المبالغة في الثناء والمدح المطلق لمن تقع منه منكرات من الحكام

06 يوليو 2024 13:16

هوية بريس – د.محمد أبو الفتح

جوابا عن هذه المسألة بالعدل والإنصاف، بعيدا عن الإجحاف والإسراف، يقتضي الكلام في أربع مقامات، ولكل مقام منها مقال مأثور عن نبينا عليه الصلاة والسلام:

1-المقام الأول: في الموقف من منكرات الحكام، وبيان المقال فيه : قوله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ (وفي لفظ: ستكون أمراء) فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ. فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ”. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: “لَا. مَا صَلَّوْا” (رواه مسلم 1855).

القروض.. التأمين.. البنوك الربوية .. هل توجد بنوك إسلامية بالمغرب؟ - ملفات وآراء

☆وفي لفظ لمسلم: “فَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ بَرِئَ. وَمَنْ كَرِهَ فقد سلم. وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ”.

☆وفي لفظ لأبي داود (4760): “فَمَنْ أَنْكَرَ بِلِسَانِهِ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ”.

☆ يستفاد من الحديث: وجوب كراهية ما عليه الحكام من المنكرات بالقلب، ومشروعية إنكار ذلك عليهم باللسان (بضوابط يأتي بيانها في المقام الثاني)، وعدم جواز الرضى بما هم عليه من المنكرات بالقلب، أو متابعتهم عليه بالقول أو بالفعل، فمن فعل ذلك لم يبرأ من مشاركتهم، ولم يسلم من الإثم.

2- المقام الثاني: في طريقة الإنكار على الحكام، وبيان المقال في هذا المقام: ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: ” مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ، فَلَا يُبْدِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ، فَيَخْلُوَ بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ ” (رواه احمد، وابن ابي عاصم، وصححه الالباني، وحسنه محققو المسند بطرقه).

ويشهد لمعناه ما رواه البخاري (3267)، ومسلم (2989)، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: ( قِيلَ لَهُ: أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ؟ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتُرَوْنَ أَنِّي لاَ أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ، إِنِّي أُكَلِّمُهُ فِي السِّرِّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا لاَ أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ … ).

قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ” قوله: ( دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا لاَ أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ ) يعنى في المجاهرة بالنكير والقيام بذلك على الأمراء، وما يُخشى من سوء عقباه، كما تولد من إنكارهم جهارًا على عثمان بعد هذا، وما أدى إلى سفك دمه واضطراب الأمور بعده…” (إكمال المعلم 8/538).

فيجب مراعاة الرفق والإسرار في النصح للحكام، لأن ذلك ادعى أن ينتفعوا ويستجيبوا، كما قال تعالى لموسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون : “فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى” (طه 44)

وأما الإنكار العلني على المنابر ، ووسائل التواصل بأسلوب ثوري، فظ غليظ، فلا يحصل به انتفاع الحكام بالنصيحة، كما أنه يؤجج العوام على الحكام، ويفضي إلى إثارة الدهماء (الجهال)، وسفك الدماء، ولقد كان في فتنة “الربيع العربي” عبرة للعقلاء…

فليس مراعاة الرفق والإسرار لسواد أعين الحكام الجائرين، ولكن طاعة لرب العالمين، ولإمام المرسلين، ونظرا لما يترتب على خلاف ذلك من المفاسد والأضرار على الناس أجمعين….

3- المقام الثالث: في حكم مدح الحكام الجائرين، وبيان المقال ما رواه مسلم في صحيحه (5683) عن أبي معمر، قال: “قام رجل يثني على أمير من الأمراء. فجعل المقداد يحثي عليه التراب، وقال: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نحثي في وجوه المداحين التراب”.

فالمادح إما أن يكون مادحا بحق أو بباطل:

-فإن كان مادحا بحق فإنه يُخشى أن يقطع عُنُق الممدوح، كما صح عن أبي بكرة – رضي الله عنه – قال: «أَثنى رجلٌ على رَجُلٍ عند النبيِّ – صلى الله عليه وسلم-، فقال: ويلك، قطعتَ عُنق صاحبك، – ثلاثاً – ثم قال: مَنْ كان منكم مادحاً أخاه لا محالةَ، فليقل: أَحْسِبُ فلاناً، واللهُ حسيبه، ولا يُزَكِّي على الله أحداً، أَحْسِبُ كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه» (أخرجه البخاري2679 ومسلم 3000).
-وإن كان مادحا بباطل فهو بالإضافة لكونه كاذبا مُتَزلفا، فالثناء على عهد حاكم من الحكام الجائرين ظاهره الرضى بما هو عليه من منكرات ظاهرة، يعلمها الخاص والعام، وفي ذلك ضرر على الحاكم وعلى المحكومين:

فأما الحاكم: فالمبالغة في الثناء عليه مطلقا من طرف الدعاة والعلماء -من غير بذل النصح له- تشجيع له على سيرته السيئة، وتغرير له، وخيانة ستظهر لهذا الحاكم وسيعلمها يوم القيامة، يوم لا تنفع الندامة…

وأما المحكومون من العوام فإما فساق وإما صالحون : فأما جهالهم وفساقهم فسيستهينون بما يصدر عن الحاكم من المعاصي والفجور، ويشاركونه فيه، مستبشرين بعهده الميمون…

وأما الصالحون منهم فسيفقدون الثقة في دعاتهم وعلمائهم، وسيطعنون فيهم سرا وجهرا، وإذا انفصل العوام عن العلماء فلا تسال عنهم بعد ذلك في أي أودية الضلال نالهم الهلاك…

وأما الثناء المقيد على الحاكم لعمل صالح صدر منه، من غير مبالغة في الإطراء، مع الدعاء له بمزيد من التوفيق والسداد؛ فليس هو من الباطل، بل هو من باب: “لا يشكر الله من لا يشكر الناس” (صحيح الجامع 7719)، وفيه من المصلحة: تثبيت الحاكم على فعل الخير، وتشجيع له على الإستزادة منه.

4-المقام الرابع: في الموقف من العلماء القريبين من الحكام: وبيان المقال فيه: قوله صلى الله عليه وسلم: “ليس منا من لم يُجِل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه» (رواه احمد وحسنه الالباني في صحيح الجامع 5443) .

من المعلوم أن للعلماء في الدخول على السلاطين والحكام مذهبين قديمين، فطائفة من السلف كنت تؤثر البعد والمفاصلة؛ وذلك طلبا للسلامة، منهم: ابن سيرين،وسفيان الثوري، وأحمد….وطائفة أخرى، كانت تختار جواز الدخول على السلطان من أجل المناصحة، والإعانة له على المعروف والطاعة، منهم: الحسن البصري والزهري ومالك والشافعي…

ولكل طائفة من هؤلاء العلماء وجهة:

فمن خشي على نفسه الفتنة والمداهنة؛ رأى أن الواجب عليه المفاصلة إيثارا للسلامة، وعملا بحديث : “«من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن» (صحيح الجامع 6124).

ومن علم من نفسه القدرة على نصحهم سرا بالتي هي أحسن، للتي هي أقوم، ورأى في القرب منهم تقليلا للشر وحفظا لما بقي من الخير، رأى أن الواجب عليه الدخول على الحاكم وتقديم النصيحة له عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: قَالَ: “الدِّينُ النَّصِيحَةُ” قُلْنَا: لِمَنْ؟ قال “لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم” (صحيح مسلم55).

ورأى عدم إسلام الحاكم لبطانة السوء، فيزداد شرا وفسادا في البلاد، ويعود ضرره على جميع العباد، … وقالوا: من سيعين الحاكم على القضاء الشرعي إذا اعتزله الصالحون من العلماء؟! و نصر هذا القول بقوة الشوكاني رحمه الله.

والمقصود: عدم جواز إساءة الظن بمن يخالط الحكام من العلماء الأخيار، المشهود لهم بالخير والسنة، المعروفين بالنصيحة للراعي والرعية… فالظن بهم انهم ينصحون للحكام سرا من غير إعلان، ويقللون الشرور على قدر الإمكان، وقد يقتضي ذلك منهم ذكر بعض محاسن الولاة من غير مبالغة وإمعان، مع الدعاء لهم بالصلاح والتوفيق لما فيه خير البلاد والعباد … وأما الحزبيون والثوريون فلا يسلم من تأليبهم وتأجيجهم الأمراء ولا العلماء، ولا يهنأ لهم بال حتى تسيل الدماء، وينادي المنادي أن حي على الهيجاء (الحرب)، وكذلك تفعل العاطفة الشعواء: لا تقيم دينا، ولا تبقي دنيا… والله المستعان.

☆ والخلاصة أنه يجب التمييز بين المقامات الأربعة، بحيث لا يطغى مقام على مقام، فلا يلزم من وجوب استنكار منكرات الحكام، المجاهرة بالإنكار عليهم علنا وإغلاظ القول لهم، وتأليب العامة عليهم…

كما لا يلزم من مراعاة اللين والإسرار في نصحهم مدحهم بالباطل والتزلف لهم بالبهتان…

وكذلك لا يلزم من استنكار مدحهم بالباطل إساءة الظن بكل من يدخل عليهم من أهل العلم والفضل… والله الهادي إلى سواء السبيل

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M