في المغرب.. حرب شرسة لا دماء فيها ولا أشلاء

03 يوليو 2024 19:23

هوية بريس – إبراهيم الطالب

معلوم أن الصراع بين الأمم مداره حول الثروات الطبيعية وفتح الأسواق، وتنافسُها يرتكز حول الهيمنة الاقتصادية والتفوق العسكري والتطور التكنولوجي والعلمي، وكثيرة هي الحروب الدموية التي شنت وأحرقت البشر والحجر، وأهلكت الحرث والنسل -خصوصا بعد الثورة الصناعية الأوروبية-، ظاهرها مناهضة الدكتاتوريات، وتمدين الشعوب المتخلفة، والحرب على الإرهاب والتطرف، وحماية الشعوب من الاستبداد ومنحهم فرصة لدخول جنة الديمقراطية والعيش في كنف الحرية والسلام والأمن، لكن حقيقتها وباطنها الاستحواذ على النفط والثروات الطبيعية وإزاحة الممانعين، وتدمير البنيات الاجتماعية والمؤسسات الدينية والثقافية التي تمنع المجتمعات من التفكك…إلخ.

هذا ما رأته الأجيال التي سبقتنا وعايشت الحربين العالمية الأولى والثانية، وقد رأيناه نحن في البوسنة والشيشان والصومال وأفغانستان والعراق واليمن وليبيا والسودان وغيرها من بلداننا، تبدأ بعضها جنود الدول الغازية ويستكمل الحرب عنها بالوكالة السكانُ المحليون، نيابة عن الدول المتنافسة التي تمد الطرفين بالمال والسلاح، حتى تُنضج واقعا يسمح لها بوضع من يحمي مصالحها على سدة الحكم.

القروض.. التأمين.. البنوك الربوية .. هل توجد بنوك إسلامية بالمغرب؟ - ملفات وآراء

ما سبق ذكره ليس اكتشافا جديدا، فهو معلوم عند أقل الناس متابعة للماجريات التي يعيشها كوكب الأرض، وقد كتب عن ذلك المفكر الأمريكي اليهودي نعوم تشومسكي في كتابه “ماذا يريد العم سام”.

لكننا لسنا معنيين في هذه العجالة بالحديث عن الحرب الدموية التي تهرق الدماء فيها وتنثر الأشلاء فوق رؤوس الأحياء، فحديثنا سيكون عن حرب شرسة لا دماء فيها ولا أشلاء، أسلحتها الثقافة والفن والموسيقى والمسرح والدراما والكتابة والأقلام، وهذه الأسلحة أنواع منها الجرثومي الذي ينفجر بلا صوت، وينشر غازاته القاتلة وسمومه التي لا تفري الأجسام، وإنما تدمر الهوية والأفهام، ليصبح الفرد في مجتمعه معولَ هدم لذاته الجَمعية، وسُوسة تنخر في أساسات البناء الحضاري لأمته، وبهذا يصبح موظفا -سواء بوعي كامل أم بدون شعور-، بل جنديا مشاركا في الحرب الهادئة الباردة ضد مقومات هويته: وهذا التوظيف القذر هو ما تحدث عنه القس “صموئيل زويمر” في كتابه “العالم الإسلامي اليوم” حيث قال:

“تبشير المسلمين يجب أن يكون بواسطة رسول من أنفسهم ومن بين صفوفهم لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أعضائها”.

فمن يمارسون الهدم اليوم في صرح الهوية الإسلامية للمغرب أناس من بني جلدتنا نشأوا في المغرب ومنهم من أمه ترتدي النقاب التقليدي، وأسماؤهم عربية إسلامية منهم:

أحمد.ع، وخديجة.ر، وأمينة.ب، وخديجة.الر، ومحمد الم، محمد الفا، هؤلاء من أشد الناس محاربة للإسلام، وغيرهم بالعشرات، ولنتأمل أسماءهم، 3 منهم يتسمون باسم النبي صلى الله عليه وسلم، واثنتين تتسميان باسم زوجته الأولى أم المؤمنين، وواحدة باسم أمه أمينة صلى الله عليه وسلم.

وهذه الدلالة التي تتضمنها أسماء هذه العينة من طابور الهدم في المغرب، تعطينا الدليل الكامل على أن حرب الإسلام التي بدأها ليوطي المقيم العام الفرنسي قد أدت أكلها، وفرخت نسلها، تماما كما قال القس الحاقد المذكور. والذي حدد كذلك وظيفة معسكره في مؤتمر القدس التنصيري عام 1935م وهو يخطب في جنوده أتباع المخلص وأصحاب المحبة قال زويمر: “لكن مهمة التبشير التي ندبتكم لها الدول المسيحية في البلاد الإسلامية ليست في إدخال المسلمين في المسيحية، فإن في هذا هداية لهم وتكريما، وإنما مهمتكم هي أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقا لا صلة له بالله وبالتالي لا صلة له بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها”.

أليس هذا ما يقوم به من يشكك في البخاري ويعادي الإسلام ويعيد إنتاج كل الشبه التي ابتكرها المستشرقون والمنصِّرون الغربيون؟

وهل توقفت الحرب مع الاستقلال؟

لا، لم تتوقف ولن تتوقف أبدًا، فهذا الصراع المستتر هو من أهم معارك الحروب الحضارية، وهو أكثر الأسلحة استعمالا اليوم، ولنتتبع كل الملفات التي فتحها قادة الاحتلال في البلاد، هل أقفلت وتمت تصفيتها، أم تقوت ونُفذت خططها، واستمرت في تفتيت الهوية وتفكيك الدين:

ولنأخذ نموذجا ملف تقسيم المغاربة إلى عرب وأمازيغ:

يقول الشيخ المكي الناصري في كتابه: “فرنسا وسياستها البربرية في المغرب الأقصى” الصفحة 21: “ولم تكد حكومة الحماية تستقر بالرباط، حتى أنشَأت مدرسة عليا أطلقت عليها اسم “مدرسة اللغة العربية واللهجات البربرية”، وابتدأت الدراسةُ فيها سنة 1913 تمهيدا للسياسة البربرية في المغرب الأقصى، وكان جلالة السلطان وحكومة المخزن الشريف على غير علم بالسياسة البربرية، ومراميها الاستعمارية، ضد الشريعة الإسلامية واللغة العربية، والوحدة الوطنية المغربية، فاستغل المقيم العام “ليوطي” خلو بال المخزن الشريف، من كل فكرة سابقة، عن هذه السياسة الخطيرة، واستصدر من السلطان لأول مرة، ظهيرًا خطيرًا لم يسبق له نظير في تاريخ المغرب منذ دخل في الاسلام، وكان ذلك في يوم 11 سبتمبر 1914 أي بعد سنتين ونصف من عقد معاهدة الحماية”.

فهل أغلق هذا الملف بعد الاستقلال؟

أبدا لم يغلق، رغم أن كل الظهائر التي صدرت بخصوصه في المرحلة الكولونيالية قد تم إلغاؤها، وهذا مثبت في الجريدة الرسمية للبلاد، ومفصل في المصادر التاريخية، التي شهد أصحابها الأحداث وكانوا مراقبين ومشاركين فيها، ومنهم الشيخ محمد المكي الناصري وهو من أهم الرجال العلماء الأحرار الذين لم يتخلوا عن الإصلاح ومناهضة الاحتلال وتتبع مشاريعه في هدم الهوية والدين، يقول رحمه الله تعالى أن العاهل المغربي محمد الخامس رحمه الله: “بادر إلى وضع حد نهائي للسياسة البربرية التي اختلقها الاستعمار، وثار عليها العرش والشعب؛ فتألفت لذلك لجنة خاصة كُلَّفت بالنظر في إلغاء جميع النصوص التي لها علاقة بهذه السياسة الباطلة، وبدأت اللجنة عملها خلال نفس السنة التي عاد فيها جلالته سنة 1955.

وبعد بضعة أسابيع من تأليفها والاتصال بمختلف النواحي التي كان الاستعمار يطلق عليها لقب “مناطق العرف البربري”، انعقد مهرجان شعبي تاريخي كبير بمدينة الخميسات أعلنت فيه حكومة جلالته رسميا وعلى رؤوس الملأ أن السياسة البربرية قد أقبِرت وألغيت نهائيا، ولم يبق العمل بها جاريا في المغرب الحر الموحد المستقيل” (المصدر نفسه؛ ص:9).

فكيف استطاع الاحتلال الفرنسي أن يرعى هذا الملف بعد الاستقلال؟

وكيف تطور ليخلق هذه الكراهية وهذا التمزق وهذا العداء بين أفراد الشعب المغربي؟

بل كيف استُغل لخدمة الصهيونية وبلاد الصهاينة ومشاريعهم، حتى أصبح حفدة العلماء الذين قاتلوا الاحتلال حماية للدين والهوية، يؤيدون دولة الصهاينة وينظرون إليها على أنها أسوة لهم لتحرير بلادهم من القرآن والإسلام؟

إنها الحرب التي لا دماء فيها ولا أشلاء، إنها القوة الناعمة التي تمارسها الديبلوماسية الثقافية الفرنسية والغربية في بلادنا.

وما يقال في ملف الأمازيغية، يقال في ملفات أخرى مثل:

– الفرنكوفونية وحرب اللغة العربية.

– العلمانية/اللادينية، ومحاربة الدين ومنعه من المشاركة في تدبير الشأن العام.

– منع استئناف العمل بالشريعة الإسلامية، وإلغاء ما تبقى منها في القوانين، وهذا ما يقع بالنسبة للقانون الجنائي ومدونة الأسرة.

– القمار، فهو يطور كل سنة ويستهدف الطبقة المسحوقة لتكريس فقرها.

– الربا، ومضايقة البديل الشرعي، المتمثل في البنوك التشاركية.

– الخمر، ودعم إنتاجه وتقريبه من المراهقين.

– الزنا والاستماتة في إلغاء القوانين المجرمة لها، مع الإبقاء على كل محفزاتها وشروط وقوعها.

هل المغرب وحده من يعاني من هذه الحرب؟

لا، بل كل الدول لأن المحارب هو الشركات الكبرى التي تتحكم في العالم وتريد استغلال الشعوب كلها بما في ذلك شعوب الدول الغربية، والهدف هو تفتيت كل القيم والقناعات التي تحول دون الاستهلاك المفرط.

فالدول المتحكم فيها من طرف تلك الشركات، تقاتل يوميا بكل أشكال الأسلحة الباردة، وتستعمل كل أنواع القوة الناعمة لتحقيق أهدافها دون إطلاق رصاصة واحدة، فهي لا تعلن الحرب النارية الدموية إلا بعد استعصاء ثقافة الشعوب ودينها على التفتيت والتفكيك فتتدخل لخلخلة المجتمع وقتل القادة وزرع الألغام المعنوية في بنية الثقافة وبنية الدين وبنية الاقتصاد، وهذا ما رأيناه في العراق وليبيا واليمن وسوريا، وغيرها.

فالثقافة والدين والاقتصاد هما من أهم أساسات الهوية التي تبني الشعوب عليها قوتها وتماسكها ومقاومتها. للأجنبي الغازي.

نفهم من هذا أن البلاد التي لا تقصف بالنار والصواريخ، وسماؤها لا تمرّ تحتها الطائرات الحربية المعادية، ولا تصبغ أرضها بدماء أبنائها لا يعني ذلك أنها لا تتعرض للحرب الناعمة، والمعارك الباردة.

أطراف الحرب:

إن الأطراف المتحاربة في هذه الحرب لا زالت منذ الاحتلال الفرنسي هي هي:

1- معسكر يجمع العلماء والمفكرين والسياسيين ذوي التوجه الهوياتي المغربي، ورجال الدولة المقتنعين بضرورة الحفاظ على الهوية المغربية، ويدافعون عنها ما استطاعوا في كل مناسبة تسمح لهم بذلك، وعموم الشعب المغربي الذي يحافظ في ممارساته اليومية على مقومات الهوية والدين ويحترمها، ويعاني آلام القبض على الجمر، ويمنع نفسه وأسرته من أن تبتلعهم آلات العدو المستعملة في الحرب الناعمة.

2- المعسكر الغازي وعلى رأسه الشركات الكبرى متعددة الجنسية، والتي تتحكم في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وتفرض السياسات الاقتصادية والنقدية التي تدعم أهدافها في بلادنا، كما تفرض السياسات الاجتماعية والقضائية والحقوقية كشرط للقروض، وتستعمل فيالق جنودها وطوابيرها السرية داخل البلاد لمتابعة تطوير المغرب ليصبح خاضعا تابعا. هذا بالإضافة إلى الجالية الفرنسية في المغرب، سواء الأصلية أو المجنسة أو المدجنة والتي تتخرج في مؤسسات البعثات الثقافية الفرنسية والغربية، والتي تربي وتعلم وتؤطر المئات من أبناء الشعب المغربي تتكون من سفارات الاحتلال وقنصلياته، ناهيك عن دعم كل الهادمين للدين والهوية من أمثال رؤوس الشواذ اللواطيين، وزعماء التشكيك في الدين، هذا مع دعم مثل المهرجانات التي تحقق هذه الأهداف كمهرجان كناوة ومهرجان موازين ومهرجان المغرب إفريقيا، وكذا طباعة الكتب التي تستهدف الدين واللغة والهوية…

ما هي ساحات هذه الحرب؟

من أهم ساحات هذه الحرب:

1- الإعلام.

2- التشريع.

3- التعليم.

4- السياسة.

5- الاقتصاد والسوق.

6- الفن والدراما.

7- الأسرة.

إن هذه الحرب التي لا دماء فيها ولا أشلاء، كانت تسمى في بديات القرن العشرين بـ “الغزو الفكري للبلدان الإسلامية”، وقد كتب فيه الآلاف من الكتب والمقالات والأشعار، ودبجت من الخطب والمواعظ مثل عددها أو يفوق، لرد عدوانه وفضح مخططاته، وقد حصر أنواع معسكرات هذا الغزو العلامة عبد الرحمان بن حبنكة الميداني في عنوان كتابه: “أجنحة المكر الثلاثة: التنصير والاستشراق والاستعمار”، وكل معسكر من هذه المعسكرات، يقوم بأدواره في الحرب التي لا دماء فيها ولا أشلاء.

وما على المغاربة إلى أن يتتبعوا مشاريع هذه المعسكرات التي لم تتوقف أبدا عن حربها في المغرب، وكل يوم يقطع جنودها “مسافات” ويكتسح “مساحات” في احتلال العقل الجمعي للشعب المغربي، ففيالقهم تستحوذ على أغلب مؤسساتنا في أغلب القطاعات.

وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M