حين تمارس السياسة باسم ترك السياسة (ح1)

15 ديسمبر 2013 20:28
الشيخ حماد القباج

الشيخ حماد القباج

ذ. حماد القباج

هوية بريس – الأحد 15 دجنبر 2013م

وقفت مؤخراً على كتيب بعنوان: (إعلام الخلف بمنهج السلف)، لكاتبه: الشيخ عبد الله المعتاز، قيل لي بأنه كان يوزع في رمضان الماضي في موسم العمرة.. 

يفهم من عنوان الكتاب أنه يتحدث عن منهاج السلف الصالح ويفيد الخلف بأصول وقواعد هذا المنهاج المبارك؛ لكن موضوعه في الحقيقة هو: الرد على جماعة الإخوان المسلمين!

وقد كان الرد قاسيا ومبالغا فيه لدرجة قد ينطبع معها في ذهن بعض القراء أن الإخوان شياطين ينبغي اجتثاثهم من وجه الأرض؛ حتى قال الكاتب هداه الله (ص:67): “إن أفكار الإخوان المسلمون والسروريين هي التي سببت الإرهاب والتكفير والخروج عن طاعة ولي الأمر وعدم السمع والطاعة بالمعروف والثورات والفتن والاضطرابات والمظاهرات والتخريب”!

إن عنوان الكتاب في واد ومضمونه في واد آخر؛ ورسالته ليست هي: إعلام الخلف بمنهج السلف بقدر ما هي مشاركة -بغير قصد- في منكر تمرير تسويغ الانقلاب المصري الظالم وموقف الحكومة السعودية منه!

وقد تأكدت لي هذه الحقيقة حين وجدت كاتبه يقول في (ص:49): “يقول الدكتور محمد مرسي، رئيس جمهورية مصر العربية في مقابلة تلفزيونية مع إحدى القنوات الإخبارية المصرية: المصريون مسلمون ومسيحيون ما فيش خلاف بين العقيدة الإسلامية والعقيدة المسيحية كل يعتقد بما يشاء ما فيش خلاف عقائدي.

الخلاف (ديناميكي) خلاف آليات ووسائل زي ما يقول الجماعة بتعون الغرب (كنتكس) كرزماتي لا يمكن أن يكون خلاف عقائدي”اهـ.

وبعد جزمه بنسبة هذا الكلام الضال إلى مرسي دون تثبت ولا توثيق؛ نقل الكاتب عن الشيخ مصطفى العدوي قوله: “فليتق الله المسؤولون عن هذا الحزب فقد خرجت مقولات تنسب إليهم -الله أعلم بصحتها؛ تنم عن جهل عميق جدا تنسب إلى مسؤول من مسؤولي هذا الحزب“.

إن هذا الكتاب بمضمونه وسياق صدوره وغلو صاحبه في نقد الإخوان؛ يؤكد حقيقة خطيرة؛ وهي تلاعب كثير من السياسيين ببعض المنتسبين للعلم وتوظيفهم لتسويغ الظلم الذي حرمه الله والمنكر الذي أمر سبحانه بتغييره ..

وهو ما يجعل تركهم للسياسة؛ نوعا من الممارسة السياسية السلبية عظيمة المفاسد!

إن الرد على المخالف للشرع بضوابطه أصل من أصول الدعوة والإصلاح؛ وبه تبقى معالم الحق بادية لمن طلبها، ويصان دين الله تعالى عن تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، لكن هذا الأصل الشريف تعرّض هو بدوره لتحريف وانتحال يتلخصان في مسلكين فاسدين:

1- الغلو وما يصاحبه من انحرافات قولية وسلوكية؛ كالفظاظة والغلظة والحقد والبغضاء والحسد والكبر.. إلـخ. 

2- التوظيف السياسي الماكر الذي يتلاعب بالعلم وأهله؛ لا سيما حين يكون هذا التلاعب وسيلة إلى ممارسة الظلم المبين والعدوان على المستضعفين، بانتهاك حرمة الدم والعرض.

لقد انتشر هذا الكتاب في الوقت الذي كان الانقلابيون الظالمون يستعدون لارتكاب مجزرة رابعة العدوية!

وكان الأليق بصاحبه في هذه الظروف الحرجة أن يكتب كتابا في تعظيم حرمة الدماء ووجوب العدل حتى مع المخالف والمخطئ..

والأدلة الشرعية متضافرة على أن هذا الموطن ليس موطن الرد ولكنه موطن النصرة والنجدة، والعمل بقوله عليه السلام: “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه“.

إن أسوأ ما يمكن أن يقع فيه العالِم في هذا الباب؛ أن يظن بأنه مقاطع للسياسة منزه عن مفاسدها؛ لكنه -من حيث لا يشعر- يؤدي دورا سياسيا منحرفا، ويسمح بأن يكون ألعوبة في يد السياسيين الفاجرين يحركونه وفق ما يمليه عليهم فجورهم السياسي.

وقريب من هذا؛ العالم الذي يفوض أمر السياسة للفاسدين، ولا يناقشهم ولا ينصحهم، أو على الأقل لا ينهى عن منكرهم ويبين للعامة انحراف سياساتهم عن الحق والعدل؛ فيكسب هذا السلوك السياسيين المنحرفين نوعا من الحصانة التي تحميهم من المساءلة وتحرمهم من التقويم الذي هو من أسس الحكم الرشيد؛ وبهذا يزداد فسادهم وتعظم مظالمهم، وهذه جناية على الدين وحقوق العباد؛ كما قال العالم -حقا-؛ عبد الله بن المبارك رحمة الله عليه:

وهل أفسد الدين إلا الملوك — وأحبارسوء ورهبانها

وتعظم البلية في أهل العلم وبهم؛ حين يحاولون إضفاء شرعية على موقفهم باسم طاعة ولي الأمر، ونصحه سرا، واعتزال الفتن..، ونحو ذلك من الحق الذي يوظف للباطل.

إن العلم حاكم بالشرع والسياسة محكومة به، وتبعا لذلك ينبغي أن يكون السياسي تابعا للعالم مجتهدا في إصلاح السياسة بالعلم الذي جاء من عند الله لإقامة العدل والمرحمة بين الناس.

ومن أعظم مداخل الفساد على الأمة؛ أن يعتزل العلماء السياسة ويتركوها للذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون؛ فيمسك هؤلاء بزمام الأمور ومقاليد الحكم والتدبير؛ فترتفع الأمانة ويتلاعب الطالح بالصالح ويقرر الرويبضة في أمر العامة ويتحكم الجاهل في شخصية العالِم ومواقفه، ويصير هذا الأخير -مع ما تشرف به من علم النبوة ومقومات الإصلاح-؛ ألعوبة في يد المفسدين الذين يتكلمون في أمر العامة ويقررون مصيرهم:

عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن بين يدي الساعة سنين خداعة؛ يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة“.

قيل: وما الرويبضة؟

قيل: “المرء التافه يتكلم في أمر العامة“.

ويكفي هذا المآل برهانا على خطأ فكرة: اعتزال العلماء والدعاة للسياسة.

إنني لا أدعو إلى أن يتحول العالم إلى سياسي، ولا أن يخوض مجال العراك والتنافس السياسيين، لكنني أعتقد بأنه يجب عليه أن يكون حاضرا بقوة في كل المجالات بما فيها المجال السياسي، وأن تكون له فيه مواقفه؛ أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر وكشفا للشبهة وتبيينا للهدى، وتوجيها للسياسيين إلى الحق والعدل ..

وأعتقد جازما أن تخلي العالم عن هذا الواجب؛ هو إخلال بالميثاق الذي أخذه الله تعالى على أهل العلم في قوله سبحانه: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران:187].

ولا يعقل شرعا أن نحصر البيان الواجب في باب العقيدة أو أحكام العبادات، ولا نؤدي واجب البيان في الأمور السياسية والاقتصادية وغيرها من أمور ما يعرف اليوم بالشأن العام..

إن السكوت عن منكر السياسيين قد يكون مشروعا في ضوء فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد، لكن لهذه المشروعية ضوابطها وحدودها التي تجعلها في نطاق العدل والحق..

أما أن تصير هذه قاعدة مطردة وسلوكا أصليا يتواطأ عليه عدد كبير من أهل العلم والدعوة؛ فلا، بل الأصل هو التغيير والأخذ على يد الظالم المجرم أو الإنكار عليه وكشف فساده:

قال الله تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [هود:116]. 

وقال سبحانه: {وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة:77-81].

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M