مقالات في السياسة الشرعية وتطبيقاتها المعاصرة (ح10)

18 ديسمبر 2013 20:47
مقالات في السياسة الشرعية وتطبيقاتها المعاصرة (ح11)

مقالات في السياسة الشرعية وتطبيقاتها المعاصرة (ح10)

ذ. حماد القباج

هوية بريس – الأربعاء 18 دجنبر 2013م

أصول نظام الحكم الإسلامي

الأصل الأول: الحكم لله تعالى

نبدأ في هذه الحلقة بحول الله تعالى؛ بيان الأصول الشرعية التي ينبني عليها نظام الحكم الإسلامي؛ وأولها: الحكم لله تعالى.

ومعناه أن التشريع المطلق حق لله وحده؛ فالله تعالى له الحكم كما له الخلق، ولا معقب لحكمه سبحانه:

قال الله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:54].

وقال سبحانه: {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} [الرعد:41].

وهذه الحقيقة الشرعية؛ خالفتها الأفكار والمذاهب الفلسفية التي زعمت أن الناس لا يخضعون لأي سلطان، وأن السيادة المطلقة لهم؛ وأصحاب هذا الزعم أصناف:

– صنف: جحدوا الخلق الإلهي أصلا، وافترى متأخروهم نظرية النشوء والترقي التي زعموا فيها أن أصل الأنواع: خلية ترقت في الخلق حتى آلت إلى ما نشاهده من سماوات وأرض وإنسان وحيوان..

قال الله تعالى: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} [الكهف:51].

فهؤلاء لا يقرون بوجود إله خلق فسوى، فضلا عن كونه أمر وشرّع.

– وصنف أقر بالخلق الإلهي، لكنه زعم أن الله خلق الناس وتركهم بلا تكليف ولا تشريع ولا أمر ولا نهي:

 قال الله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} [المؤمنون:115،116]، وقال سبحانه: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ}.

وهذا المذهب هو أصل العلمانية التي تعددت اتجاهاتها ومدارسها؛ فكان منها:

– مذهب يزعم أن الله أنزل دينا وكتبا وأرسل رسلا، لكنه دين روحانيات وسلوك أخلاقي وشعائر تعبدية فقط، ولا علاقة له بمعاملات الناس ومجالاتها المختلفة؛ من حكم وسياسة وتجارة ومأكل وملبس..

قال الله تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:47-50].

– وصنف رابع: يقر بالخلق والتشريع الإلهيين؛ لكن يزعم أن هذا التشريع خاص بزمان نزوله، وليس فيه ما يلزم الناس بعد ذلك الزمان..

وقد تحقق الإجماع على أن الشريعة الإسلامية -خاتمة الشرائع الإلهية-؛ مصدر تشريعي لكل زمان:

قال سبحانه: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الجاثية:18]

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين[1].

فالأصول العلمية لا تقر ما يزعمه البعض من تاريخية الأحكام الشرعية غير المنسوخة؛ بل الثابت أن منها القطعي الذي لا يجوز ترك العمل به إلا اضطرارا، ومنها الظني الذي ينظر فيه من خلال عملية الاجتهاد الشرعية التي قد تجعل حكمه يتغير بتغير الزمان.

كما تقرر في الشريعة؛ أن الجانب الاجتهادي في باب السياسة واسع جدا، وأن التأطير الشرعي لهذا الباب قائم على القواعد العامة أكثر من النصوص الجزئية، ومسالك ذلك مبينة في علم أصول الفقه وعلم السياسة الشرعية[2]..

الصنف الخامس: يقر بأن الشريعة الإسلامية منزلة لكل زمان؛ لكن يزعم أنها شريعة خاصة -في جانب المعاملات-؛ بالمجال الأسري فحسب، وأنها مقتصرة على أحكام الزواج والطلاق والإرث..، ولا تشمل أحكامها باقي المجالات السياسية والمالية والجنائية.. إلـخ.

قال الله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة:85،86].

والمنطق العلمي لا يسمح أن نفرق -مثلا-؛ بين قول الله تعالى في العبادات: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]، وقوله سبحانه في المعاملات: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} [البقرة:178].

والحق أن في كل مجالات التدبير والمعاملات التي وضعت لها السياسات المعاصرة منظومات قوانين؛ أحكاما شرعية يمكن أن نقول بأنها تتوزع على الأحكام التكليفية الخمسة: الواجب – المستحب – المباح – المكروه – المحرم.

والذي يطالع نصوص القوانين في المجالات الدستورية والمالية والتجارية والجنائية والقضائية وغيرها؛ يجدها موزعة على هذه الأحكام، وليس الحكم والتشريع الإلهي منحصرا في مجال الأسرة كما يظن البعض[3].

إن مسألة السيادة في “نظام الحكم الإسلامي” لا تتفق مع المنظور الثيوقراطي ولا مع منظور نظام الحكم الديمقراطي للمسألة؛ فالمنظور الثيوقراطي قائم على فكرة التفويض الإلهي للحاكم وتملك الحاكم للعصمة الإلهية في ممارسته للحكم، وهو بالتالي مقدس خارج عن المساءلة والإلزام..  

والمنظور الديمقراطي للسيادة قائم على فكرة أن السيادة المطلقة للشعب؛ وأنه يملك أن يشرع ما شاء بدون قيد ولا إلزام بمنع ولا إيجاب؛ ولو كان مصدر ذلك الإلزام هو التشريع الإلهي..

أما نظام الحكم الإسلامي؛ فيجعل السيادة التشريعية المطلقة لله وحده، وفي إطارها يبيح للناس حق اختيار من يحكمهم، ويعطيهم حق مراقبته ومساءلته ومحاسبته، ويفتح المجال واسعا أمام النظام الحاكم ليجتهد في تحقيق المصلحة ودفع المفسدة، مع إلزامه بالعدل والشورى وأداء الحقوق، وتدبير أمور الرعية في ظل هذا الأصل الكبير: السيادة التشريعية المطلقة لله وحده.

كما يعطي نظام الحكم الإسلامي؛ للحاكم (النظام) والمحكوم (الشعب) حقوقا، ويكلف كلا منهما بواجبات في توازن محكم يضمن المصلحة الحقيقية للأمة التي تتبنى ذلك النظام، وبقدر بعد أنظمة الحكم عن هذا المنظور المتوازن لمسألة السيادة بقدر حصول الخلل وغياب العدل وضياع الأمانات والمصالح ..

وقد ساد المنظور الثيوقراطي في الدول النصرانية قرونا احتكر فيها الملوك وزعماء الكنيسة السيادة التشريعية؛ فأحلوا الحرام وحرموا الحلال:

عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي اطرح عنك هذا الوثن، وسمعته يقرأ في سورة براءة: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}؛ قال: “أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه[4].

ثم نشأ صراع كبير في أوروبا بين الطبقة الحاكمة وبين البؤساء المحكومين بنظام ثيوقراطي مستبد، وانتزع الضعفاء السيادة بالقوة وخلقوا بيئة سياسية تستند على فلسفة الديمقراطية كما وضعها فلاسفة أثينا..

ومن أكبر الأخطاء التي وقع فيها مفكرون ومثقفون عرب؛ أنهم قلدوا هذا التوجه وسعوا لاستنساخه في البلاد العربية والإسلامية، ظانين أن الدين عموما يعطي سلطة السيادة المطلقة للحاكم، مما يكرس الاستبداد واضطهاد الشعوب.

والحق أن التشريع المطلق لله تعالى كما له الخلق والملك والتدبير.

والتشريع الجائز للإنسان مقيد بما لا يحل حراما ولا يحرم حلالا ولا يسقط واجبا، وإنما يجوز منه ما كان مؤسسا على اجتهاد شرعي.

والتزام هذا القيد؛ واجب شرعا فيما يسمى -في السياسة المعاصرة-؛ بممارسة السلطة التشريعية وعملية سن القوانين..


[1]– سبق تخريجه.

[2]ومن هنا نؤكد على ضرورة مشاركة العلماء المتخصصين في باب التشريع وعملية سن القوانين، وأرى أن هذا من مستلزمات إسلامية الدولة التي تنص عليها عامة الدساتير..

[3]والتزام تلك الأحكام واجب شرعي، وعلى الدولة المسؤولية الأولى في تنفيذها كما سيأتي بيانه.

[4]– رواه الترمذي وحسنه الألباني.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M