انتهاك صارخ للحق العام والفنان فوق القانون

09 أكتوبر 2022 12:15

هوية بريس – د.رشيد بنكيران

أصيب المغاربة بخيبة أمل بعد تصريح غير مسؤول لوزير الشباب والثقافة والتواصل السيد مهدي بنسعيد، نشرته جريدة هسبريس، بعد الفضيحة الأخلاقية المشينة التي عرفها مشهد في مهرجان الرباط عاصمة الثقافة الإفريقية كما يقال:

(مغني!!؟ على منصة يشاهده الآلاف من الناس، غالبيتهم شباب وقاصرون، يحمل قنينة كحول، ويمسك سيجارة حشيش، ويتلفظ بكلام بذيء ناب يتعلق بالجهاز التناسلي للرجل، ويشجع على تعاطي المخدرات).

مشهد أقل ما يمكن أن يصفه العاقل بأنه شاذ غارق في الخزي وفوق القانون، لكن للأسف الشديد كان تصريح الوزير أشد ظلما وخذلانا من المشهد نفسه.

كان يفترض أن يأخذ وزير الشباب والثقافة والتواصل موقفا مسؤولا مما وقع في ذلك المشهد، كما يخول له الدستور المغربي، لكنه تنكب عن ذلك واختار لغة توشي باستغباء المغاربة وللاستهزاء بهم، فقال ردا على سؤال قدم إليه: “أنا كأب لا أقبل خدش الحياء في الفضاء العام وْتخْسارْ الهدْرة، لكننا لا نمارس الرقابة على الفنانين”.

قلت: عجيب أن يكون رد الوزير بهذا المنطق، فمن سأله باعتباره أب ؟؟ موقفه كأب لا يعني للمغاربة شيء، هو في موضع رسمي مسؤول لا ليخبر عن اختياراته الشخصية، بل ليمارس صلاحياته القانونية وفق الدستور المغربي .

ولنا أن نتساءل بعد هذا الرد المفلس، ما معنى الفن لدى وزير الثقافة الذي يريد ألا يمارس عليه الرقابة؟

هل شرب الكحول فن ؟ وشربه في العلن على مستوى المنصات وأمام عدسات الكاميرا ثقافة ؟

هل تعاطي المخدرات فن ؟ وممارسته في العلن ثقافة ؟

هل التلفظ بالكلام البذيء غير الأخلاقي أمام الناس فن ؟

أم أن للوزير برنامجا ثقافيا يريد من خلال فن شرب الكحول وتعاطي المخدرات في العلن، وفن التلفظ بالكلام تحت الحزام تمريره ليرفع المستوى الثقافي لدى المغاربة؟

صراحة، أجد نفسي مرغما أن أسأل السيد الوزير ما معنى الفن والثقافة في تصوره؟

لن يختلف اثنان في أن تلك التصرفات في ذلك المشهد ليست فنا لدى المغاربة، وبينها وبين الثقافة كما بين الظلمات والنور، والمغاربة متفقون على أنها تصرفات تدل على انحراف تربوي وفساد أخلاقي تحطم منظومة القيم برمتها. السكير العربيد أو “الحشايشي” الذي يتعاطى للمخدرات يعرف من نفسه أنه يقوم بأشياء قبيحة مضرة لا يرضاها المجتمع الذي ينتمي إليه، بل ولا يرضى هو عن نفسه، ولهذا تجده في معظم أحواله أثناء استعمالها يستتر عن الأنظار، فلا أدري عن أي فن يتحدث وزير الثقافة؟
ومما يؤكد أن هذه التصرفات المذكورة لا علاقة لها بالفن ولا بالثقافة فإنها تعد في القانون المغربي جرائم، ولها فصول ومواد قانونية تصنفها في دائرة المساءلة لمن يتلبس بها والمعاقبة عليها، لكن الوزير أغمض عينيه عن كل هذه الحقائق وركب المزالق .

والأعجب من العجب أن الوزير صرح بكلام يدل على أنه تخلى عن واجبه الحقيقي اتجاه الشباب والثقافة والتواصل وبدأ يمجد في العفن ويصف أصحابه بالفنانين، وأعلن ذلك أكثر من مرة كما نشرته جريدة هسبريس ، قال الوزير معقبا على ما وقع في تلك المنصة أو في ذلك المشهد المنحط:

“لكننا لا نمارس الرقابة على الفنانين”،

“الوزارة لا تمارس الرقابة على الفنانين”،

“لا يمكن ممارسة الرقابة على أسئلة الصحافيين وأجوبة الفنانين”،

وختمها بعبارة أشد استخفافا بكرامة المغاربة: “وزارة الشباب والثقافة والتواصل ستظل منفتحة على جميع الفنانين”.

قلت: تأمل قوله “جميع الفناين”، وإذا كانت تلك الفضيحة الأخلاقية تسمى فنا ومن قام بها يوصف بالفنان، فمن هو “الشمكار” لدى الوزير؟

هذا، وقد لفت انتباهي مسألة تكرر ذكرها في كلام الوزير وهي نفيه بإطلاق الرقابة على عمل الفنانين، وكأن عمل الفنان فوق المساءلة القانونية لا يحتاج إلى رقابة ولو بعدية أي بعد تقديم عمله الفني، أو أن تصور الوزير لدور الرقابة سلبي من كل وجه، وعليه فيجب ألا يكون حسب تصوره.

وهذا جهل كبير بدور الرقابة المؤطرة بالقانون، فهو مطلب دستوري كان يجب على الوزير ألا يغيب عنه، بل يجب أن يحافظ عليه ويوظفه عند الحاجة إليه، فلو اخترنا مثالا آخر صدر من فنان ما، خرج إلى الجمهور المغربي بعمل فني! يدل على إنكاره مثلا لمغربية الصحراء أو عمل فني! يدل على استهزائه بشخص الملك، فماذا يكون حينئذ موقف الوزير؟ وهل سيردد عبارته “الوزارة لا تمارس الرقابة على الفنانين”، أم أنه سيرفع عقيرته بالإنكار ويتناقض مع مدلول عبارته السابقة؟

ولا إخاله إلا أنه سيرفع صوته بالإنكار ويستنجد بمبدأ الرقابة، وهنا يأتي السؤال الذي يفرض نفسه:

هل هتك منظومة القيم الأخلاقية بالشكل الذي صدر في تلك المنصىة لا يستحق الراقبة والمساءلة!!؟

هل إغراء الشباب لاستعمال المخدرات وشرب الكحول لا يستحق الرقابة والمساءلة!!؟

هل التحرش في العلن بألفاظ ذات مدلولات جنسية لا يستحق الرقابة والمساءلة!!؟

أم أن الخلفية الإديولوجية لدى وزير الثقافة هي التي تحدد له ما يستحق الرقابة وما لا يستحق!!؟

والمضحك المبكي أن وزير العدل والحريات ذ عبد اللطيف وهبي الأمين لحزب الأصالة والمعاصرة دافع عن موقف زميله وزير الثقافة بدعوى أنه لا يمكن تقييد حرية الفنانين!!

وأخيرا، إذا تخلى وزير الثقافة عن واجبه المنوط به، فأين دور المؤسسة القضائية ؟

أليس ما وقع هو انتهاك صارخ للحق العام !!؟ فمن يحمي هذا الحق ويصونه !!؟

وإذا تخلى وزير العدل عن العدل، فمن يصلح الملحَ إذا الملحُ فسد؟

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M