قالوا: سيعتزلون الغناء والتمثيل بعد الحج!

10 يونيو 2014 22:42
قالوا: سيعتزلون الغناء والتمثيل بعد الحج!

قالوا: سيعتزلون الغناء والتمثيل بعد الحج!

خالد إسلام

هوية بريس – الثلاثاء 10 يونيو 2014

استوقفتني في أحد الأيام تغريدةٌ لمغنية “مشهورة” نُشرت على التويتر، تقول فيها: إنها لو حجت فلن تغنِّي مرة ثانية! ونفس الكلام لمغنية أخرى نشرته إحدى الجرائد الإلكترونية قبلها بأسابيع، تقول فيما معناه: إنها سوف تعتزل الغناء بعد أدائها مناسك الحج!

وكثيرًا ما مر على مسامعنا مثلُ هذا الكلام! ولو فتشنا في عقول كثير من المغنين والممثلين، لوجدنا لديهم نفس الطريقة في التفكير، أنهم سيتعزلون بعد الحج! طبعًا ضغط الجمهور، والشهرة، والإعلام، والأضواء، والإغراءات، وما إلى ذلك؛ لن يتركَهم يعترفون بأن ما يقومون به غلطٌ ومعصية لربنا -عز وجل- ونادرًا ما يصرِّحون بذلك للناس، وإن كانوا في قرارة أنفسهم يعلَمون عِلم اليقين أنهم على خطأ، ويشعُرون بالذَّنب، وضمائرهم تؤنِّبهم وغير مرتاحة، وقلوبهم في ضِيق وغير مطمئنة، ولا يُحسُّون بأية سعادة على الإطلاق، كما يظن أكثر شبابنا اليوم المنخدع بالمظاهر الزائفة الزائلة؛ ولذلك تجد أحدهم يتردد على أكثرَ من طبيب نفسي؛ لكثرة ما يصيبه من اكتئاب وهمٍّ وغمٍّ وقلق وأرَق، كما تقول إحدى المغنيات التائبات: “لقد كنت مشهورة جدًّا، وكان لدي كل ما يبحث عنه أي شخص مشهور، لكنني كنت أبكي بحُرقة وحدي في بيتي، وعندما أنام، هذا هو ما لم يكن يشعُر به المعجبون بي“،ثم تقول:”لم أجدِ الحل لوضعي ونفسيتي عند الأطباء، ولكنني وجدتُه في الدين“.

لقد كانت هذه المغنية لا تعرف طَعْم النوم والراحة إلا بعد تناولها الأدوية، ولم يستطع كبار أطباء النفس أن يخلِّصوها من معاناتها، ولم تذُقْ طعم السعادة في حياتها إلا بعد أن هجَرَت ذلك المستنقع الآثم إلى رحاب الإيمان والدِّين.

ونقل أحد الإخوة للدكتور محمد العوضي كلمات يترنَّم بها أحد المطربين وجاء فيها:

“أنا مش عارف أتغير… كل ما أقول حتغير تحصل حاجة ترجعني عن كل اللي أنا ناويه.. كل ما أقول أنا حبدأ أعيش حياتي بمبدأ.. أرجع بضعف تاني، ومش بس أنا بضعف أوي.. أيوا بفوق لما بروق.. وأحاسب نفسي بكم سؤال… وأرجع أقول مفيش مخلوق ما بيغلطش، ده شيء محال… وبرجع تاني، وبغلط تاني، كأني بكلم واحد تاني… أنا زعلان من نفسي… حقيقي أنا غلطان وضعيف وأناني”.

يقول د. محمد العوضي معلقًا عليها:

“كلمات جميلة تعبِّر عن حقيقة الصراع بين نزوات الغريزة، ونداءات الروح، بين جواذب المغريات الحسية، وتطلُّعات القلب إلى السموِّ والتحليق مع النفس لحظة إشراقها بالإيمان، قلت وقتها لمحمد صويلح: إن هذا (الفنان) تتفجر بين جوانحه صراعاتٌ لا يعرف مدى فورانها إلا هو، إنه بين نداء العقل والدِّين من جهة، وزينة الشيطان وأصحاب المصالح من جهة أخرى، إلا أنني أؤكد أن بذرة الخير موجودة في قلبه، ولكن ورطة الإعلام التي هو فيها ليست سهلةً إطلاقًا، ومع ذلك ليست مستحيلة”.

ثم قال:

“نعم، إن كثيرًا من الفنانين يعيشون ازدواجية في الشخصية، فمع صلاتهم وأدائهم للواجبات العبادية، وحبهم لأهل الخير، فإنه – لا سيما فنانو الفيديو كليب – يرتكبون الكبائرَ، ويسوِّقونها، ويحبِّبون الأجيال بها، كما هي الحال في هذه الأغنيات الجنسية التي سمَّوها فنًّا”.

إلى أن قال موجهًا كلامه لذلك المطرب:

“إن أحد أهم الأسباب التي تجعلك تتراجع وتنكسر أمام تغيير حياتك إلى ما هو في صالحك كإنسان وكمسلم، هو المحيط الفني ذاته، ثم أصحاب المصالح، ثم بعض أصحاب الفكر والسياسة الذين يفرَحون باستمرارك في هذا الخط؛ لتطبيع الرذيلة، وإشغال المجتمع عن حقوقه وأوضاعه المأسوية بالغرق في عالم الملذات”؛ اهـ.

وهذا المطرب وأمثاله مع كل ما يقترفه من معاصٍ عند التمثيل أو عند تصوير الفيديو كليب… إلخ، إلا أنك تجده ربما يعتمر، يتلو القرآن، يصلِّي، يصوم، يتصدَّق، لا يشرب الخمر، ونفس الشيء بالنسبة لحال كثير من الشباب اليوم، فمع ما يظهر عليهم من معاصٍ إلا أن فيهم خيرًا كثيرًا، ولا يحتاج الأمر إلى سرد أمثلة على ذلك، فكل منا يرى هذه النماذج في حيِّه، في جامعته، في مقر عمله، وعبر وسائل الإعلام، بل وفي السنة المطهرة والسيرة النبوية مرَّت علينا أمثلةٌ مشابهة؛ كقصة الغامدية، وقصة ماعز، وقصة بغي من بغايا بني إسرائيل، وقصة الرجل الذي كان يشرب الخمر، فلما أُتي به إلى النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – وجُلد، قام أحد الصحابة فلعنه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تلعَنوه، فوالله -ما علمتُ- إنه يحب الله ورسوله، لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم، ولكن وقولوا: اللهم اغفر له))؛ ولهذا -أيها الأحبة الكرام- أنبِّه إلى أنه لا ينبغي لنا الحكمُ على شخص من خلال مظهره فقط، أو نجرده من الخير مهما اقترف من الذنوب والمعاصي، فلعل له أعمالاً صالحة تشفع له عند الله -عز وجل- وكل بني آدمَ خطاء، وخير الخطائين التوَّابون، كما لا يجوز لنا احتقارُهم، أو النظرُ إليهم بعين الازدراء والاستعلاء؛ لما في ذلك من مفاسدَ كثيرة، بل ننظر إليهم بعين الرحمة والرأفة والشفقة، ونسأل الله لهم الهداية والمغفرة، ونتذكر عيوبنا وذنوبنا، وأننا كنا يومًا ما مثلهم، بل ولو شاء الله لجعلنا أسوأ منهم حالاً!

قال ابن القيم في نونيته:

فانظُرْ بعين الحُكم وارحَمْهم بها *** إذ لا تُرَد مشيئةُ الديَّانِ

وانظُرْ بعين الأمر واحمِلْهم على *** أحكامِه فهما إذًا نظَرانِ

واجعَلْ لوجهِك مُقلتينِ كلاهما *** من خشية الرَّحمن باكيتانِ

لو شاء ربُّك كنتَ أيضًا مثلَهم *** فالقلبُ بين أصابع الرَّحمنِ

وقال الشيخ سليمان الماجد:

“لا يجوز احتقار المسلم ولو كان ذا معصية؛ قال -عليه الصلاة والسلام-: ((بحسْبِ امرئٍ من الشر أن يحقِرَ أخاه المسلم؛ كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمُه ومالُه وعِرضه))؛ رواه مسلم.

والمنهج الصحيح في التعامل مع العصاة أنْ نواليَهم ونحبهم بقدر ما معهم من الإيمان والطاعة، وأن نكرهَ معصيتهم بقدر ما فيهم من معصية، وأن ننظرَ إليهم بعين الرحمة، دون أن يحمِلَنا ذلك على التعالي عليهم، أو أن نرى بأننا أحسن منهم، فلو شاء الله -تعالى- كنا مثلَهم أو أسوأ منهم، والقلب بين أصابع الرحمن.

وقد ثبت في الحديث عن جُندُب بن عبدالله مرفوعًا: ((قال رجل: والله لا يغفر اللهُ لفلان، فقال الله -عز وجل-: من ذا الذي يتألَّى عليَّ ألا أغفرَ لفلان؟ إني قد غفرتُ له وأحبطتُ عملك))؛ رواه مسلم.

• ومعنى يتألى: يقسم تأكيدًا لهلكة العاصي.

قال العلامة فيصل آل مبارك في “التطريز” (884): “في هذا الحديث: التحذيرُ من احتقار أحد من المسلمين؛ فإن الله – تعالى – أخفى سرَّه في عباده”؛ اهـ.

وثبت في “السنن” لأبي داود (4/275) عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((كان رجلان في بني إسرائيل متواخيَيْنِ، فكان أحدهما يُذنِب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهدُ يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصِرْ، فوجده يومًا على ذنب فقال له: أقصِر، فقال: خَلِّني وربي، أبُعِثْتَ عليَّ رقيبًا؟ فقال: والله لا يغفرُ الله لك، أو: لا يُدخِلك الله الجنة، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنتَ بي عالِمًا، أو كنت على ما في يدي قادرًا؟ وقال للمذنب: اذهبْ فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار))، قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلَّم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.

أقول: ربما وُجد عند بعض العصاة من العبودية لله في بعض أحواله؛ بسبب احتقاره لنفسه وعمله وبسبب ذلِّه لله – أعظمُ ممن ظاهرُه الصلاح، وباطن قلبه العُجب بالعمل، والتعالي على الناس به.

إن عمل العصاة ذنبٌ، ولكن احتقارَهم بسبب معصيتهم كبيرةٌ من الكبائر.

ثم إنه لا حاجة للمسلم أن يملأ قلبَه بالكُره لأحد، بل يسعى لصلاحِ قلب نفسه، ونفع الآخرين بحُسن العلاقة، وجميل التوجيه”؛ انتهى كلامه – حفظه الله – نقلاً من موقعه.

ولذلك كان من فوائد وقوع العبد في الذنب ما ذكره ابن القيم -رحمه الله- في “مفتاح دار السعادة” بقوله: “ومن فوائد الذنب: أنه يُقيم معاذيرَ الخلائق، وتتسع رحمتُه لهم، ويتفرج بطانه، ويزول عنه ذلك الحصر والضِّيق والانحراف، وأكلُ بعضه بعضًا، ويستريحُ العُصَاة من دعائه عليهم وقنوطه منهم، وسؤال الله أن يخسف بهم الأرض، ويسلِّط عليهم البلاء، فإنه حينئذٍ يرى نفسه واحدًا منهم؛ فهو يسأل الله لهم ما يسأله لنفسه، وإذا دعا لنفسه بالتوبة والمغفرة أدخَلهم معه، فيرجو لهم فوق ما يرجو لنفسه، ويخاف على نفسه أكثرَ مما يخاف عليهم، فأين هذا مِن حاله الأولى، وهو ناظر إليهم بعين الاحتقار والازدراء، لا يجد في قلبِه رحمةً لهم ولا دعوة، ولا يرجو لهم نجاة؛ فالذنب في حق مثل هذا من أعظم أسباب رحمته.

مع هذا فيُقيم أمر الله فيهم؛ طاعةً لله، ورحمة بهم، وإحسانًا إليهم؛ إذ هو عينُ مصالحتهم، لا غلظة، ولا قوة، ولا فظاظة”؛ اهـ.

نعود لمسألة ربط كثير من “الفنانين” اعتزالهم بالحج، وما السبب في ذلك؟!

الجواب في ظني أنه وصلهم حديثُ النبي – صلى الله عليه وسلم – كما عند البخاري (1521): ((مَن حجَّ فلم يرفُث ولم يفسُقْ، رجع كما ولدته أمه))، وعند الترمذي (811): ((من حجَّ فلم يرفُث ولم يفسُق، غُفِر له ما تقدَّم مِن ذنبِهِ))، وهذا دليل على أنهم يؤمنون بأن ما يقومون به معصية لله -عز وجل- وذنبٌ يوجب التوبة! لكن سيتخلصون من هذه الآثام كلها يوم أن يحجوا لبيت الله الحرام؛ إيمانًا منهم بما جاء في هذا الحديث النبوي الشريف في فضل الحج.

فانظروا -رحمكم الله- كيف أن الشيطان جعلهم يعلِّقون توبتهم بأداء هذه الشعيرة العظيمة، مع أن الحج ما هو إلا أحد أركان الإسلام الخمسة، وله فضائل كما لغيره من الأركان، وشروط التوبة الحقيقية عند أهل العلم معروفةٌ محصورة، وليس منها الحج! وهي:

‌أ- الإخلاص في التوبة.

‌ب- الإقلاع عن الذنب.

‌ج- الندمُ على الذنب.

‌د- العزم على عدم رجوعِه إلى الذنب.

‌هـ- التوبة في الوقت الذي تُقبَل فيه التوبة، فلا يقبل اللهُ التوبة عند الغرغرة قبل قبض الروح، ولا بعد طلوع الشمس من مغربها.

‌و- إرجاع الحقوق إلى أهلها إن كانت معصيتُه تتعلَّق بحقوق الآدميين.

فمن تاب إلى الله -تبارك وتعالى- واستوفى هذه الشروط، لزِمه أن يجتهد في الطاعات والقُربات لله -عز وجل- ويحرص عليها، بما في ذلك الحج والصلاة والزكاة والصوم، وغيرها من العبادات الكثيرة، الظاهرة والباطنة، القولية والعملية.

ومع ذلك فإنني أسألهم: هل سيُمهِلُكم الموت حتى ذلكم الحين – أقصد حتى تحجوا؟ أمَا تعلمون أن الموت يأتي بغتة ومن دون سابق إنذار؟ ألم يسبِقْ لكم أن شاهدتم أجسادًا تسقُط طريحة على خشبة المسرح بعد طول غناء ورقصٍ وطرب، فإذا هي جثة هامدة بلا حَراك؟ ألم تسمعوا عن ذلك المغني الجزائري الذي ضرب لجمهوره موعدًا في “قصر النجوم” يوم 13و14 يونيو الماضي بطنجة لإحياء حفل غنائي هناك، ولكن قبل الموعد المحدد بقليل تعرَّض لحادث مروري خطير رفقة زوجته الحامل التي أصيبت بجروح نُقِلت على إثرها إلى المستشفى، فكتَب اللهُ لها ولطفلهما النجاة، أما هو، فقد صعِدت رُوحه إلى باريها، ولم يُقدَّر له لا رؤية مولوده، ولا لقاء جمهوره، غفر الله له؟! ألم تطرق أسماعكم أيضًا بعض من قصص مَن لفظوا أنفاسهم الأخيرة وهم يقومون بتصوير إحدى لقطات هذا الفلم أو ذلك المسلسل؟ ملَك الموت لن يطرق أبوابكم أو يبعث لكم إشعارات بقدومه عبر البريد والجوال! ولن يتفاوض مع مدير أعمالكم ليستأذنكم في أخذ أرواحِكم، أو تحديد موعد لانتهاء آجالكم، لا أبدًا والله لن يكون ذلك! ولتتدبَّروا معي قول ربنا -سبحانه وتعالى-: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:53-62].

أخي المغني، أختي المغنية، أخي الممثل، أختي الممثلة، أنا أجزم أنكم لستم راضين عن أنفسكم، وأنكم لم تجدوا السعادة التي كنتم تبحثون عنها في الغناء والتمثيل، ولا في الثروة والشهرة، وأن أكثركم لا يحب أن يموتَ مغنيًا أو ممثلاً، وما زلتُ أتذكر سؤالاً وجهتْه إحدى المذيعات لمغنٍ معروفٍ حينما قالت له: “ما هو أكثر شيء تفكِّر فيه ويشغل بالك؟”، وقبل أن يجيبها على سؤالها طلب منها أن تتجاوز إجابتَه وألا تعلِّقَ عليها، وبعد أن وافقَتْ على طلبه، أجابها باللهجة المصرية: “حاجة على طول شاغلة تفكيري بصراحة يعني.. مش بتمنَّى أموت وأنا مطرب… -إلى أن قال- عايز أعمل حاجات أحسن من كده!!”.

ومغني آخر مصري يقول بالحرف:” ربنا يكرمني وأبطّل.. وعايز أشتغل في حاجة مافيهاش شبهات وخلاص.. أنا مقتنع أن للي اعمله حرام وعايز أبطلو.. نفسي ربنا يكرمني ويشلني من الحتة ديه عشان أنا أصلا تعبان كنت أموت ولو تسألني الشغلانة دي حرام ولا مش حرام؟ أقلك حرام!!”.

هذا لسان حال كل مغنّ وممثل بل وكل عاص؟!

ولكن، هل ينفع التمنِّي بدون عمل وبحث عن مخرج من هذا المـأزِق؟؛ قال الله -جل وعلا-: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:105]، وقد حدَث أن بعض أهل الكتاب تناقشوا مع بعض المؤمنين، كلٌّ يدَّعِي أن الفضل له دون الآخر، فنزل قوله -تعالى-: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء:123،124]، وقال -عليه الصلاة والسلام-: ((الكَيِّسُ مَن دان نفسَه، وعمِل لِما بعد الموت، والعاجز مَن أتْبَعَ نفسَه هواها، وتمنَّى على الله الأمانيَّ))؛ [رواه الطبراني وأحمد والترمذي وقال: حسن]، ومِن باب الأمانة، فالحديث في إسناده نظر، ولكن معناه صحيح، وأُثر عن الحسن البصري أنه قال: “ليس الإيمان بالتمنِّي، ولكن ما وقَر في القلب، وصدَّقه العمل، وإنَّ قومًا خرجوا من الدنيا ولا عمل لهم، وقالوا: نحن نُحسِن الظنَّ بالله، وكَذَبُوا؛ لو أحسَنوا الظنَّ، لأحسَنوا العمل”.

فلماذا لا تُعلنونها توبة لله -عز وجل- من الآن؟! سيما وأن الموقف ينتظر منكم قرارًا شجاعًا جادًّا وليس مجرد أماني، لماذا تبيعون جنةَ الآخرة بعَرَض من الدنيا قليل وزائل؟! لماذا تُسخِطون ربَّ العباد برضا العباد؟! لماذا تهتمون لما سيقوله الناس عنكم في الدنيا، وكلهم قائل يوم القيامة: نفسي نفسي؟! أما يكفيكم أنكم فتنتم شبابًا كثيرين، وألهيتموهم عن تعلُّمِ دِينهم، وشغَلْتموهم عن النهوض ببلادهم، والرقي بمجتمعاتهم وأوطانهم! نعم؛ لأنكم كنتم -ولا زلتم- أدوات بأيدي مسؤولين لا يرقُبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمةً؛ لتخدير الشعوب، وتخريب البيوت، وتبذير أموال العباد فيما لا ينفع البلاد!

ها هي الأمة طريحة جريحة أمامكم، تُستنزف من كل جانب، أمَا تخجلون وأنتم ترقصون على جراحها؟! وتغنُّون على أوتار آهاتها وصراخها؟! وتتلاعبون بمشاعرها من خلال تمثيليات تافهة ساقطة تغيِّبها عن واقعها المرير؟! إلى متى؟! إلى متى؟! مَن كان له ضمير فسيجد لكلماتي صدًى، وينتقل من الرَّدى إلى الهدى، ومَن ترك شيئًا لله، عوَّضه الله خيرًا منه، ومن أعرض وتكبَّر وأصرَّ على ما هو فيه، فأذكِّره بقوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:124-127]، وقال -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج:10،11].

لا يخدعنَّكم الشيطان بأعذار واهية؛ ليَثنيكم عن التوبة والرجوع إلى الله: (سوف أعتزل بعد الحج)، فكم من زملائكم قد حجُّوا ومع ذلك لم يعتزلوا؛ لأنهم ما حقَّقوا شروط التوبة، ولا عرَفوا مفهوم التوبة، فلا تكونوا مثلَهم!

وكم من زملائكم أيضًا قد تابوا وبعدها ذهبوا للحج والعمرة، وهم الآن دعاة إلى الله تعالى، قد أبدل الله حالهم إلى خير حال! وأبدل تعاستهم إلى سعادة! فكونوا مثلهم؛ فباب التوبة ما زال مفتوحًا أمامكم، والله -سبحانه وتعالى- الجوَادُ الكريم الغفور الرحيم، يفرَحُ بتوبة عبده، ويعفو عن سيئاته متى تاب إليه وقصَده بصدق وإخلاص!

تقول ممثلة مصرية بعد توبتها في لقاء معها بأحد البرامج: “أتمنى أني بعدما كنت من مشاهير أهل الأرض أن أكون من مشاهير أهل السماء!.. يعني في الدنيا بعدما كنت أُلقب بالفنانة والفراشة الخ.. أن ألقب عند الله بالصائمة.. القائمة.. المتقية.. المحسنة…”.

“ولا تَؤُودنَّك كثرة الخطايا؛ فلو كانت ركامًا أسودَ كزَبَد البحر، ما بالى اللهُ – عز وجل – بالتعفية عليها إن أنت اتَّجهت إليه قصدًا، وانطلقت إليه ركضًا.

إن الكنود القديم لا يجوز أن يكون عائقًا أمام أوبةٍ صادقة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ…[الزمر:53،54].

وفي حديث قدسي عن الله -عز وجل-: ((يا بن آدم، إنك ما دعوتَني ورجوتَني غفرتُ لك ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم، لو بلغَتْ ذنوبُك عَنان السماء، ثم استغفرتَني، غفرتُ لك ولا أبالي، يا بن آدم، إنك لو أتيتَني بقُراب الأرض خطايا، ثم لقيتَني لا تُشركُ بي شيئًا، لأتيتُك بقُرابها مغفرة))؛ [الترمذي].

وهذا الحديث وأمثاله جرعةٌ تحيي الأمل في الإرادة المخدَّرة، وتُنهض العزيمة الغافية وهي خجلى لتستأنف السيرَ إلى الله، ولتجدِّد حياتها بعد ماضٍ مُلتوٍ مسكين!

لا أدري لماذا لا يطير العباد إلى ربهم على أجنحة من الشوق، بدل أن يُساقوا إليه بسياط من الرهبة؟!

إنَ الجهل بالله وبدِينه هو عِلةُ هذا الشعور البارد، أو هذا الشعور النافر – بالتعبير الصحيح – مع أنَّ البشر لن يجدوا أبرَّ بهم ولا أحنَى عليهم من الله -عز وجل-؛ [جدِّد حياتك للغزالي].

أسأل الله الهداية للجميع..

وصلَّى الله على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
19°
21°
الجمعة
20°
السبت
19°
أحد
18°
الإثنين

كاريكاتير

كاريكاتير.. لماذا هذا أفضل من هذا الذي يملك الكثير؟!

حديث الصورة

مظلات حديدية بثلاثة ملايير وسط الرباط تثير الجدل