جمهورية بني علمان الأفلاطونية

11 فبراير 2014 18:58
جمهورية بني علمان الأفلاطونية

جمهورية بني علمان الأفلاطونية

ذ. طارق الحمودي

هوية بريس – الثلاثاء 11 فبراير 2014م

الحمد لله أما بعد:

فقد عكف كثير من المشتغلين بالفلسفة السياسية قديما على محاولة إيجاد صيغة فلسفية بنكهة سياسية اجتماعية لمدينة فاضلة كاملة متقدمة… وكان ممن تورط في ذلك فيلسوف الخيال والخرافة أفلاطون بن…، فكتب كتابا طبع باسم (الجمهورية) صنفه على طريقة جدلية قائمة على حوار بين سقراط وآخر على طريقته في عرض أفكاره مختبئا خلف شيخه سقراط..!

وقد لخصه الفيلسوف الأندلسي أبو الوليد ابن رشد، لكن الأصل العربي فقد، فلم يجد المشتغلون بهذا إلا نسخة مترجمة إلى العبرية، فاستعادوا النص العربي بترجمة ارتدادية إلى العربية، وطبع التلخيص مرة باسم (الضروري في السياسة) وتارة باسم (تلخيص السياسة).

يستغرب الباحث كثيرا من إصرار بعض الأفكار والممارسات الفاسدة على الاستمرار تاريخيا في حركة مستمرة غير منقطعة، ويزيد الاستغراب حينما يجد أن المسافة التاريخية بين البدء والانتهاء كبيرة… إلى درجة مفزعة!

كتب أفلاطون (جمهوريته) قاصدا وضع قالب سياسي لفلسفته، وأرضية لإسقاط نظرياته في الكون والوجود والنفس، ولا يفوتني التنبيه أنه قد أتيح لأفلاطون الإنزال العملي لنظرياته السياسية مرتين… لكنه فشل…! وهو أمر لابد من استحضاره ونحن نتحدث عن التفصيل الممل الذي صاغ به كتابه…

إن غرضي مما سأعرضه… قياسي بالدرجة الأولى… أقصد فيه إلى تأكيد استمرارية الفكر السياسي والاجتماعي لأفلاطون الإغريقي أحد رواد فكر زمن الآلهة والأساطير والخرافات… ولأجل ذلك ستكون دراستي وصفية تحليلية لبعض الكتاب حيث تحسن المكاشفة… ثم أساعد القارئ على تلمس القياس والانتقال بطريقة سلسلة عبر التاريخ إلى زماننا، مع المحافظة على القبلة الفكرية دون رفع النظر عن عناوين الفضائح.

لعل أنسب موضع أختاره لهذه المدارسة هو الفصل الخامس من الكتاب… وهو فصل في غاية المناسبة… فيه مؤهلات مساعدة للكشف عن معالم مدينة بني علمان الأفلاطونية… لصراحة النصوص وعريها عن سواتر الإجمال والإطلاق.

يقترح أفلاطون لأجل رفع حالة الفقر في المدن اليونانية أن ترفع المرأة من مستواها المنحط الذي يشاركها فيه العبيد والمجانين إلى مستوى الرجل، فتُعلم نفس تعليمه، لتعد محاربة وحاكمة وفيلسوفة… ولذلك عليها أن تمارس الرياضة والتمارين البدنية مع الرجال عارية، ومحاولة تعويد اليونانيين على مناظر العري النسائي وتجاوز الإحساس بالحياء تجاهها… يقول أفلاطون على لسان سقراط (ص:226): (يجب أن تتعلم النساء الموسيقى والرياضة والتمارين العسكرية، ويجب معاملتهن كالرجال).

ويبين ذلك بقوله: (سيكون الشيء الأكثر إضحاكا، منظر رؤية النساء العراة في معهد المصارعات متمرنات مع الرجال، حتى عندما يتخطين مرحلة الصبا) ثم يقول (ص:227): (يجب أن لا نخاف سخرية الظرفاء التي سيوجهونها ضد هذا النوع من التجديد)

فلم يكتف أفلاطون باقتراح عري النساء على خلاف الآداب والحياء، بل تجاوز ذلك إلى الاستهانة بسخرية (العقلاء) الذين سماهم (الظرفاء) ..بل تجاوز كل ذلك وقال بكل وقاحة إن ذلك (تجديد)!!!!

بل… تجاوز أفلاطون الوقاحة إلى ما هو أفظع منها وأقبح… فقال: (عندما أظهرت الخبرة أن ترك أشياء كثيرة مكشوفة هو أفضل بكثير من تغطيتها، فإن التأثير المضحك للعين الظاهرية تلاشى أمام ما برهن العقل أنه أفضل)… وفظاعة هذا في كونه يؤسس للعري.. بطريق البرهان العقلي… فالعقل شاهد بأفضلية العري… والستر رجعية وظلامية وتخلف… ولذلك وصف المنكر لذلك من أهل الحياء بقوله (ص235): (ضحكه ثمرة عقل غير ناضج).. بل العري عند أفلاطون فضيلة… لا الستر.. فإنه قال(ص234): (لندع النساء الحاميات يخلعن ملابسهن للرياضة لأن فضائلهن ليست أرديتهن).. فتأملوا هذه النظرية الأفلاطونية.. وابحثوا عنها في زماننا.. لعلكم تتعرفون على أحفاد أفلاطون بيننا!

ثم اقترح أفلاطون أن تكون الحياة الاجتماعية جماعية شيوعية، فتعيش الرجال والنساء في مساكن واحدة… ثم تشاع النساء بين الرجال، وتتكفل الدولة بتربية نتاج الولد بينهما، عن طريق الزنا… دون أن يتعرف الولد على أبيه أو أمه.

واقترح أفلاطون المساواة التامة بين الرجال والنساء، إلى درجة مشاركتهن لهم في الحروب والقتال، والانفكاك من الوظائف الأسرية كالنسل والتربية والرضاعة وخدمة الأزواج، عارضا لذلك في صورة سلبية تعارض البناء الحسن للمدينة الفاضلة في نظره، في محاولة لتفكيك عناصر الأسرة وتعويضها بشيوعية اجتماعية محضة… فيقول مثلا (ص:235): (إن كل هذه النساء ستكون مشتركة لكل الرجال من الرتبة عينها… فإن أطفالهم سيوكنون مشتركين، ولن يعرف أي من الوالد أو الوالدة ابنه الخاص أو الابن أباه)!! فانتبه إلى مجتمع أفلاطون الذي يريده بنو علمان في زماننا.. واحذر حذر القطاة!

لقد جعل أفلاطون مدينته الفاضلة مدينة للكلاب الحارسة… فهكذا يتصورها… وبها شبه سكانها… وعليها قاس ونظَّر… فجمهورية أفلاطون جمهورية حيوانية بامتياز، وقد صرح بذلك بوضوح بلا حياء..ولم الحياء… إن كان العقل عنده يشهد بأن ذلك هو الحق… فقال (ص:225): (لا يمكن أن يوجد في رأيي للرجال المولودين والمثقفين كمواطنينا أي حق في امتلاك أو الاستفادة من النساء والأولاد، إلا إذا سلكوا الطريق التي أرسلناهم إليها واقترحنا كما تعرف،أن نعاملهم ككلاب حراسة للقطيع) هكذا يريد أفلاطون سكان المدن.. كلابا.. وكذلك يفعل أحفاد أفلاطون اليوم من بني علمان.. أو هكذا يريدون…!

إن عري النساء الرياضيات صار اليوم أمرا معتادا على شاشات الإعلام، فها قد تمكنت جهات أفلاطونية من إخراج فتيات المسلمين إلى ممارسة الرياضة مع الرجال شبه عاريات.. وأردفوا ذلك بمحاولة قتل الحياء عندهن وعند المشاهد لهن… فلما أنكر عليهم ذلك… استهانوا… بل… سموا حرصهم على تعرية النساء المسلمات تجديدا… على الطريقة الأفلاطوينية.. كما سبق ذكره!!

كما استطاعت هذه الجهات الأفلاطونية أن تشيع النساء في الشوارع بين الرجال، داعية إلى جواز الزنا… دون تحمل مسؤولية النتاج بين طرفيه…!

حاولت في هذا المقال القصيرة دون قصد الاستقراء.. -وإلا فإن أعصابي لا تتحمل أكثر من هذا…- أن أؤسس لحملة تحذير من محاولات أفلاطونية بأيدي علمانية في زماننا للإجهاز على ما بقي من عناصر القوة والثبات في المجتمعات الإسلامية… ولعل هذه الجهات الأفلاطونية التي تحتمي اليوم في هيئات سياسية وحقوقية وثقافية.. تسعى حثيثا إلى دولة مدنية على الطراز الأفلاطوني… علم ذلك من علم.. وجهله من جهله من المستهدفين من تحذيري… من جمهورية بني علمان الأفلاطونية!

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
29°
33°
الجمعة
27°
السبت
26°
أحد
26°
الإثنين

حديث الصورة

كاريكاتير