الغفلة عن تحرير محل النزاع في مسألة عمل المرأة

06 أبريل 2021 15:53

هوية بريس- محمد عوام

الغفلة عن تحرير محل النزاع في مسألة عمل المرأة.
(وقفات نقدية مع مشروع “تدبير الأموال المكتسبة أثناء الزواج وآثاره الاقتصادية والاجتماعية على المطلقات والأرامل: دراسة سوسيولوجية لمدينة سلا”)
إن أكبر خلل منهجي وقع فيه أصحاب هذه الدراسة أنهم لم يحرروا محل النزاع في مسألة عمل المرأة، تحريرا علميا دقيقا، مما أوقعهم في مغالطة فاحشة. فالغريب أننا في (ص41) من المشروع ألفينا أصحابه يعممون حق الكد والسعاية، لكنهم يعتسفون في الاستدلال حين يستدلون بابن عرضون وغيره، إذ كلامه متعلق بالمرأة التي تعمل مع زوجها خارج البيت في الحقول بالحرث والدراس وغيرهما من الأعمال الشاقة، التي تدر دخلا أو مالا على بيت الزوجية، فمن الإنصاف والعدل أن يكون للزوجة نصيب مما اكتسبت وعملت، وأن لا يستبد الزوج بالمال كله، ولهذا لا داعي لتحريف كلام العلماء وتحميله ما لا يحتمل، وتوظيفه خارج سياقه، لأنه أصلا لم يتطرق إلى العمل المنزلي، مما هو معروف ومتداول، ويرضى به الجميع، وتقبله النساء عن طواعية دون تبرم أو تلكأ.
لذلك وظفوا فتوى ابن عرضون وغيره من العلماء في الكد والسعاية، فحملوها على العموم، يعني أنها تشمل كل عمل صادر عن المرأة، دون تقييد ولا تبصر ولا تمييز، لعمل المرأة هل داخل البيت أو خارجه؟. وهذا غريب عن طبيعة البحث العلمي، المفروض فيها أن تكون جادة ونزيهة.
وتحرير محل النزاع يقتضي أن نفرق في عمل المرأة بما يلي:
أولا: عمل المرأة في البادية خارج البيت من مشاركة زوجها في أعمال الفلاحة، من زرع وحصاد ودراس، وغير ذلك. دون الحديث عن أعمال البيت من خبز وغسل للأواني والملابس. وغيرها، مما هو متعارف عليه. فلا شك أن عمل المرأة خارج البيت مما ذكرت هو الذي تحدث عنه ابن عرضون وغيره ممن أفتوا بحق الكد والسعاية أو حق الشقا، خلافا لفقهاء فاس. وقد أفاض أخونا الدكتور أحمد كافي في بيان ذلك.
ثانيا: عمل المرأة خارج البيت في الوظيفة العامة أو الخاصة، لكن عملها هذا منفصل تماما عن مشاركة زوجها في عمله مثل ما يحصل في الفلاحة، اللهم إلا إذا كان للزوج شركة أو مصنعا، أو متجرا تساعده فيه، وهذا في حكم الناذر جدا. فالمرأة الموظفة –في الغالب- لا شك أنها تنفق على بيتها. فتكون بذلك مشاركة للزوج في النفقة على البيت، فهل لها حق الكد والسعاية مع إلزامها بشيء من النفقة جبرا للضرر الحاصل من جراء غيابها عن البيت وفي ذلك ضياع لحقوق الأبناء والزوج؟ يعني هل يعتبر ذلك جبرا لهذا الغياب أم أن لها حقا ونصيبا في أموال الزوج بحكم عملها دون احتساب حقوقه عليها داخل البيت؟ فكيف نجمع بين حق الزوج على زوجته داخل البيت مع غيابها له، وعملها ونفقتها داخل البيت؟
لماذا هذه السؤالات؟ لأن كما قلت هناك حقوقا للزوج على زوجته داخل البيت، وهناك عمل الزوجة خارج البيت. إذن فالمسألة تحتاج إلى تكييف فقهي يجمع بين حق الزوج في البيت، وحق الزوجة في نصيبها من الأموال المكتسبة، حتى لا يضيع حق أي أحد منهما.
ثالثا: عمل المرأة في المنزل فقط، بحيث لا تزاول أي عمل آخر، ولا مساهمة لها مالية في البيت. فهل هذا العمل المنزلي يجب احتسابه ضمن الأموال المكتسبة خلال الفترة الزوجية أم لا؟ أم أنه مما جرى به العرف واعتاده الناس ورضوا به، ولا أحد يراه بمثل ما تراه المناضلات صاحبات المشروع؟
هذه الصور الثلاث مما ينبغي إنعام النظر فيها، فنقول:
الصورة الأولى: لا شك في القول فيها بالأخذ بحق الكد والسعاية بحسب مساهمة الزوجة في تنمية أموال زوجها، خارج البيت في الفلاحة، وأما ما تعمله داخل البيت فهو يجري مجرى العرف، واستقر في المجتمع ورضي الناس به، والعادة كما قال الفقهاء محكمة. (انظر رسالة ابن عابدين نشرف العرف في بناء بعض الأحكام على العرف). وسيأتي بيان ذلك بشيء من التفصيل إن شاء الله.
الصورة الثانية: لها شقان: الأول نفقة المرأة الموظفة أو العاملة من بعض مالها على بيت الزوجية، فهذا واجب جبرا للضرر الحاصل من جراء التفريط في بيت الزوجية، وهو ما أفتى به كبار العلماء، منذ زمن غير يسير إلى يومنا هذا. والثاني: مساهمتها في تنمية الأموال المكتسبة، إما بشراء بيت للسكن أو أثاث باهظ الثمن، مما له قيمة كبيرة جدا، وغير ذلك. فهذه لها حقها بمقدار ما ساهمت فيه، كما عليها واجب الإنفاق في حدود الثلث كما ذهب إليه بعض العلماء المعاصرين، وعلى رأسهم الشيخ يوسف القرضاوي، وتحديد قيمة المال المساهم به قد تختلف بحسب وظيفة المرأة، وبحسب اشتغالها في البيت من عدمه.
ورب قائل: إن النفقة واجبة على الرجل، فلماذا نلزمها بثلث النفقة؟ نعم واجبة في مقابل “خدمتها وما جرت به عادة الأزواج” كما قال ابن القيم وغيره من المحققين قبله وبعده، وبما أن هناك تفريطا في حق الزوج والأبناء، فكان لا بد من جبرها بأن تنفق من مالها الذي اكتسبته خارج بيت الزوجية، وإلا بأي حق يتحمل الزوج نفقات البيت كاملة، مع هضم حقوقه داخل البيت، والزوجة تكتسب المال، وبعدها نقول لها لا يجب عليك النفقة؟ فهذا غير معقول، ومناف للعدل ولروح الشريعة في تثبيت العدل والرحمة والمودة.
الصورة الثالثة: هذه الصورة هي محل النزاع بيننا وبين أصحاب المشروع، أو بالأحرى صاحبات المشروع، فهل من المعقول أن نسوي المرأة التي هي في البيت تعمل عملا منزليا بغيرها، فنجعل لها حقا في الكد والسعاية؟ مع العلم أن الخدمة المنزلية اليوم في ظل التغير الاجتماعي والتقني أصبحت متيسرة، حيث أصبحت آلية، غسالة الملابس، وغسالة الأواني، وآلة الكنس، وآلة العجن، وأغلب الأسر تتوفر على الضروري منها، ودخل بعضها منازل البادية لما عممت الكهرباء.
فهل من المعقول والعدل الذي يدندن أصحاب المشروع خاصة النساء منهم حوله أن نعطي خمسين في المائة للمرأة احتسابا لأجرها على العمل المنزلي؟ وهل يستقيم شرعا أن نسوي بين العمل المنزلي وعمل الزوج في الأعمال الفكرية، أو الأعمال الشاقة التي تتطلب جهدا بدنيا كالبناء والحدادة والنجارة وغيرها من الصنائع؟. وبأي حق تعطى المرأة الأجر على خدمة البيت أليس هذا حطا من كرامة المرأة وتحويلها من زوجة إلى خادمة، أو تجمع بين الزوجية والخدمة. هذا لا يستقيم في العقل بله أن تقبله أدلة الشرع ومقاصده.
بهذا يتبين أن أخواتنا المناضلات صاحبات المشروع، لم يحررن محل النزاع، ولا فصلن القول في صور عمل المرأة، حتى يتبين لهن وجه الصواب، وإنما كان ديدنهن مناصرة المرأة، بأي وجه كان، ولو على حساب حقوق الرجل، وهذا مآله إلى إحداث الصراع داخل الأسر، ومزيد من تشردمها، وتفكيك ترابطها، شعرن بذلك أو لم يشعرن، وإن كن لا يقصدن ذلك، فهذه هي النتيجة، وهذا هو المآل الذي لا يحمد البتة.
يتبع إن شاء الله
آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
16°
23°
السبت
23°
أحد
22°
الإثنين
23°
الثلاثاء

كاريكاتير

كاريكاتير.. ضياع الوقت بسبب مواقع التواصل الاجتناعي!!

حديث الصورة

صورة.. العزة والشموخ والثبات.. صورة مقدسي يصلي رغم هجوم جنود الاحتلال الصهيوني!!