العنف في اللاعنف: الجدل الغائب عن وعي عبد الرحيم الشيخي

05 أكتوبر 2020 21:15
السيرة النبوية على ضوء شرطنا التاريخي.. قراءة في كتاب “متطوع مكة”

هوية بريس – محمد زاوي

لا يَكْمُن العنف في التغيير بالقوة المادية فحسب، بل إنه يتجاوز ذلك إلى أنْ يتستر تحت قناع سميك هو “اللاعنف”. ولوضوح الأول، فقد تمكنت الحركة الإسلامية من التخلي عنه، تأصيلا (1)وممارسة. وما زادها تخفي الثاني وتستره بالإيديولوجيات العولمية غيرَ ارتماء في أحضانه، وغيرَ انتشار في صفوفها كما تنتشر النار في الهشيم. خوض الحروب بالوكالة تحت ذريعة المقاومة، تجزئة الدول ذات السيادة، تفكيك الحصون الثقافية للدول، إلغاء “الفاعلية القطرية” بغاية “وحدة الأمة”، الإفتاء باغتيال بعض الرؤساء والإعراض عن فقهائهم، تبني خطاب عولمي صادر عن الأجنبي… إلخ؛ أليس هذا بعنف؟ أليس بعنف متستر تحت أقنعة: الديمقراطية والحرية والمقاومة والأمة و”فقهاء الحرية”… إلخ؟

سيعتبر بعضهم ما ذُكِر أعلاه مجرد ادعاءات، وهو ما سيزول بالقرائن التالية:

– قرينة خوض حروب بالوكالة: خوض حرب في أفغانستان لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، ما صدر عن “حماس” في الحرب على “نظام بشار الأسد”… إلخ.

– قرينة تجزئة الدول ذات السيادة: المساهمة في تجزئة ليبيا وسوريا، بالدعوة إلى “الثورة” فيهما معا، حيث لا توجد إلى شروط الفتنة. ويمكن أن ندخل في هذا الإطار ما يحاك للسعودية، وكيف يوظّف في ذلك “شيوخ الحزب الديمقراطي الأمريكي”… إلخ.

– قرينة تفكيك الحصون الثقافية للدول: بالتمرد على مؤسساتها الدينية التقليدية، والتزهيد في اختياراتها المذهبية والعقدية، أو بنسف هذه الاختيارات تحت قناع حفظها… إلخ.

– قرينة إلغاء “الفاعلية القطرية” بغاية “وحدة الأمة”: الانتماء إلى مؤسسات دولية ذات أجندات لا وطنية (أو أجنبية على الأقل)، الانسياق وراء معارك إيديولوجية على حساب قضايا الأوطان، إصدار المواقف في القضايا الدولية دون اعتبار لمواقف إدارات الدول… إلخ.

– قرينة الإفتاء باغتيال بعض الرؤساء: الأمر الذي حصل مع بشار الأسد، ومع العقيد الشهيد معمر القذافي… إلخ.

– قرينة الدعوة إلى الإعراض عن بعض الفقهاء وهيئات الإفتاء والمؤسسات الدينية الرسمية: الأمر الذي حصل مع الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي، وهو اليومَ حاصل من أجل تبخيس المؤسسات الدينية في السعودية، وكما يحصل مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية… إلخ.

– قرينة تبني خطاب عولمي صادر عن الأجنبي: وقد تجلى ذلك بداية في تبني مفاهيم: “الحرية” و”الديمقراطية” و”حقوق الإنسان” و”الثورة”… إلخ. وكلها مفاهيم تم تبنيها خارج الشروط التاريخية لكل قطر من أقطار الوطن العربي، في إطار كتابات عديدة: “الأمة هي الأصل” (أحمد الريسوني)، “مبادئ الديمقراطية الغربية وأصول الحكم في الإسلام” (محمد راشد الغنوشي)، “الشورى والديمقراطية” (حسن الترابي)، “فقه الثورة” (أحمد الريسوني)، وكتابات أخرى لعلي بلحاج وسلمان العودة وأحمد الخليلي… إلخ.

******

إن هذا العنف المستبطَن في اللاعنف، هو ما تجاوزت حركة التوحيد الإصلاح بعضَه (لا كلّه):

– بعدم مساهمتها في تجزئة المغرب زمنَ “فتنة الربيع”.

– بتبني القضايا الوطنية: الملكية، الصحراء المغربية، اللغة العربية… إلخ.

– بتبني “الاختيارات المغربية في التدين والتمذهب”: إمارة المؤمنين، مقرأ الإمام نافع، المذهب المالكي، العقيدة الأشعرية، تصوف الجنيد، القراءة الجماعية للقرآن… إلخ.

– بالاستقلال التنظيمي والإيديولوجي عن “التنظيم الدولي للإخوان المسلمين”.

– بالتعاون مع فقهاء الدولة ومؤسساتها الدينية فيما تمّ عليه الاتفاق، بالرغم من الخلافات الواردة على هذه العلاقة بين الفينة والأخرى.

… إلخ.

******

وبالرغم مما ذُكِر أعلاه، فإن الحركة ما زالت مطالبة بالآتي:

– مراجعة موقفها من حرب أفغانستان، وهو الموقف الذي تلفّه أغلفة من الإيديولوجيات، أدناها تضليلا هي أدلوجة “المقاومة”، وأقصاها تضليلا هي أدلوجة “مواجة المدّ الإلحادي السوفييتي”.

– مراجعة موقفها من تجزئة سوريا وليبيا، وهو الموقف الذي تلفه إيديولوجيات أخرى: “رفع الحصار عن الشعب الليبي”، “مواجهة طاغوت ليبيا”، “إسقاط الاستبداد البعثي”، “ثورة الشعب السوري”… إلخ.

– التقدم أكثر في العلاقة بالمؤسسات الدينية الرسمية للدولة، وبفقهائها ورموزها. وكل ذلك بوعي تاريخي وطني، وليس بمنطق براغماتي عابر.

– الوعي بالدور التاريخي ل”الاختيارات المغربية في التدين والتمذهب”، باعتبارها تجليا للتوافق بين المجتمع والدولة عبر التاريخ، وباعتبارها نتاجا للخدمة المشتركة من قِبل “علماء الشريعة” وسلاطين المغرب وملوكه وأمرائه.

– المزيد من التأصيل للوعي بالوطن وقضاياه، وذلك بعد تحقق هذا الوعي موضوعيا وتاريخيا، حتى لا يختلط بالعواطف والإيديولوجيات. ففي مسائل الوعي، تتميز القيادة عن القاعدة في كل تنظيم، وإلا لما بقي لهذا التمييز معنى.

– تبني مفهوم “الديمقراطية” في سياق “معركة الانتقال الديمقراطي المغربية” بمختلف محطاتها التاريخية (من الاستقلال إلى اليوم)، حيث يجب تأطير معركة الديمقراطية بالقضية الوطنية (2). والحذر كل الحذر هنا من اتخاذ “الديمقراطية التشاركية” بديلا عن “الانتقال إلى ديمقراطية تمثيلية”، ومن عدم التمييز بين واقع “الديمقراطية” وواقع “الانتقال الديمقراطي”.

– تبني مفهوم “الحرية” في سياق المعركة ضد “الاستعمار الجديد”، وليس في سياق إعادة فتح نقاش في مسائل “الحريات الفردية”. فإشكاليتنا إشكالية “تحرر” من الاستعمار، وليست إشكالية “حرية” التحلل من الضوابط والالتزامات الأخلاقية والقانونية في الشرط المغربي.

– تنزيل كل الخطابات أعلاه بقوة وكثافة في كل الجهات والمناطق والمحليات، بنفس الطريقة التي يتم بها تعميم المذكرات والبرامج والحملات ودروس سبيل الفلاح.

– ومن أجل أن يتحقق كل ذلك، فإن قيادة”الحركة” مطالبة بالانفتاح على علمين أساسيين هما: التاريخ والاقتصاد السياسي. وليس المقصود بذلك هو الانفتاح على النموذجين البورجوازيين منهما، فانفتاح من هذا النوع لن ينتج إلا المزيد من السقوط في استراتيجية الآخر (الإمبريالية الجديدة). فالعالم اليوم، وشؤون الدول أيضا؛ كل ذلك لا يفهم في غياب الوعي ب: قواعد التاريخ عامة، التاريخ الخاص بكل دولة، بنية الاقتصاد السياسي الرأسمالي (نشأة وتطورا)… إلخ.

******

قد يتساءل وبعضهم:

“في أي سياق نسوق كل هذه المراجعات والتنبيهات؟”

ونحن نجيب:

“إن مناسبة كل ذلك هي تفاعل رئيس حركة التوحيد والإصلاح (عبد الرحيم الشيخي) مع الندوة التي نظمها “مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية”، وهو التفاعل الذي نعتبره غير سديد في الشرط العربي الراهن، لأسباب سنذكرها”.

يمكن تلخيص تفاعل عبد الرحيم الشيخي فيما يلي:

– اعتبار المعارض السعودي جمال خاشقجي “معارضا إصلاحيا”، ونحن نتساءل هنا: “كيف يكون “المجمع الصناعي العسكري الأمريكي” الذي جزأ الوطن العربي إربا إربا، ويحاول اليوم أن يفكك السعودية ويضعفها؛ كيف يكون هذا المجمع إصلاحيا؟ وكيف يكون رعاياه ومحميوه إصلاحيين؟”.

– إضفاء إيديولوجيا “إنسانية كونية” (عولمية) على المعارضين العرب، وهم الذين يخدم الكثير منهم مصالح الإمبرياليات، بقصد أو بغير قصد.

– عدم تأطير المعركة الحالية بتناقض رئيس، ما جعل الشيخي يساوي بين النضال ضد سياسيات الأنظمة العربية، وسياسيات الإمبرياليات. والحقيقة، أن تناقضنا الرئيس هو مع “الاستعمار الجديد”، وليس مع “الأنظمة العربية” بالرغم من دخولنا في معارك ضد بعضها بين الفينة والأخرى.

– تحديد لا تاريخي للاعنف، ما يجعله يستبطن أنواعا من العنف لا يعيها الشيخي، من قبيل: تفكيك الثقافة الوطنية، تحريض الجموع للاحتجاج على ضوء إشكالية أجنبية (استعمارية)، اعتبار الفتن ثورات، تفكيك الدول ذات السيادة بخطاب ديني نقيض لخطابها الرسمي (كما أريد له أن يقع في السعودية، وفي المغرب من قبل “جماعة العدل والإحسان”)… إلخ.

– اتخاذ موقف سياسي مما يقع في السعودية، وهو الموقف الذي كان منحازا للطرف الذي يمثل الرجعية في السعودية (الطرف الذي يمثل “المجمع الصناعي العسكري الأمريكي”). ولأن الشيخي يفتقر إلى منهج تفسير ناجع لما في الخليج العربي، فلم يجد بدّا من استنكار “الظلم والسجون والاستبداد”، كما يفعل عامة الناس.

******

إننا نعذر عبد الرحيم الشيخي في موقفه هذا، لأنه تحصيل حاصل. ولكنها فرصة مواتية لندعوالحركة الإسلامية المغربية، وفي مقدمتها “حركة التوحيد والإصلاح”، إلى افتتاح مراجعة نظرية وإيديولوجية شاملة. فذلك هو السبيل الوحيد لاكتساب استراتيجية لا تخدم استراتيجية الاستعمار، ولاستكمال مسار المراجعات الذي توقف بمجرد إيمان فصيل من الإسلاميين بالمشاركة السياسية.

الهوامش:

(1): المقرئ الإدريسي أبو زيد في كتابه “معضلة العنف: رؤية إسلامية”، عبد الحميد أحمد أبو سليمان في كتابه “العنف وإدارة الصراع في الفكر السياسي الإسلامي بين المبدأ والخيار: رؤية إسلامية”… إلخ.

(2): “ممارسة الاختلاف في إطار الوحدة”، بتعبير عبد الصمد بلكبير.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M