علمنة مفاهيم الإسلام!

08 أغسطس 2017 15:46

سليمان العبودي – هوية بريس

(تعليق على منشور د. حاتم العوني)

قرأت منشورا للدكتور حاتم العوني بعنوان (هل في العلمانية جزء يوافق الإسلام؟) وبصراحة مثل هذه الكتابات يبذل المرء جهدا كبيرا في محاولة قراءتها قراءةً بريئة منزوعة من سياقها الزمني والفكري فيجد صعوبة بالغةً في هذا، وحتى نقرّب الصورة للقارئ الكريم، لنفترض أن هناك طرفين متنازعين يقرر أحدهما “التوحيد” ويستدل لذلك، ويقرر الآخر “الشرك” ويستدل لذلك، وتعلو نبرة جدالِهما وترتفع وتيرة حجاجِهما، فيأتي طرف ثالث، فيلتفت لدعاة التوحيد ويقول لهم: انتبهوا فإنَّ قدرًا من الشرك موجود في التوحيد!

ثم يبدأ بتفصيل مراده وشرح مقصوده من هذه العبارة التي كتبها بالخط العريض! بأنه إذا كان أهل التوحيد يتوهمون أن الإنسان يجب عليه معصية والديه ولو في المعروف، فهذا قول باطل وهو يخالف دعوة التوحيد نفسها، وأن طاعة الوالدين بالمعروف هو مما جاء به التوحيد والشرك.. الخ الخ.

هذا يشبه بصورة ما ما قام به هذا المنشور الذي لم يأت بجديد أصلا، وإنما أراد الدخول بكلام مجمل عائم بين العلمانيين الذين نزعوا جلباب الحياء وجهروا هذه الأيام بالدعوة للعلمانية وشرحوا مرادهم من دعوتهم بوضوح تام وهو تنحية الشريعة عن الحكم في كافة المجالات، ولم يكونوا أصلا بحاجة لمن يعتسف ويتبرع لحمل ألفاظهم الباطلة على معاني صحيحة، وبين خصوم هؤلاء العلمانيين الذين لا يخالفون أساسا في جملة معاني هذا المنشور غير الموفق وسأبين هذا على عجل.

يقرر الدكتور العوني في المنشور أن شيئا مما جاءت به العلمانية يوافق الشريعة، وجاء به الإسلام قبل العلمانية، وهذا يعني عنده أن الرفض المطلق للعلمانية ليس موقفا صائبا، وإنما يجب علينا الفرز والتمييز، فيجب أن نميز بين مكونات الفكرة العلمانية ونأخذ منها ما يوافق الشريعة، ونترك منها ما يخالف الشريعة (وهو لم يصرح في هذا المنشور بهذه الجملة الأخيرة ولكن نحسبه -إن شاء الله- يقول بها، وإن كان الدكتور نشر قبل أيام رابط مقال في صفحته وبالغ في إطرائه وذلك المقال في غاية الصراحة والوضوح ويتجاوز فكرة هذا المنشور بكثير!).

وفي الحقيقة أن هذه العبارة نفسها: (في العلمانية جزء يوافق الإسلام) تحمل في طياتها مغالطة بيِّنة، فما وافق الإسلام فهو إسلام لا علمانية، وهو يقبل سواءً جاءت به العلمانية أو لم تجئ به! فيقبل لأنه من معاني الإسلام ولا يصح وصفُه البته بأنه مفهوم علماني بعد ذلك.

فهذه المذاهب كالعلمانية ليست ذائبة، بل هي ذات مفاهيم صلبة يقوم عليها بنيانها، وتستمد منها مفاهيمها وأدبياتها، وتتشكل عبر قرون، ولا يرضى أصحابها بمسخها وقلبها، ولا معنى للقول بأن قدرا من العلمانية يوافق الإسلام -خصوصا مع ملاحظة ظرف المقولة الزمني- إلا التشويش والتغبيش والفتّ في أعضاد مقاومي الفكرة العلمانية بعد أن خلع العلمانيون ثوب الحشمة ونزعوا ثياب الغمغمة في الدعوة إليها في بلاد الإسلام!

فهذا كمن يقول: إن في الإلحاد قدرا يوافق الإيمان، وهو صحة الاعتماد على البحث التجريبي المبرهن في إثبات صحة المكتشفات العلمية. فيقال له: هي فكرة إيمانية قبل ولادة هوكينج وريتشارد دوكينز، ولا يغير من هذه الحقيقة كون أساطين الإلحاد المعاصرين قرروها أم خالفوها!

دعونا نتجاوز التساؤل الذي يلح على أذهاننا عن حكمة تجميل ثوب العلمانية القبيح في هذا الظرف الزمني، وعلة تخفيف وطأة مصطلحها المستبشع في النفوس، وما وراء التساؤل بالخط العريض بـ(هل منها ما هو موافق للشرع؟!).

ولنجعل تساؤلنا هو في التالي: هل في المنشور من مفهوم شرعي جديد؟!

أما الجانب الذي قرره المنشور، وهو أن في العلمانية جانبا وجزءًا يوافق الإسلام، وهذا الجانب هو الرجوع إلى أهل الخبرة في تقدير المصالح السياسية والاقتصادية ونحوها، ولا يكون المرجع في هذه التفاصيل الفنية إلى الفقهاء الذين يجهلونها، فهذه الفكرة -لولا سياقها- فكرة شرعية قررها علماء الإسلام قبل أن تولد العلمانية، وقبل أن يولد جون لوك وجورج هوليوك وأساطين العلمانية في المشرق والمغرب، والنصوص في مثل هذا كثيرة جدا عن فقهاء الشريعة، لكن أقتصر على مثالين من النصوص في هذا التعليق الموجز، فشيخ الإسلام ابن تيمية -على سبيل المثال- يقول عند كلامه على بعض العقود: (كون المبيع معلوما أو غير معلوم لا يؤخذ عن الفقهاء بخصوصهم؛ بل يؤخذ عن أهل الخبرة بذلك الشيء).

ويقول تلميذه ابن القيم عن بعض البيوع: (وقول القائل: “إن هذا غرر ومجهول” فهذا ليس حظ الفقيه، ولا هو من شأنه، وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك) والنصوص والشواهد الشرعية في تقرير هذا المعنى الصحيح متضافرة ومتوافرة.

فالشريعة أسست بوضوح مرجعية الخبراء في كل مجال وجعلت الشريعة بمجملها لا -الفقيه وحده- حاكمة على التفاصيل، وكل طالب علم متوسط يدرك أن الشريعة لم تأت بدولة رجال الدين “الثيوقراطية”، وإنما هذا الإشكال دخل على بعض المفكرين المعاصرين ممن كان له سابقة عريضة في الإلحاد ولجهله المطبق بالتفاصيل الشرعية فحين فاء إلى الدين فيئة متأخرةً، كان يفرِّق في كتاباته بين العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، فيقبل الأولى ويرد الأخرى، وإذا أراد شرح الأولى ذكر في بعض المواضع بأنها هي (تأسيس مرجعية الخبراء).

لكن العالم بالشريعة لا ينبغي له الوقوع في مثل هذا الخلط الموجب للتلبيس على القراء، والمفضي إلى كسر قلوب مقاومي المد العلماني، لا سيما مع مراعاة العالم الشرعي للظرف الزمني الذي يجعله يدرك أن التشويش بإبراز وإشهار جانبٍ من الحق لم يختلف حوله أحد الأطراف المتنازعة، ولم يقم الصراع الفكري حوله أساسا، مع الصمت عن الطرف الباطل في القضية نفسها صمتا مطبقا لا يخدم الحق بحال من الأحوال، وهو يجعل أمانة العلم في موضع المساءلة يوم يقوم الناس لرب العالمين.

وكم للخصومات من تحكم عريض وتغلغل كبير في أغوار النفوس وأعماق القلوب! لكن العالم التقي الذي يستحضر لقاء الله، ليحذر غاية الحذر من أن يكون مسمارًا صغيرا في نعش تحكيم الشريعة من أجل خلافاته العلمية أو الشخصية مع بعض دعاة تحكيمها!

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M