مزيداً من التَّبَعية، إذن..!!

03 مارس 2014 21:50
مزيداً من التَّبَعية، إذن.. !!

مزيداً من التَّبَعية، إذن.. !!

ذ. عبد العلي الودغيري*

هوية بريس – الإثنين 03 مارس 2014م

حين نُشِر ذلك الكلامُ الفاحِش البعيد كلَّ البعد عن قاموس الدبلوماسية وأخلاقها، من رجل يُوصَف بأنه دبلوماسي كبير، فقال مُنتَشياً “إن فرنسا تُعامل المغرب كمن يُضاجِع عشيقةً لا يُحبّها بالضرورة”، شاءَ القدَرُ أن ينزل علينا صقيعُ هذا الصَّلَف الفرنسيّ الفظيع عقبَ خُطوة أخرى غيرِ مُحتَشِمة صدَرت عن وزيرنا في التربية الذي أَبى إلا أن يَبصِم الفترةَ الثانية لمروره بهذه الوزارة بشيء يحفظُه له تاريخُ التبعية الثقافية واللغوية بالمغرب بعد ستّين عاماً من شبه الاستقلال.

وفي هذا السياق السيميائي العام المليء بالإيحاءات والإشارات الدالة يبدو كلامُ الدبلوماسي الفرنسي شيئاً غيرَ مُستغرَبٍ لأنه من جنس عمل المسؤول المغربي، هذا يخُطُّ علامةً جديدة في سجلِّ أخطائه وعَثراته، وذاك يُضيف شرحاً وتفسيراً ويحلُّ ألفاظاً ويوضِّح ما قد يبدو في المشهد غامضاً. وتفسيرُ الواضِحات من المُفضِحات.

أنا شخصياً لم تُفاجئني خُطوةُ السيد الوزير، فالرجلُ معروفٌ بتوجّهه الواضح وانغماسه في لذة العِشق الفرنكفوني حتى الثُّمالة، وهو من التلامذة النُّجباء في مدرسة التلهيج وخيرُ مُمثّل لها في الحكومة الحالية. والعارفون بخفايا الأمور يقولون إنه اختيرَ بدقّة وعناية في ظرفية مناسبة جداً، وهي ظرفية الأزمَتين التعليمية والمالية ومُسلسل الإجهاز على بقايا الربيع العربي، لتمرير خُطَّة قرأنا ملامحَها في تصريحات السيد عيّوش وتوصيات ندوة جمعيته التي أفصح فيها عن مخطّط من ثلاثة أضلاع : تلهيج التعليم الابتدائي، والحدّ من المدارس القرآنية والتراجع عن تعريب المواد العلمية. وكلُّ ذلك يصبُّ في نهر واحد وهو تعضيدُ الزَّحف الفرنكفوني وتعزيز الحصار المضروب على الثقافة العربية.

فهل كان أحدٌ يتوقَّع من السيد بلمختار أن يخطو في مجال التعليم خطوةً معاكِسة لما هو معروفٌ عن توجّهاته الفكرية والثقافية؟ ربما لن يستطيع في هذه المرحلة على الأقل أن يُطبِّق سياسة التلهيج بعد عامٍ من المقاومة غير المسبوقة التي قادها المثقّفون والمفكّرون والوطنيون الأحرار على اختلاف انتماءاتهم في وجه هذا التيار، ولكن الهدف الذي ترمي إليه تلك السياسةُ وهو تقويةُ الوجود الفرنكفوني بإضعاف الفُصحى وتربية النشء على كراهيَّتها واستصعابها والابتعاد عنها قدرَ الإمكان، لا يتعارض مع خُطوة السيد بلمختار الأخيرة التي ترجع بنا سنواتٍ عديدةً إلى الوراء. على أن التيار التلهيجي لم يضع سلاحَه رغم تلك الهَبَّة القوية التي قامت في وجهه من جموع المثقفّين والمفكّرين والنخبة الواعية من أبناء الوطن. والدليل هو ما حدث منذ أيام قليلة في الدورة العشرين للمعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء، فقد نودي على السيدة دومينيك كوبي مرةً أخرى ( وهي عَرّابةُ الدارجة المغربية وإن كان مقرُّها في قلب باريس) لتأتي خصّيصاً كي تعلِّم أطفالَنا كيف ينطقون الدارجة المغربية ويقرؤون بها قصة ( نيكولا الصغير). يا لها من امرأة مناضلة حقّاً.. !!. تتحمَّل كل الأعباء من أجل أطفالنا الذين تخاف عليهم من ضرر الفُصحى وتُشفِقُ عليهم من اسوِداد الآفاق المغلقة أمام متعلِّميها كما صرَّح زميلُها في «النضال» السيد آلان بنطوليلا  منذ بضع سنوات فقط.

وهل يتصوَّر أحدٌ ـ على سبيل المثال أيضاً ـ أن يكون ضمن مخطَّط السيد الوزير العملُ على إنقاذ تعليمنا الأوَّلي لسنوات ما قبل التمَدرُس من مخالب الفرنكفونية التي استحوذَت عليه كاملاً أو شبهَ كاملٍ، حتى إن المرء ليكاد يعجز أن يجد في الحواضر المغربية الكبرى مقعداً لأبنائه في دار حضانة أو روض أطفالٍ ما يزالان على فِطرتهما وبراءتهما فيتعلَّموا فيهما لغةَ وطنهم الأُمِّ وينشأوا على حبها والتعاطُف معها ويفتحوا أعيُنَهم على تربية وطنية صادقة؟ لو كان قادراً على ذلك لكان مَن قبله أقدرُ. فقبل هذه الوقائع الجديدة كنا تحدَّثنا وكتبنا في مناسبات عدة عن الوضع الذي وصل إليه التعليم الأوَّلي (مرحلة ما قبل التمدرس) بعد زحف الفَرْنَسة عليه زحفاً كاملاً أو شبهَ كاملٍ، فلم نجد أحداً من المسؤولين يأبه لكلامنا أو يُعيره أدنى اهتمام. وحين طرحنا السؤال على وزير التربية السابق (السيد الوفا) في ندوة عُقدت بمقر البرلمان خلال الصيف الماضي كان جوابُه في حد ذاته فضيحةً من الفضائح حين علّق قائلاً: «مَن لم يُعجبه الحال فليُخرج أبناءه من هذه المدارس». قيل له حينَها : وأين نعلِّم أبناءنا إذا كان التعليمُ الأوَّلي قد أصبح كلُّه على هذه الحال؟ وأين دورُ الدولة ووزارة التربية على وجه الخصوص في حلِّ هذه المعضلة؟ ولماذا لا تسهر على مراقبة هذه المؤسسات الخاصة وتُلزمها بالخضوع لمناهج وطنية رسمية تراعي مُقتضيات الدستور المغربي وتحترم قوانينَه؟ ولماذا لا تحرص الدولةُ على وضع مناهج ومقرَّرات يُفرَض احترامُها وتطبيقُها على جميع المؤسسات العاملة في بلادنا؟ لم يُجب السيد الوزير ولم يعترف بتقصير وزارته. وكيف له أن يُجيب؟. فالتوجُّه الفرنكفوني في بلادنا تُرسِّخه السياسةُ التعليمية الرسمية بأساليب كثيرة، وهذا ما يجعل المسؤولية عن هذا القطاع دائما أو في أغلب الأحوال، لا تُوكَل للأسف الشديد إلا لأشخاص مُناضلين في الحزب الفرنكفوني بكل ما يملكون أو لآخرين ضُعفاء لا خُطَّة لهم ولا تصوّر ولا مشروع وطني في أذهانهم وبرامجهم، أو لا قُدرة لهم على مقاومة ضُغوط ما يسمى بالدولة العميقة، ولا يجدون أمامهم سوى تنفيذ التعليمات والاستمتاع بحلاوة الكُرسي ومنافعه وما يتبع ذلك من مزايا أقلُّها ضمانُ تقاعد مُريحٍ جداً. أما مستقبلُ البلاد أو المصيرُ الذي تؤولُ إليه فهم يفهمونه ويؤوِّلونه على وجه آخر.

وهل يُتصوَّر بعد هذا أن تعريب المواد العلمية والشعب التقنية في المرحلة الجامعية سوف يُمهَّد له أو يُفتحُ في وجهه الطريقُ ولو عبر مراحل بطيئة رغم ما هو مقرَّرٌ ومتفَقٌ عليه في الميثاق الوطني للتعليم، وكما تقتضيه طبيعةُ الأمور بعد ستين عاما من الاستقلال المزعوم؟ من شاءَ أن يحلُم بشيءٍ من هذا في عهد هذا الوزير وأمثاله من حُرّاس الفرنكفونية الغِلاظ فليأخذ من الأحلام ما شاء. وأما من سَوَّلت له نفسُه أن يثق بالكلام المعسول الذي أدرجَه في كلامه رائدُ مدارس التلهيج الذي سطَع نجمُه في السنة الماضية حين كان يبحث عن مَخرجٍ لنفسه وسطَ حملة الاحتجاجات التي اشتدَّت عليه فقال: نحن نسعى لإحلال الإنجليزية محلَّ الفرنسية في تلقين المواد العلمية، فله أيضاً أن يَستمتع بهذه الثِّقة ويأخذ منها الأَطنانَ قدرَ ما يُطيقُ. لكنني شخصياً حين سمعتُ هذا الكلام قلتُ لصاحبي: على مَن يَضحك الرجلُ؟ هل أخذ الإذن من فرنسا ـ وهو المخلص الأمين لها ـ ليقول مثل هذا الكلام؟ ألا يعلم سيادتُه أن فرنسا مستعدة لتحارب بالمخالب والأنياب دفاعاً عن وجود لغتها في المغرب وكلِّ مستعمراتها السابقة التي ما تزال في الحقيقة تنظر إليها نظرةَ السيّد للمسُود والحاكِم للمحكوم. والدليلُ الأخير أمامكم: تصريح الدبلوماسي الفرنسي الكبير الذي لم يجد طريقةً للتعبير عن إهانته للمغرب سوى استعمال لغة السرير والمُضاجعة غير الشرعية. 

لن أدخل في تحليل ما يترتَّب من عواقب وخيمة متعدّدة الأبعاد، اجتماعياً وثقافياً ولغوياً، عن اعتماد نظام البكالوريا الفرنسية في تعليمنا العمومي وخلق تمييز مقصود بين أبناء الشعب وتكريس الحِرمان من حق الانتفاع من التربية والتعليم بطريقة عادلة وديموقراطية، وتعميق جذور التبعية الخارجية في كل المجالات وزيادة الشّروخ بين فئات المجتمع فيزداد انقساماً وصراعاً، فلذلك حديث يطول. ولنكتَفِ الآن بطرح عيِّنة صغيرة من الأسئلة المزعِجة والمُلِحّة التي قد تسمعها من كلّ شخص تصادفه في طريقك:

هل نصدّق مَن يقول إن وزير التربية الحالي رجلٌ مفروضٌ على رئيس الحكومة وله الحقُّ في التصرُّف في مجاله دون أن يكون لرئيسه المباشر حقُّ التدخّل والمراقبة والقول الفصل في أمور تمسُّ مصيرَ البلاد ومستقبلَ الأجيال، ولزملائه في الحكومة حقّ إبداء الرأي في السياسة التي يريد تطبيقَها؟ أم نصدّق مَن يقول: إن السيد رئيس الحكومة بلغ من العجز عن المقاومة درجةً لم يعد معها قادراً على تطبيق الحد الأدنى من السياسة الاجتماعية (وخصوصاً منها الجانب الثقافي والتعليمي) التي وعدَ بها المواطنين قبل تولِّيه المسؤولية؟ نحن في حيرةٍ من أمرنا في الحقيقة. لا نحن قادرون على اتهام الأستاذ ابن كيران في صدق وطنيته وحِرصه على المصلحة البعيدة لمستقبل الوطن، ولا نحن قادرون على تصديق ما يحدث ويتوالى من ضربات تمسُّ هويَّتَنا ومستقبلَ أبنائنا دون أن يكون للسيد رئيس الحكومة أيُّ رد فعل يُرضي التوجُّه العام في البلاد الذي عاد إليه الكثيرُ من الأمل بعد خَيْباتٍ تجرَّعها في الماضي حتى يئس من السياسة وزهد فيها الكثيرون، حين فاز حزبُه بالرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية السابقة. ونحن إذ نطرح اليوم مثل هذا السؤال إنما نفعل ذلك من باب الحرص على أن تكون لرئيس الحكومة كلمةٌ مسموعةٌ لا أن يكون مجرد واجهة شكلية لامتصاص الغضَب وتهدئة الشارع إلى حين، ونفعله أيضاً من باب الخوف والإشفاق على المصلحة العليا والدولة بكامل مؤسّساتها من عودة شبَح اليأس بعد إخفاق كلّ محاولة جدّية للإصلاح. فاليأس بعد هذه التجربة سيكون طعمُه أمرَّ ووقعُه على النفوس أمضى وأشدّ، وأثارُه السيئة على مستقبل البلاد واستقراره لا يعلم مقدارها وأضرارَها إلا الله.

وهناك أسئلة أخرى تبقى بدورها معلَّقة: فهل هذه هي بدايةُ الإصلاح الموعود للمنظومة التعليمية الفاشلة، أي بالعودة إلى الفَرنَسة خُطوةً تلو أخرى؟ وهل حكومةُ الأستاذ بنكيران مقتنعةٌ الآن بأن المُشكل الأساسي في التعليم هو مُشكل لغة؟ وإذا كان الاقتناعُ حاصلاً بذلك -وهذا ما أستبعده تماماً- فهل الاقتناعُ حاصلٌ لديها أيضاً بأن الفرنسية هي البديلُ الأمثل رغم تراجعها المشهود به عالَمياً حتى داخل بلادها؟ وهل الدعمُ الفرنسي للمواقف السياسية للمغرب ثمنُه الذي يساويه هو الانبطاحُ التام أمام رغبات فرنسا مهما بلغت وتعميم الفرنسية كما لم يحدث من قبلُ بدءاً من دور الحضانة الأولى إلى المراحل المتقدمة في التعليم العالي مروراً بشعبة البكالوريا الفرنسية والأقسام التحضيرية وغيرها والتراجع عن تعريب المواد العلمية؟ لماذا يصلحُ أهلُ الاختصاص والخِبرة المغاربةُ الذين يُهمَّشون ويُبعَدون قصداً وعَمداً كلما تعلَّق الأمرُ بإجراء من هذا الحجم؟ ولماذا يصلح المجلس الأعلى للتعليم والمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية الذي نصَّ عليه الدستور؟ ولماذا يصلح البرلمان بغُرفتيه باعتباره هيئة تشريعية عليا؟ لأي شيء تصلح مثلُ هذه الأشياءُ وهذه المؤسسات إذن إذا كان يجوز لموظف سامٍ موجود على رأس وزارة أن يقرّر بإمضاءٍ بسيط منه، هو وحده لا شريك له، في مصير الشعب المغربي بكامله وعلى حين غفلةٍ منه؟ هل تحوَّلنا في هذه المرحلة التي نتبجَّح فيها بالديموقراطية وحقوق الإنسان إلى مجرد قطيعٍ يُصادرُ حقُّه في تقرير مصير سياسته التعليمية واللغوية بجرَّة قلم من شخص فُوضَ لتدبير مرحلة معيَّنة في قطاع بعينه؟ تلك إذن، هي الدكتاتورية المُطلقةُ التي لا أقسى منها ولا أظلَم، وذلك هو الاستبداد والانفراد بالقرار كنا نظن أن صفحتهما قد طُويت إلى الأبد، ولا ندري كيف سيكون ردُّ الفعل حين يكتشف الجميعُ أننا فقط ملأنا رؤوسنا بمجرد أوهام وأحلام.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

*  (كاتب وباحث أكاديمي).

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M