محاضرة “ضوابط فهم السنة النبوية وطرق استثمارها” لفضيلة الفقيه العلامة مولود السريري

28 نوفمبر 2018 22:30
محاضرة "ضوابط فهم السنة النبوية وطرق استثمارها" لفضيلة الفقيه العلامة مولود السريري

هوية بريس – الطالبة الباحثة خديجة الواحدي

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله إلى يوم الدين.

هذا الموضوع مصدر بلفظ ضوابط، وضوابط كما هو معروف جمع ضابط، والمقصود بالضابط هنا القانون المعرفي الذي يقوم بالذهن، ويسدد به النظر، ويوجه به الفهم، هذا هو معناه هنا.

ويُشترط في هذا الضابط أن يكون شرعيًا، فلابد أن تشهد له الشّريعة بالاعتبار؛ لأن كل ما هو شرعي يجب أن يثبت بالشرع، وعلى هذا فإن كل ضابط من هذه الضوابط التي تراد هنا موجزة لابد أن يشهد لها الشرع بالاعتبار وبالأحقية.

ولا شك أن كلمة ضوابط هنا تُدرج جملة من هذه الضوابط نظرا إلى أنها على أنواع، لأن الضوابط في باب السنة منها:

– ضوابط القبَول، أي: الشروط التي وضعت لقبول الحديث، وهذه الضوابط منها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه.

ومعلوم أن هذا الضرب من الضوابط الناس فيه على مذاهب ثلاثة:

– الذين توسطوا،

– والذين لم يضعوا إلا شروطا يسيرة،

– والذين يضعون شروطا وضابطة كثيرة كالحنفية، وهذا لا يهم الآن إيراده نظرا لأنه لو وقع الاشتغال به فسيفضي بنا القول إلى قصر الحديث على هذا الصنف.

– النوع الثاني هو ضوابط الحَمل: أي القواعد العلمية التي تصحب الناظر في الحديث من أجل أن يتوصل بها إلى حمل اللفظ على معناه، وهذا قد تكفل به علماء الأصول، وبيانه ذلك في كتبهم.

كذلك من الضوابط التي تدخل تحت هذا العنوان؛ ضوابط التنزيل، وهو الكلام فيه أيضا متسع.

هذه الأقسام كلها إذا وقع سردها فسيطول الحديث، لذلك سوف نخصص الحديث عن الضوابط التي اختص وانفرد بها المالكية في فقه الحديث.

ومعنى انفردوا بها أنهم يعملون بها مُبَرَّزِين في ذلك على من سواهم من المذاهب الأخرى.

وإنما نخصّص الحديث بهذا الضّرب؛ لأن فيها الجواب عن الكثير من الأسئلة التي يوردها بعض طلبة العلوم الفقهية على المذهب المالكي، ونريد أن يُفهَم منها الجواب العام، الذي يجب على طالب الفقه أن يستصحبه في الجزئيات التي قد ترد عليهِ في هذا المقام.

من هذه الضوابط:

ضابط الاحتياط: وهذا الضابط في واقع الأمر مؤصل، ومبين بالأحاديث النبوية التي ورد فيها وجوب سلوك مسلك تبرئة الذمة من الأمور الشرعية، ويستدل على ذلك بالأحاديث التي وردت في هذا الباب التي تبث بها مبدأ الاحتياط في هذا المقام.

وهنا طالب العلوم الشرعية يرد على ذهنه أمر مهم، وهو أن بعض الأصول التي نستعملها في الفقه هي نفسها التي نستعملها في بناء الأصول، وكلها يجب أن ترجع إلى الأحاديث النبوية.

فإذا كنت تحتاط مثلا: في أمر فقهي كزيادة ركعة شككت أنك أتيت بها، فإن هذا التصرف نفسه هو الذي تجد عليه الأصوليَّ أو الفقيه حينما يقرر القواعد، وهذه تسمى الأصول المشتركة التي يبنى بها الحكم الفقهي المتعلق بالأفعال، وتبنى بها القواعد والأصول.

إن كثيرا ما كان يعتقد بأن هذه القواعد مخصوصة ببناء الفروع، ولكن الأمر في الحقيقة على خلاف ذلك، فإن هذه تُبنى بها الفروع الفقهية في مواضيعها، وتبنى بها القواعد الأصولية أيضا، والقواعد الفقهية، وكل ذلك مرده إلى ما يسمى بالقواعد الموجهة.

وهذه القواعد الموجهة أصل في تركيب المؤمنين، وهي مزروعة مغروسة في قلوبهم، فلا قاعدة يعمل بها إلا انضمت إلى القاعدة النفسية الموجهة، فهذا الأصوليُّ وهذا الفقيه إذا كان يدرس وضع قاعدة مّا؛ فإنه يستدعي هذه القواعد القلبية، وهذه القواعد القلبية الموجهة هي التي تحكم نظر الأصوليِّ والفقيه، وغيرِهم.

ولهذا يجب على طالب العلم أن يتنبه لها حتى يعلم سبب الاختلاف، فإنه في حالات كثيرة نجد الأصوليين والفقهاء يختلفون لكن إذا دققنا النظر في موجب ذلك نجد هذا مرده إلى تلك القواعد  النفسية، تلك القواعد الموجهة الباطنية، فكلها مبنية على الخوف من الله.

بعض الناس لا يعلم هذه الحقيقة، ويظن أن تلك الحركة مجردة نظرية، وليس كذلك، بل هي نفسية وجدانية بالدرجة الأولى، فإذا مثلا رجعنا –وهذا على سبيل الاستطراد فقط- إلى الحمل للصيغ على مقتضياتها نجد أن الفقهاء على مرتبتين؛ مرتبة من يسعى إلى حمل اللفظ على أعلى درجاته يقول: الأصل في الأمر أنه للوجوب  يقول: “لا يمكنني أن أتنازل عن هذه الدرجة لأنها إذا حمل عليها اللفظ برئت ذمتي وآتيت الأمر على أقصى ما يمكن أن يؤتى به”، وهذا يريحه من الناحية النفسية بينه وبين الله.

وقد تجد فقيها آخر أو أصولي يقول: “لا، هذه الصيغة يجب أن تحمل على الندب لأنني لا أستطيع أن أدخل في دين الله تعالى ما أشك فيه.”

فهذا يخاف أن يقصر في الحمل فيسأل عن البتر، وذاك يخاف أن يقول في دين الله ما يشك فيه، فكلاهما في واقع الأمر لهما أصل نفسي، وهو المعول عليه في هذا الباب، وبذلك فإنك عندما تدرس العلوم الإسلامية لا تقتصر على القواعد الظاهرة لأنها محمولة بالقواعد الباطنة، وهذا الاحتياط يصار إليه من أجل تبرئة الذمة، ومن أجل حفظ الدين من التغير، ومن أجل إبلاغ الدين على أتم وجه وأكمله.

وهذا الاحتياط في المذهب المالكي على أضرب ثلاثة:

الأول:الاحتياط في نقل الفعل النبوي العادي، فطريقة المالكية في هذا النقل أنهم ينقلون الفعل على ما وقع عليه بصورته الأصلية، ويعتبرون ذلك شرطا في الصحة، وشرطا في تمام الماهية والحقيقة، ومن ذلك على سبيل المثال مثلا: نقلهم لهيئة صلاة الجمعة، فكثيرا ما كان بعض الناس ينتقد وجود شروطا في المذهب المالكي، ويقول لماذا يشترط المالكية في الجمعة كل هذه الشروط؟ ومن أين جاؤوا بها؟ وكيف جاؤوا بها؟  ونحن على دراية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصرح بها.

المعروف عند المالكية أنهم إذا نقلوا الفعل العادي، ينقلونه بهيئته التي وقع عليها في الزمان النبوي على الوجه الذي ورد عليه في الزمان، والمكان، والأحوال، واللوازم، فينقلون في شروطهم وجود المسجد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلي الجمعة إلا في المسجد، وينقلون وجوب السقف إذا كان هذا الذي في المسجد يسمى سقفا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكى عنه أنه صلى إلا في مكان مسقفٍ كيف ما كان هذا النوع من السقف، ويشترطون أيضا أن يكون الذين يصلون الجمعة صفوفهم متصلة بالمسجد إن لم يرد غير ذلك.

فيأتي بعض الناس ويقولون: لا لماذا هذه الشروط، هذه الشروط التي زادها المالكية ما أنزل الله بها من سلطان

نسألك في هذا الموضع: إذا أراد الشخص أن يحتاط في الدين ما الذي يمكن أن يفعله غير هذا؟ إذا نقلت إليك صلاة الجمعة بهذه الصورة فقد نقلت إليك بتمام حقيقتها في الزمان النبوي واحتاط هذا الناقل ليمكنك من الإتيان بالعبادة على تمام وجهها، فمحاسبة المالكية على هذا الاحتياط في نقل الفعل إذا كنت تريد أن تقول بأنك تعلم ما هو شرط وما هو ليس بشرط في هذا الباب فهذا مما لا تستطيع أن تدركه.

كيف يمكن أن نعلم مثلا أن البناء شرط أو ليس بشرط؟

إذا قلت ليس بشرط فما دليلك على ذلك؟ هم يقولون لك نحن ننقل العبادة النبوية كما رويت بجميع لوازمها، وخصائصها، وصفاتها، وأحوالها لننقل لك دين الله كما وقع، وكما فعله، وهذا الذي نفعله المراد به أن نحتاط لكم في نقل الدين على تمامه، ولو فعلت هذا الذي ذكره المالكي لك لأجمعت الأمة على صحة فعلك، وصحة عبادتك، لو فعلت غير هذا فإنه يقدح في هذا الفعل بالخلاف.

عندنا مذهب عظيم في هذا المقام، لو غصنا في هذه الأمور ودققنا فيها النظر لوجدنا أن هذا من باب الاحتياط في الدين، وتبليغ الدين على تمام الوجوه، وما ذكرناه في مسألة الجمعة نذكره في مسألة القصر، فقد نقلوا القصر على الوجه الذي لو فعل به واتبع كان ذلك من نقل تمام الصورة بلا إشكال وبلا إخلال بحقيقة ما فُعل في الزمن النبوي.

بعض الشباب الآن يقفز ويقول: لا، ويستدل “إذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة” والضرب في الأرض موجبه السفر، هنا نسألك ألا يوجد مفسر لهذا السفر؟ ألا يوجد من فسر حد هذا السفر وحقيقته؟ أليس صاحب الرسالة هو الرسول صلى الله عليه وسلم؟ أليس هو الذي يضع الحقائق بأفعاله وبأقواله؟ ألم يضع صورة هذا السفر مضبوطة معلومة بحقيقتها؟ لماذا تريد أن تتخطى السنة؟

وهو يدعي بأن هؤلاء خالفوا السنة، وإذا رجعنا إلى الحقيقة نجد أن هذا الأمر في حقيقته على خلاف المدعى.

هنا ينظر المرء في هذه المسائل ويتأملها ويمعن النظر في شأنها ليعلم حقيقتها، من أنصف من نفسه عرف أن طريقة الاحتياط في نقل العبادة الفعلية عند المالكية كان مما يمكن أن ترتاح إليه النفس؛ لأن الإجماع يقع على صحتها ولا يخالف في ذلك أحد، في الجمعة والقصر والتيمم.

إذا كان الأمر فيه نقاش فنبحث عن الأصول، ونبتعد عن مناقشة الفروع، ونناقش الفروع مفصولة عن الأصول؛ لأن الذي لا يعرف أصول الأحكام لا يمكن أن يقومها تقويما صحيحا، أو تقويما علميا، إذا ما أتى الفقيه برأي وأردت أن تقومه مفصولا عن الأصل فهذا مما لا يمكن أن تصل إليه، فالواجب هو النظر في الأصل، وهذا الاحتياط في نقل العبادة معروفة عند المالكية، وعلى طالب العلم أن يشتغل في البحث عن هذا الأمر فإنه مهم جد.

النوع الثاني من الاحتياط: الاحتياط في حفظ العقيدة، العقيدة الحكمية، والمراد بها أن الشرع إذا حكم بحكم في أمر ديني وجب أن نسعى إلى حفظ هذا المعتقد الحُكمي، إذا كان هذا الشيء واجبا يجب علينا أن نسعى دائما أن لا نخل بهذا الاعتقاد، وإذا كان مندوبا يجب علينا أن لا نخل بهذا الاعتقاد، وهذا ما يسمى بالاعتقاد الحكمي.

الإمام مالك وضع أصلا في هذا الباب قد قرره الشاطبي بزيادة بيان، وهو أنه إذا كان التصرف سوف يفضي إلى إفساد عقل الناس في الاعتقاد الحكمي وجب ترك، وهذا ما خرج عليه إفتاء الإمام مالك بمنع إتباع صيام ست من شوال لرمضان، منع ذلك احتياطا للاعتقاد وهكذا؛ لأنه يخاف أن يعتقد الناس بأن هذه الست أيام من شوال سوف تدرج في رمضان، وكرر ذلك منه حتى أفتى أن على الفقيه المقتضى به أن لا يتنفل في المساجد على الدوام؛ لأن الناس قد يظنون أن هذا التصرف من الواجبات، ويحرم على المقتضى به أن يأتي أفعالا على الدوام حتى لا يعتقد المعتقدون بأنها من  الواجبات الدينية، فيؤدي ذلك إلى تبديل الاعتقاد الحكمي في هذه المسألة.

وهذا معروف بأن المالكية لهم فيه مبدأ عظيم وعلى هذا يقاس كل ما يمكن أن يبدل به الاعتقاد الحكمي .

النوع الثالث الاحتياط في الحمل: وهو أن يحمل اللفظ على أعلى درجاته لتبرئة الذمة، وهذا الكلام فيه طويل، حمل العموم، حمل المطلق، حمل الأمر، حمل النهي.

وهذا الكلام فيه طويل جدا ولكن يمكن أن يفهم المراد باللفظة العامة وهو الاحتياط في الحمل.

هذا هو الضابط الأول الذي عند المالكية، وهو كما ترون منقسم إلى ثلاثة أقسام: الاحتياط في نقل الفعلي العادي، الاحتياط في حفظ الاعتقاد، الاحتياط في الحمل.

 الاحتياط الثاني: اعتبار العمل العادي المستمر دون الفعل الذي يقع مرة أو مرتين، وهذه طريقة في الفقه المالكي.

ما معنى اعتبار العمل العادي المستمر؟ أن الحديث قد يرد وهو صحيح، ولكنه قد يصدم بأن العمل الذي عليه النبي صلى الله عليه وسلم مستمر عليه على خلاف ذلك، وهذا أيضا مما يجب أن يتنبه له طالب علم الفقه، فمثلا تقرر سنية سجود الشكر، وسجود الشكر عند المالكية مكروه لماذا؟

يقول البعض تركتم السنة؟ في هذه المسألة يجب أن يتبين طالب الفقه بأن الذي يعتبر سنة هو العمل العادي المستمر، ما هو العمل العادي المستمر: هو أن النبي صلى الله عليه وسلم تأتيه الأفراح وهي متكررة، وتأتيه الفتوحات وهي متكررة طول حياته وما كان يسجد شكرا لله تعالى واستمر على ذلك، وكان عمله العادي استمر عليه، ولهذا الإمام مالك يقول إذا ورد عليه الحديث: ليس عليه العمل، الشاطبي يقول في بيان هذه العبارة بأن معنى ليس عليه العمل: أنه يخالف هذا العمل العادي المستمر، وأورد ذلك في الموافقات وأطال فيه الكلام، بمعنى أننا إذا أردنا أن نعرف السنة فلابد أن نأخذ بالراجح وهو الذي وقع عليه الاستمرار ووقع عليه الدوام، وخاصة إذا كان قد وجد الموجب وتخلف الفعل كما في هذه المسألة.

وكذلك في الصلاة على الغائب، النبي صلى الله عليه وسلم قد مات كثير من الناس، وما كان قد صلى عليهم في الغزوات وفي غير ذلك قتل كثير من أصحابه واستشهد كثير ومات منهم كثيرون ولم يصلي عليهم، ما هو العمل العادي المستمر هنا؟ الترك، أخذ به المالكية ورجحوه، ويسألونك إذا عرض عليك هذا الفعل النبوي الذي استمر عليه النبي زمانا، وعرض عليك أنه فعله مرة أو مرتين، ما الذي تأخذ به؟

أتأخذ بهذا الذي مضى عليه حتى توفاه الله، أو تأخذ بهذا الفعل المنفرد الذي يجب أن يصرف إلى وجه مّا غير أنه ليس من السنة الدائمة المستمرة.

وفي العتبية أنّ مالكا سئل عن سجود الشكر فقال لا أعرفه، بل يقال إن أبا بكر سجد شكرا لله لما قتل مسيلمة فحكى مذهبه في هذه المسألة، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم وردت عليه أفراح وفتوحات وما كان يسجد وقد أتته أفراح في آخر أيامه ولم يسجد، والإتباع يستلزم أن يكون في العمل العادي المستمر.

والمالكية لديهم ضابط في هذا الباب وهو أن كل ما خالف العمل العادي المستمر إمّا أن يكون من قضايا الأعيان، وإما أن يكون منسوخا، وإمّا أن يكون من حكاية الأحوال، فهذه الجزئيات لا ينكرونها ولكن يضعونها في موقعها بهذا الضابط، لهذا فإن قضايا الأعيان يوجبون في كثير من المسائل بها إذا حكيت لهم قيل: لهم وردت بها السنة، قالوا: نعم نقبلها لكنها من قضايا الأعيان عرفنا أنها من قضايا الأعيان لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكرر منه هذا الفعل، ولم يرد عنه هذا الحكم إلا مرة واحدة، وهذه صفة قضية الأعيان، والمقصود بقضايا الأعيان هي قصر الحكم على مورده، كما في قضية شهادة خزيمة، كما في قضية رضاع سالم مولى أبي حذيفة، قضية أبي بردة، كل هذه من قضايا الأعيان وقد عُرفت جملة من القضايا عند المالكية بهذه الصفة بهذا الضابط وهو: تقديم العمل العادي المستمر.

وهذا أصل عظيم يجب على طالب الفقه المالكيأن يستحضره عندما يقال له بأن المالكية تركوا السنة في هذا الموضوع، وأن يعلم بأنهم ما تركوا السنة وإنما قدّموا الرّاجح على المرجوح وهو واجب شرعي أتوا به على بصيرة وعلم ودين.

الضابط الثالث اعتبار العمل المنقول بالتواتر مقدم على القول المنقول، وهذا ما يسمى عندنا بعمل أهل المدينة، ومعلوم أنه يجب أن يضبط هذا المصطلح حتى لا يصار فيه على خلاف الصواب، فإن المقصود بعمل أهل المدينة: هو ما نقله أهل المدينة عن النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق العمل، وليس عن طريق الاجتهاد كما يتوهم، وهذا قدمه المالكية لأنه من قسم المتواتر، والمتواتر في الحقيقة أجمعت الأمة على أنه مقدم على خبر الآحاد، إذا كان الأمر بهذا الحال وكان المالكية قد قدموا هذا بهذا الاعتبار فهذا أيضا من باب الرجحان وليس من باب الاختيار ولا من باب التشهي، ولكنه من باب قوة هذا الدليل وقع هذا الأمر في المذهب المالكي.

إذ كيف يمكن أن تأتيّ جماعة من الناس يخبرون أن أبائهم كانوا يعملون كذا وعن أجدادهم أنهم كانوا يعملون كذا في الزمان النبوي وأمام عينيه وقد أقر ذلك ثم يقال بعد ذلك أن هذا يُطرح ولا يعتمد عليه مع هذه القوة في الحجية؟

الضابط الرابع: استصحاب حقيقة الموضوع الشرعية في موضوع العمل بالحديث وهذا مدخل فقهي مهم، وهو أن في المذهب المالكي الناظر في الحديث يجب عليه أن يستحضر الحقيقة الشرعية في الموضوع، ومن أمثلة ذلك ما ورد في الإهاب المدبوغ فقد ورد فيه: ” أيما إهاب دبغ فقد طهر” ومقتضى هذا أن يكون الإهاب طاهرا طهارة شرعية بناء على أن الأصل في كلام الشارع الحقائق الشرعية، لكن المالكية لم يأخذوا بهذا؛ لأن الإهاب قد تنجس بالموت؛ لأن الميتة نجاسة والموت قد حل في الجسم كله ومن جملة الجسم الجلد، فلا يمكن أن ترفع هذه العلة بعدما تقررت إلا برجوع الحياة إلى هذا الجلد، فإذا رجعت إليه الحياة ارتفعت نجاسته الأصلية، أمّا إذا لم ترجع إليه الحياة فإن الدباغ لا يمكن أن يحقق ما تقرر بالحقيقة الشرعية فلذلك ذهبوا إلى أن المقصود بالطهارة هنا: الطهارة اللغوية.

وبعد هذا يظهر أن المالكية هذه الضوابط التي يأخذون بها منفصلين على غيرهم في السنة هي ضوابط تقررت لهم برجحانها وأنها مرجحة على ما سواها، فلنذهب الآن إلى إيراد بعض الضوابط الأخرى التي يسير عليها المالكية في حمل الحديث.

من الضوابط العلمية التي يسيرون عليها أيضا -زيادة على ما تقدم- هو: ضابط المعنى، والمقصود به أن يستخرج من الحديث المعنى ثم توسع أحكامه، وهنا سيظهر لك كيف يطبق الفقهاء السنة، وكيف يمددونها على طريقة تفتيت مضامينها ومدها إلى جزئيات لا تخطر لك بالبال.

مثال ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الهرة وقد سئل عن حكمها فقال: “إنها من الطوافين عليكم والطوافات”  قصار ما قد يأخذه المرء من هذا حديث هو أنه سيقول بأن الهرة طاهرة لأنها تطوف علينا بكثرة ليلا ونهارا، لكن هل الفقيه يتوقف عند هذا الحد في فهم الحديث؟ لا، يجب أن يغوص في أعماق الحديث ليستخرج الفقه من جهة المعنى.

ماذا فعلوا؟ استنبطوا من هذا الحديث قاعدة: العفو عن ما يعسر الاحتراز منه.

من الآن الذي يطبق السنة؟ من يستطيع أن يغوص في أعماق النص من غير اقتصار على هذا الذي يفهمه العامي إلى الغوض في الأعماق لاستخراج القاعدة التي فتحت بابا من أبواب الحكم على جملة من الفروع الفقهية.

وعفي عن ما يعسر الاحتراز منه فأدخلوا فيه من الفروع ما هو معروف وكثير، وقد سردها صاحب المختصر عند هذا وذكر منها: هذه الأشياء التي تكون في الطرقات، وهذا البول الذي يكون للغاز في بلاد الجهاد، وغير ذلك، عشرات من الفروع من حديث لا تكاد تتفطن إلى ما انطوى عليه من الأحكام، وهذا يفتح لنا بابا من أبواب الاحترام للذين استطاعوا أن يجعلوا السنة تخترق جميع الأبواب، سنة إنها من الطوافين عليكم والطوافات تقرأها في حكم الهر فيؤتى بها في باب الطهارة وقد تجدها في أبواب أخرى، اخترق حديث واحد ظاهره أنها مسألة بسيطة، لكن تجدها تخترق الأمر كله، فتجدها في أبواب متعددة.

وهذا هو الذي قلنا سابقا بأنه يعلمه التمذهب؛ لأن من فوائد التمذهب امتلاك القدرة على التصرف في استنباط الأحكام من الأدلة، كم من سنة استطيع أن أمضيها وحدي مثلا أو الغير في قراءة نص لكي نصل إلى هذه الدرجة في فهم الحديث، كم من سنة أو كم من معرفة علمية نحتاج إليها كي نكون بهذه القدرة على بناء المعرفة بهذه الطريقة.

وقد تجد حديثا واحدا عند المالكية في جميع الأبواب، ليست الأحاديث التي يقال بأنها تَعُم كمثل:

اتــق الشّــبــهات ودع مـــا ** ليس يعنيك واعملن بنية

ليست هذه، بل التي وردت في جزئية واحدة، ترد في جزئية واحدة لكنها بقوة المعنى يستطيعون أن يمددوها إلى فروع كثيرة، بل قد يخرجون منها قاعدة فقهية كما في هذا الباب.

هذا الضابط هو ضابط مهم يجب على طالب العلم أن يتعلم كيفية الاستفادة من الحديث بتمديد جهة المعنى بطريقة تجعل السنة تخترق كل جزئيات الفقه، وهذا أمر واجب على طالب العلم أن يتعلمه.

وفي مثال آخر قول النبي صلى الله عليه وسلم: “نهى عن بيع الكالئ بالكالئ” قصار ما قد يستفاد من هذا أنك تقول لا يجوز بيع الدين بالدين، لكن هل هذا هو ما استنبط من هذا الحديث؟

استنبط منه في أول الأمر بيع الكالئ بالكالئ، وبدأ الدين بالدين، وفسخ الدين في الدين، كيف استخرج من حديث وارد في معنى مخصوص أنه امتد إلى أمور أخرى ليبين أحكامها، هذا الضابط الذي يسمى بضابط المعنى، ضابط مهم جدا يتعلم الفقيه هذا الأمر بكثرة ما كان يعرض عليه من الجزئيات في هذا الموضوع فتتكون لديه هذه الملكة في بناء الأحكام.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M