بين منع اليوم والأمس المستهدف هو القرآن والسنة لدورهما الاجتماعي

26 يوليو 2013 18:46

ذ. إدريس كرم

هوية بريس – الجمعة 26 يوليوز 2013م

أوردت جريدة “الأخبار” عدد211 بتاريخ 22/7/2013 أن مندوبية وزارة الأوقاف منعت ثلاثة خطباء مساجد من حضور أمسية قرآنية، نظمتها حركة التوحيد والإصلاح الذراع الدعوي لحزب العدالة والتنمية، يوم الجمعة الماضي 19/7/2013 بمدينة الفنيدق، وكان مبرمجا أن يحضرها بعض خطباء المساجد لتأطير الأمسية، والإشراف على  تشجيع المواهب والطاقات الشابة في حفظ القرآن الكريم وتجويده، وقام رئيس  فرع الحركة الدعوية بجميع الإجراءات القانونية لتنظيم النشاط.

 

لكن قبل ساعات قليلة من تنظيم الأمسية، راسل مندوب الأوقاف الخطباء الثلاثة، لتذكيرهم بالمذكرة الوزارية الصادرة في الموضوع، وطلب منهم تحمل مسؤوليتهم الكاملة في المغامرة بالمشاركة في الأمسية القرآنية، وهو ما جعلهم يتراجعون عن قرار المشاركة في نشاط التوحيد والإصلاح، مما جعل مكتب الحركة يستنكر قرار المنع، وتقييد حرية الخطباء وترهيبهم، وتخويفهم من تأطير وإحياء أمسية قرآنية (انتهى منه بلفظه).

والأسئلة التي يتبادر إلى الذهن هي:

ما هو الضرر الذي يحصل من جراء مشاركة الخطباء في نشاط جمعية دعوية  لها علاقة بالحزب الذي يقود الحكومة؟

وهل الخطباء محجوروا وزارة الأوقاف، حتى  تقصر نشاطهم على  ما تريده منهم؟

أليس من الأفضل أن يؤطروا نشاط جمعية لا توافق هوى الوزارة، مما يجعلها تحت سمعها وبصرها، لتعرف ما قد تنجر إليه من مخالفات، لتتخذ المناسب ضدها على بينة؟

وهل يعتبر هذا التصرف مناهضا للحكومة لمكونها الأساسي، وإظهاره بمظهر العاجز عن حماية حق من حقوق المواطنة يكفلها الدستور، وهو الحرية، والمساواة، وعدم الإقصاء، فإذا كان المنتسبون لحزب رئيس الحكومة بشكل أو آخر يعاملون من طرف وزير في نفس الحكومة بما  سلف، ولا يقوى على إنصافهم قانونا، فكيف ستكون حالة باقي المواطنين ومنهم الفقهاء والخطباء الذين بح صوتهم في المطالبة بالحق في التحرر من  تجاوزات وزارة الأوقاف دون أن تسمع لهم استغاثة؟

ثم ألا يدخل هذا التصرف تحت طائل الإقصاء الذي يرفضه عاهل البلاد؟

وهل الاشتغال بالقرآن الكريم  صار مغامرة؟

ثم هل وزارة الأوقاف جزء من الحكومة، أم أنها جهاز مستقل أو تابع لجهة ما؟

وأخيرا أين حرمة القرآن ذاته الذي يجمع عليها المغاربة خلفا عن سلف، والذي يعتبر اللحمة الجامعة  لمكوناتهم، وموحدهم في مواجهة أعدائهم؟

 أسئلة عديدة يطرحها تصرف مندوب الأوقاف، لا يماثله إلا ما جرى في مراكش سنة 1937م من إغلاق للمساجد ومنع الاحتفال بعيد المولد النبوي، لا لشبهة، ولكن لقمع عواطف الشعب، كما جاء في الرسالة المرفعة إلى الملك محمد الخامس رحمه الله، والتي نشرتها جريدة “البصائر” نقلا عن جريد “الأطلس” المغربية، مما يجعلنا نتساءل:

هل يعاد إنتاج سياسة الحماية؟

عندما قرأت  خبر المنع  السالف، وجدت بجانبي مراسلة مماثلة من مراكش إلى جريدة “البصائر” الجزائرية، عدد73 السنة الثانية بتاريخ: 2/7/1937م، تحت عنوان: “ماذا في المغرب الأقصى”؟ محاربة المسلمين في شعورهم العام، ومقدساتهم الدينية.

كتبت الجريدة:

“طالعنا بمزيد من الاستغراب، ما جاء في ملحق خاص أصدرته جريدة “الأطلس” المغربية بعد طبع عددها الخامس عشر، من منع السلطة هناك، المسلمين من إقامة أي احتفال بمولد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وإغلاقها المساجيد، ومحاربتها لشعور الأمة العام بإزاء أقدس شخصية لديهم، فأدهشنا ما سمعناه من تدخل الحكومة في المسائل الدينية بهذه الصفة، وأصبحنا نتساءل: هل نحن في عصر المدنية كما يقولون؟ أم في زمن الحروب الصليبية والتعصبات المذهبية؟

ولكي يشاركنا قراء “البصائر” في دهشتنا وحيرتنا هذه، ننقل إليهم كل ما جاء في ذلك الملحق الصادر بتاريخ: 27 ربيع الأول بالحرف الواحد، محتجين بكل شدة على صدور مثل هذه الإجراءات الفطيعة، كما استنكرها إخواننا المغاربة

تفاصيل عن منع السلطة المحلية بمراكش لجميع الناس من الاحتفال بذكرى مولد نبيهم الكريم.

احتجاج الحركة الوطنية

  في الساعات التي يهتز فيها العالم من أقصاه إلى أقصاه، احتفاء بذكرى مولد منقذ البشرية، من براثين الوثنية والاستعباد، كانت الحكومة بمراكش تتخذ موقفا غريبا، إزاء عواطف الجماهير نحو نبيهم العظيم، كانت تمنعهم من إظهار هذه العواطف في احتفالاتهم الاعتيادية التي يقيمونها في دورهم، وكانت تهددهم بالتطاحن وجها لوجه أمام القوة، إذا هم خالفوا إشارتها، وعمدوا إلى الكثير من المساجد فأغلقوها، وأخرجوا منها المصلين في شيء من الوحشية، وشيء آخر من الاعتزاز بالقوة، الاعتزاز الغريب، وملأوا الشوارع، وملأوا الحارات، وملأوا المساجد الأخرى بالجواسيس وبأعوان التحقيق، وأذاعوا الأراجيف واختلقوا من الدعايات ما أمسك عنه القلم في هذه الفرصة.

 كل ذلك، بعد أن منعت لجنة الاحتفال بذكرى المولد النبوي من الاحتفال بالمولد النبوي. وبعد أن رفض كل تفاهم معها مهما يكن البديل الذي يرمي إليه هذا التفاهم.

  أصبح يوم 12 ربيع والناس كلهم رجالا ونساء، شيوخا وشبانا، مثقفين وغير مثقفين، لا يشعرون غير شعور الألم والإحتجاج، وأصبح حديث مقاومة الاحتفال بالمولد حديثا شعبيا تتناوله الطبقات على اختلافها، وتتألم منه كذلك على اختلافها، ومكث الحرس الليلي وأعوان المحكمة، على حصر، نشروها بأبواب المساجد، وفي أسواق الحارات، ثلاثة أيام أو تزيد.

  لقد تلاشت هذه المعاني الضاحكة التي يوجبها العيد إلى النفوس، فلم يبق إلا ألم مشترك، وعواطف دامية، وخشوع رهيب من هذا النوع الذي يشعر به المسلم الذي يضم تقديسا عميقا للدين، عندما تهتك حرمة من حرمه الأساسية.

 هنا سجلت الجماعات المراكشية، والشباب في مقدمتها، برزانتها أمام هذه الأعمال التهييجية من أعوان الحكومة، فقد كان هؤلاء الطغام الذين استعانت بهم الحكومة يتعرضون للناس، وينالون منهم، ويشبعونهم شتما وفحشا، ولكن الناس سجلوا عن حسن نية أنهم إنما يلتمسون الحق وحده، وإن الحق لكفيل بالفوز، وأنه لكفيل بالنصر من وراء كل هذه الثورات العاطفية الهوجاء، التي يتذرع بها الناس حينا آخر، ففيم هذه التدابير التي تتخذ بإزائنا كلما قمنا بمحاولة؟ وما خطر هذه التصرفات كلها على قضية هي قضية الحق؟ ومشكلة كلمة الفصل فيه للعدالة وللعدالة فقط.

   لقد سمموا الجو، وبثوا الأعوان في كل ناحية، وسلطوا على بعض الأفراد جماعة من الجواسيس يرقبونهم بالليل والنهار، ثم لقد استغلوا غباوة فريق من هؤلاء الجواسيس أنفسهم، فاستخدموهم لإقلاق الأمن ولكن

 إنما اللغز الذي تعالجه الجماهير، عسى أن تجد له حلا هو: لماذا وقفت السلطة ضد الاحتفالات الاعتيادية التي يقيمها الناس في دورهم كل سنة لمولد النبي صلى الله عليه وسلم؟

ولماذا منعت لجنة الاحتفالات بمولد النبي بعدما أعلنت استعدادها المفاهمة مع الحكومة الفرعية بمراكش؟

ولماذا أخرج الناس من المساجد ليلة 11 ربيع الأول فأغلقت؟

ولماذا ملئت الشوارع والمدينة كلها بأعوان المحكمة والدور؟

ولماذا دخل هؤلاء لمنزلين من منازل باب دكالة في غلظة واعتزاز بالقوة؟

 الجواب للقائمين بهذه الأعمال الجليلة، فهم وحدهم يستطيعون أن يجيبوا عنها.

“المراكشي”

 الاحتجاج الذي  رفعته لجنة الاحتفال بالمولد النبوي بمراكش، لجلالة ملك البلاد المحبوب، بعد منعها من إقامة احتفالها الديني.

صاحب الجلالة ملك البلاد المحبوب

بمناسبة المولد النبوي، فكرت فئة من الشباب بمراكش، أن تنظم احتفالا دينيا صرفا، مستعينة في ذلك ببحوث علماء المغرب وأدبائه، الذين طلبت منهم اللجنة أن يشاركوها في احتفالها، وقد كانت الدهشة عامة، عندما استدعيت اللجنة من طرف السيد “أحمد البياز”: فأبلغها عن الباشا، قبل الوقت المناسب خبر المنع، إلا أنه رجع وأكد لها أن المنع يجب أن لا يذاع باسم أحد، وبعد مراجعة ضائعة قرر “البياز” للجنة أن المنع من طرف باشا مراكش، وأوقفت اللجنة أعمالها، مستنكرة أشد الإستنكار، هذه الخطة التي يلتزمها المسؤولون من أعوان الحكومة، وبمراكش بنوع أخص -فقد أقيمت احتفالات مولدية في جميع أنحاء المغرب- واستنكر الرأي الإسلامي العام، التعرض لمشروع ديني، وأحس أنه جارح للعواطف.

  وفي ليلة 12 ربيع الأول، رأى الناس أعوان المحكمة يقفلون المساجد، ويخرجون منها الناس، ورأوا الشوارع عامرة، بأعوان الباشا، وبأيدي بعضهم عصي، وبلغ الجميع أن الاحتفالات الاعتيادية التي يقيمونها في دورهم كل سنة ممنوعة هي أيضا، وأن من اجتمع للاحتفال بمولد النبي، سيكون مهددا بهجوم أصحاب السلطة، وإلقاء تبعة الإخلال بالأمن عليه.

وأسخط الرأي العام هذه الأعمال التهييجية من الحكومة المحلية، واحتجوا ضدها في شدة، واعتبروها موجهة قصدا ضد النبي الذي يخلصون التقديس إليه. ومرت ظروف خطيرة جدا، تدرع الناس فيها بالصبر والهدوء، لا ندري سببا لهذه المهزلة المسلحة، وإنا لنحتج ضد هذا التضييق، الذي جرح العواطف، وصادم الشعور العام، ونعتبر التعرض بصورة عامة للشؤون الدينية، من شأنه أن يقلل من ثقة الناس.

 وتقبلوا فائق احترامنا لعرشكم المجيد

 

عن اللجنة: محمد البركة، أحمد شوقي المغربي “انتهى منه بلفظه ونصه”.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M