّادَّة عن الأبصار، وإدراك الأمور على ما هي عليه في واقع الأمر.
وممَّا يقضى منه العجب أنَّ الاحتمال الذي يلفظه واقع وحال الموضوع المدَّعى وجوده فيه؛ يعدُّ عند العلمانيين احتمالاً صحيحًا، بل أمرًا علميًّا.
والاحتمال الذي تقتضي أحوالُ موضوعِه وماهيَّتِه صحَّتَه يُعرِضونَ عنه، ويعدُّونه احتمالاً ملغًى اعتباره.
يرد على الذِّهن في هذا الموضوع أمثلة كثيرة، وفي صدرها ما يلوكه جمعٌ من هؤلاء النَّاس في أمر إبقاء الإسلام لأحوالٍ وأفعالٍ كانت تؤتى في زمان الجاهليَّة، وتثبيته إيَّاها.
فهؤلاء يرون أنَّ هذا الذي أبقاه وثبَّته الإسلام من أمور الجاهليَّة جاهليٌّ، وبهذا فالإسلام لذلك مشتمل على أمور جاهليّة منحطة جعلت مشروعة بهذا الدّين، وهي ليست بشيء، فالإسلام إذن ليس يأتي بطائل، وعدَّدوا من ذلك بعض الحدود الشَّرعيَّة، والقسامة، والإيلاء، وما هو من هذا الصّنف.
وهذا لا يخفى أنه زبدُ نفسٍ تشمئزُّ من الإسلام، إذ من المعلوم أنَّ الإسلامَ لم يبن على الإزالة المطلقة للأفعال والأحوال وإنَّما كان مبتناه على إزالة الباطل وإقامة الحقّ، وذلك قد يحصل بالصّرف عن الاعتقاد الفاسد في التَّصرُّفاتِ والأفعال التي خاللها ذلك الاعتقادُ الصَّحيح فيها من غير إزالتها.
وهذا تحقّق جريانه ووقوعه في أفعال كان عليها أهل الجاهليّة وكانوا بفعلها مشركين، إذ صيَّروها عبادة لأوثانهم، ويحتمل أن تكون ممَّا أخذ من ملّة إبراهيم، ثم حُرِّفَ عن حقيقته، وبقي على ذلك إلى أن ردَّه الإسلام إلى أصله، وما كان عليه في حقيقة أمره.
وقد يحصل ذلك بالإزالة المطلقة، إذا كان ذلك هو ما تقتضيه قواعد الإسلام وأصوله، وهذا يمضي في كلّ فعل قبيح بذاته – كمنع النساء من الإرث، وجعلهنَّ مِلْكًا بعد موت الزوج، والرّبا – لا بما يعرض فيه من العوارض المنكرة، كالصنف المتقدّم ذكره أولاً.
ومقتضى هذا أنَّ صورة الإصلاح والتَّصحيح الإسلامي يجري في كلّ أمرٍ على حسبِ ما يتحقّق به ذلك فيه ويحصل، وذلك قد يكون بكلّ وجه يتأتَّى به ذلك، والغرض الأكبر هو تصحيحُ المعتقدات برفع الظُّلم العظيم – الشرك – فيها؛ وتتميم مكارم الأخلاق، وجعل التَّصرُّفاتِ البشريَّة مضبوطة بالشّريعة، بجريان أحكامها عليها.
والإزالة لما كان عليه أهل الجاهليَّة بالإسلام والإبقاء له يقرّر حكمه على مقتضى هذا الغرض وموجبه.
هذا هو الأمر الثَّابتُ جريان بناء الإسلام عليه، والمحدث من الأمور والمبقى منها به في ذلك سواء.
والمقرَّر المعلوم في شأن بناء الأحكام أنَّ الثَّابتَ لا يرفع بالاحتمال، وهذا تقضي به العقولُ ويشهدُ على صحَّته واقعُ الحال.

آخر اﻷخبار
1 comments

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M