الشيخ عمر القزابري: قَلْبُكَ مِعْرَاجُكْ

13 يونيو 2016 02:25
الشيخ عمر القزابري يكتب: لاَ تَنْسَوْا يَوْمَ القِيَامَة...!

هوية بريس – الشيخ عمر القزابري

الإثنين 13 يونيو 2016
بسم الله الرحمن الرحيم. والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أحبابي الكرام:
ليس الإنسان جسما بَعضُه القلب. ولكنه قلب قالَبُه الجسم..ما أعجب أمر القلب. تصلح أوتاره فيفيض رحمة ورقة وعطفا وحنانا. وتفسد أوتاره فَيَنضَحُ قسوة وسوءا حتى يهوي إلى أسفل سافلين. عجيب أمر القلب. يَكْبُر ولا نرى كِبَرَه. فيتضاءل أمامه كل كبير. ويصغر ولا نرى صِغَره. فيتعاظم عليه كل صغير. اتحد شكل القلب واختلفت معانيه. فقلب كالجوهر قد صفا لونه. ورَاقَ ماؤه. وقلب كالصخر. فكل إنسان له قلبٌ وحدَه. يَنبِضُ بنوع من حب وكره. وقسوة وحنان. وإعظام واحتقار. ورفعة وانحطاط. وكل قلب له خَاصِّيةٌ لا يشاركه فيها قلب آخر. وبهذا اختلفت قيم الناس وتعددت مراتبهم. هو إن شئت فردوس. وإن شئت جحيم.

القلب مركز العاطفة. والرأس مركز العقل. القلب يؤسس العالَم والعقل يسكنه.من وجد كل شيء وفقد قلبه لم يجد شيئا. والذي جُرِّدَ من قلبه لا يعرف صداقةً ولا يدينُ بوطنيةٍ ولا يشعرُ بحنان. ولا ينطوي على إيمان. من فقد قلبه فقد فَقَدَ الجمال. لأن الجمال مناطه القلب. وما شَقِيتِ الإنسانية إلا بسبب وجود أناس لا قلوب عندهم. قلبك سِرُّك. فإمَّا أن تحيا تتنسم نسمات الملإ الأعلى. وإما أن تعيش بين حفر الدرك الأسفل. والسبب قَلْبُكْ. هو العيْنُ التي تمد جوارحك بماء الحياة إذا صَلُحَ وصفا. وهو الذي يرسل إليها العدوى إذا فسد. فهو مركز قيادة كيانك..إنَّ الدين الإسلامي الحنيف. يُخاطب قلبك. ويريد قلبك. ما فائدة ركعاتٍ وختماتٍ لا تُثْمِرُ سلامة قلبك. فالعبادات دون قلب طاهر تستحيل إلى نوع من الحركات. ما فائدة عبادتك وقلبُك يقطر حقدا وحسدا وبُغضا؟

لقد سبق سبقا بعيدا في معارج القرب من رُزِقَ قلبا سليما خَلِيًّا من الضغائن. ومن عجائب وأسرار القلب أنه ينطبع على وجه صاحبه. فرُبَّ إنسان يَدَّعي حُبَّك ووجهه يقول لك لا تصدقه فإنه كذّاب. سِرُّ قلبك ينفلت من نظرات عينيك. وفلتات لسانك. فأنت محكوم بسلطان قلبك وإن حاولت إظهارَ العكس. والله يريد منا معاشر الأحباب قلوبا نقية تفيض بحب الخير. قلوبا تمد يدها لمصافحة الناس حبا وشفقة ونصحا. فليس المُعَوَّلُ على كثرة العمل. وإنما المُعَوَّلُ على صفاء القلوب. وما أجمل ما قال سيدنا ابن رجب رحمه الله.. (كم من قائم محروم ونائم مرحوم) لأن الأول قام وقلبه فاجر. والثاني نام وقلبه طاهر.

فلنطهر قلوبنا فإنها محل نظر الله.. وياللعجب.. نزين وجوهنا وننظفها وهي محل نظر الناس.. وَنُغفِلُ قلوبنا وهي محل نظر الله. فأيهما أحق بالاهتمام لو كنا نعقل؟ ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا يوما مع أصحابه فقال لهم يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة. فدخل رجل تقطر لحيته من أثر الوضوء. ثم أخبرهم صلى الله عليه وسلم بذات الأمر من الغد. فدخل نفس الرجل. ثم الثالثة فدخل نفس الرجل. فأراد أحد الصحابة أن يعرف السبب الذي بلغ بهذا الرجل هذه المكانة. فلازمه في بيته ثلاثة أيام فلم ير منه كثير عمل..فلما هَمَّ بالانصراف أخبره الخبر. فقال الرجل المبَشَّرُ بالجنة ليس عندي من عمل إلا الذي رأيت. غير أني لا أنام وفي قلبي غِلٌ على مسلم ..فقال الصحابي الباحث عن سر منزلة هذا المبشَّر بالجنة…هذه هذه وهي التي لا نطيق..
فماذا نقول نحن في زمن التلون والمكر وسيطرة المصلحة وغلبة الدنيا ومطامعها وشهواتها.. ليس لنا إلا أن ننطرح بين يدي الله متضرعين إليه أن يطهر قلوبنا. وأن ندرك حقيقة أن مدار الأمر كله على القلب. فننفض عنا غبار الوهم. لندخل في جهاد مع قلوبنا حتى تصبح موافقة لمراد الله. نقية من الشرك والحسد والغل والبغض والأثرة وحب الانتقام. ميدانا رحبا للسماحة واللين وحسن التجاوز.. وبين أعيننا قول ربنا: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا).
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. محبكم وحافظ عهدكم وودكم عمر بن أحمد القزابري.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M