أحمد التوفيق: انطلاق مرحلة جديدة من خطة تسديد التبليغ

هوية بريس – متابعة
كلمة الأستاذ أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية التوجيهية، يوم السبت 27 رجب 1447هـ الموافق لـ17 يناير 2026م، حول خطة المجلس العلمي الأعلى في تسديد خطة التبليغ، والتي خاطب بها والتي خاطب بها السادة: العلماء ورؤساء المجالس العلمية وأعضاء المجلس العلمي الأعلى والأئمة والخطباء والمرشدين والمرشدات والوعاظ والواعظات ومندوبي وزارة الأوقاف الأوقاف والشؤون الإسلامية.
وقد تناولت كلمة السيد الوزير، موضوع انطلاق مرحلة جديدة من خطة “تسديد التبليغ”، والتي تهدف إلى إصلاح التدين للارتقاء بحياة الناس نحو “الحياة الطيبة”. حيث يركز المشروع على تبسيط جوهر الدين بعيداً عن التعقيد، من خلال ربط الإيمان والعبادات بالسلوك العملي والعمل الصالح.
وفيما يلي نص الكلمة التوجيهية للسيد الوزير:
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على الرسول الأمين وعلى آله وصحبه الأكرمين
السادة العلماء العاملين بالأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى؛
السادة رؤساء المجالس العلمية الجهوية؛
السادة رؤساء المجالس العلمية المحلية؛
السادة والسيدات أعضاء المجالس العلمية المحلية؛
السادة والسيدات الأعضاء المعينين في المجلس العلمي الأعلى؛
السادة الأئمة والخطباء؛
السادة المرشدون والسيدات المرشدات؛
السادة والسيدات الوعاظ والواعظات؛
السادة العلماء والسيدات العالمات من المتكلمين في الدين في إطار الثوابت الدينية للمملكة؛
السادة المندوبون الجهويون والمحليون لوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية؛
أيها السادة، أيتها السيدات.
حيث إن المؤسسة العلمية على أهبة الدخول في مرحلة جديدة من خطة “تسديد التبليغ”، وحيث إن الجمهور المستهدف هو عامة الناس الذين يتعين مخاطبتهم حتى يفهموا جوهر التدين بعيدا عن كل تشعيب أو تعقيد، فقد طُلب مني أن أتدخل في بداية هذه المرحلة، وعليه، فسأتناول هذه الكلمة بنية التناصح ومن منطلق حسن الظن، وموضوعها لا يخفى عنكم منه شيء، ولكنه موضوع جذير أكثر من غيره بالتذكير ، ولو على سبيل التكرار والإلحاح، إنه موضوع تبليغ الدين كما ورثه العلماء عن النبوة، سأتكلم فيه لا من جهة ما جاء فيه من الأقوال والأنظار، بل من جهة ما يتعلق بتنزيله في وقتنا الحاضر، وفي سياق المملكة المغربية بالذات. وأبدأ بالتذكير بالأمور الآتية:
أولا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم بلّغ ما أُمر به لأناس أميين، ومعنى هذا أن الحق المنزل، ولاسيما ما هو في مصلحة الإنسان، يفهمه كل إنسان عاقل؛
ثانيا: أن غاية مصلحة الإنسان، وهي الفلاح أو النجاح، قد بين الرسول صلى الله عليه وسلم طريقه عندما ربطه بالتوحيد وهو يقول في بداية دعوته: “أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا”.
ثالثا: أن المنهج النبوي الذي تم به التبليغ، كما بيَّنه القرآن، جمع بين التعليم والبيان والأسوة والقرب والحرص والشفقة من جهة المبلغ؛
رابعا: أن التبليغ بهذا المنهج أثمر الإقناع والاتباع؛
خامسا: أن المفهوم الجوهري الأساس في دعوة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، أي في تبليغه، هو توحيد الله بالعبادة، والمضمون المتعلق بالحال في هذا المفهوم، بعد النطق بالشهادة، هو تطهير النفوس من الشرك، والعنصر الأساسي الذي ينبغي التركيز عليه هنا هو أن الشرك ليس المقصود به عبادة الأصنام التي كانت في مكة عند ظهور الإسلام، بل هو عبادة الإنسان نفسه، أي هواه، أو ما يسمى اليوم في اللغة المتداولة بين الناس “الأنانية”، وهذا التطهير أو التحرير أو التغيير، هو المهمة الثانية التي سماها القرآن الكريم ب “التزكية” في قوله تعالى: “هُوَ اَ۬لذِے بَعَثَ فِے اِ۬لُامِّيِّـۧنَ رَسُولاٗ مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمُۥٓ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ اُ۬لْكِتَٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِے ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ“، فالتزكية كما ينبغي أن تفهم في سياقنا هي حال التحرر من الأنانية، حال من الحرية يصير إليها الإنسان بعد التشبع بالإيمان، وهو لا يرى لنفسه أمام الله حولا ولا قوة، أي يصير حاله حال الإسلام الذي به يرضي الله وينفع نفسه وينفع الناس، وأضعف الإيمان ألا يضر الناس، فالناس في العصر يتحدثون ويكتبون عن الحرية ويتغنون بها شعارا في الحياة، ولكن الحرية التي يتحدثون عنها هي الحرية إزاء الآخر، وهي قضية أساسية يدور حولها القانون، وقد نسب في موضوعها إلى الخليفة عمر بن الخطاب قوله: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟” ولكن الحرية التي بدأ بها الإسلام وبنى عليها الأشكال الأخرى للحرية هي الحرية إزاء النفس.
سادسا: أن التغير الذي برهانه الاتباع، بعد التزكية، أي التحرر من الأنانية، يتمثل عند كل مسلم في الإيمان الذي يثمر العمل، أي في الأحوال وفي السلوك، لا في مجرد الانتساب إلى الإسلام بالقول على سبيل التقليد؛
سابعا: أن الصحابة الذين آمنوا واتبعوا قد كونوا أمة نموذجية بين الأمم التي أثمرتها الدعوات في العالم، بشهادة أصناف النظار والدارسين والمتتبعين لتاريخ البشرية في العالم؛
ثامنا: أن علماء المسلمين، في تاريخهم بعد عصر النبوة، اجتهدوا في مواصلة حمل أمانة التبليغ؛
تاسعا: أن العلماء في كل الأزمنة والأمكنة، كما ورثوا التبليغ في باب تلقي آيات الله وهي القرآن الكريم، وفي باب إرشاد النفوس إلى التزكية والتحرر من الأنانية، كما بلغوا ما ورثوه من تعليم الكتاب والحكمة؛
عاشرا: أن عمل العلماء عبر القرون في التبليغ، تشهد عليه آثارهم الجليلة في النصيحة، وفي شرح العقائد وبناء المذاهب وخدمة الفقه والقيام بالوعظ والإرشاد.
أيها السادة، أيتها السيدات،
بعد هذا التذكير نتساءل: ما هو الجديد في موضوع التبليغ في وقتنا الحاضر؟
الجديد هو أننا قد دخلنا، مع كل الناس في العالم، في عصر الإحصاء، أي المعرفة العلمية لنسبة الصلاح والفساد المصحوبة بالتشخيص المفصل في كل جماعة من الناس أو بلد أو أمة، علما بأن معظم مقاييس الفساد والصلاح مشتركة من جهة العقل والتجريب بين الناس وإن اختلفت مرجعياتهم، ومن الأمثلة على ذلك إحصائيات التعليم والصحة والمعيشة والوئام الأسري والأمن والإجرام.
يستعمل الناس نسب الإحصاء في هذه الميادين، وفي ما شابهها، للحكم على جماعة من الناس لوصف درجة تقدمها أو تخلفها، وبنفس القياس العقلي يمكن الحكم على درجة التزام جماعة بقيم الدين في مختلف الميادين ومدى توجيه الدين توجيها نسبيا أو شاملا لكل جوانب الحياة.
وأولى من يتعين عليهم اعتبار النتيجة في الالتزام بالدين في جماعة من المسلمين هم العلماءـ لأنهم كما ورثوا واجب القيام بالتبليغ يتعين عليهم النظر الدائم في مدى نجاعة هذا التبليغ وتأثيره.
ومن هذا المنطلق طرح علماء المملكة المغربية ممثلين في المجلس العلمي الأعلى، إشكالية التبليغ كموضوع ومنهج من خلال خطتهم التي سموها “تسديد التبليغ”، ذلك لأنهم وقفوا على الفجوة الكبرى والتفاوت الجلي بين قيم الدين في باب السلوك وبين نوعية تدين الناس، أي العمل بالدين في سائر أحوالهم وأعمالهم ومعاملاتهم.
وحيث إن ما يسعى إليه الناس في حياتهم، كما قلنا، هو الفلاح أو النجاح أو السعادة، فقد وقف العلماء وهم منشغلون بالتبليغ من حيث كيفه ونوعيته وجودته وثمرته، وقفوا على تأصيل هذا الأمر في القرآن الكريم عند قوله تعالى:
“مَنْ عَمِلَ صَٰلِحاٗ مِّن ذَكَرٍ اَوُ ا۟نث۪يٰ وَهُوَ مُومِنٞ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗ وَلَنَجْزِيَنَّهُمُۥٓ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَۖ “.
فهذه الآية هي مرجع العلماء في “تسديد التبليغ”، لأن ما يبرزه الإحصاء من خلل في أحوال الناس سببه أنواع الخلل في سلوكهم من جهة هذين الشرطين المؤهلين للحياة الطيبة، وهما الإيمان والعمل الصالح، بمعنى أن الحاجة إلى التسديد أي توخي القصد والوصول إلى ثمرة بلاغ الدين واردة بإلحاح إذا نظرنا إلى ما تبرزه الإحصائيات من أنواع الانحراف والفساد في السلوك، علما بأنهم يغشون المساجد، والله تعالى يقول: “إِنَّ اَ۬لصَّلَوٰةَ تَنْه۪يٰ عَنِ اِ۬لْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِۖ وَلَذِكْرُ اُ۬للَّهِ أَكْبَرُۖ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَۖ“.
إن التبليغ المسدد هو الذي يدعو الناس وينصحهم ويواكب تصرفاتهم حتى يكون له أثر يتجلى في الحال، لا في مجرد المقال، بين العبادات وبين السلوك، وذلك لأن العبادات تدور على الإقرار بالشكر، والشكر يحتاج إلى البرهان الصادق وهو الالتزام بالعمل، العمل بالمعروف والانتهاء عن المنكر.
فالتبليغ النبوي كان تبليغ بيان وشرح وتنزيل ميداني لهذين الشرطين، الإيمان والعمل الصالح، ومقتضاهما كل ما ورد في الدين، أي في القرآن والسنة، أي ما بيان سبيل ما يجب التدين به، ومن هنا وجب التمييز في الكلام بين أمرين:
الأمر الأول هو الدين، وهو كامل في نصه، والتبليغ النبوي به تبليغ كامل مبين، وثمرته وافية في حياة الذين تزكوا بتربية النبي عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام؛
الأمر الثاني وهو التدين، أي الالتزام العملي بأحكام الدين وقيمه، وهو متفاوت وعلى قدر اجتهاد المتدينين، أي تمثلهم لمضمون الإيمان وقيامهم بالعمل الصالح، على حسب السعي والاجتهاد.
على هذا الأساس أطلق المجلس العلمي الأعلى مشروعه لتجويد التبليغ، فبدأ بالإعلان عن خطته على أساس ما ذكرناه، وانطلق شرحها وصار يروج على الألسنة الكلام عن مفهوم قرآني لم يكن متداولا عند عامة الناس، وهو مفهوم “الحياة الطيبة”، وأنها:
- وعد مؤكد من الله للإنسان؛
- وأن شرطيها هما الإيمان والعمل الصالح؛
- وأن مقصد الدين في أمر الدنيا يدور حولها؛
- وأن منهج تبليغها النبوي الذي اتسم بمواصفات، أشرنا إليها آنفا، لا بد أن يسعى إلى أن يعتمدها المبلغون والمبلغات في كل زمان ومكان.
يجتهد العلماء والعالمات في هذا الشرح ويسهم فيه جميع القيمين الدينيين وعدد من فضلاء الإعلاميين والإعلاميات.
والمادة التبليغية الأساسية التي أطلقها العلماء في إطار هذا التسديد هي خطب الجمعة التي أراد منها المجلس أن تُشعر بخطته وتبين تأصيلها ومضمونها وأن توجه الناس إلى الحياة الطيبة بشرح الإيمان وبيان مواضيع كبرى للعمل الصالح.
لقد قام بالتشكك في هذه الخطب بعض الناس، وهم رد فعل غير مستغرب، لأنه حتى صدر عن حسن نية فإنه يدخل في ميل الناس إلى إبقاء ما كان على ما كان، فقام المجلس ببيان أنه يقترح هذه الخطب حتى يقتنع بها جميع من يتدبرها ويتحمل مسئوليته من تلكأ في تبليغها، علما بأنه لا يستطيع خطيب أن يدعي حجة لمخالفتها لا شكلا ولا مضمونا، وقصدها مؤصل في القرآن ومبيَّن من طرف علماء الأمة، ولو كان الذي يجوز للخطيب أن يقوله من أعلى منبر المسجد هو ما يعن له من بنات أفكاره لجاز طرح ما سمي ب “ترك الحرية للخطيب”، ولا يخفى عن أحد أن الإمام والخطيب في المغرب ملزمان بالحياد إزاء مختلف الأهواء المخالفة لثوابت الأمة، وإزاء التيارات التي تجتهد في المجالات السياسية والاجتماعية، بمعنى أن مسئولية ما ينبغي أن يجري في المساجد من تبليغ هي مسئولية الجماعة الكبرى التي تحمي دينها الإمامة العظمى. والحمد لله على أن مضمون خطب الجمعة التي تم إلقاؤها في سياق “تسديد التبليغ” لمدة عام كان له صدى عميق ووقع طيب محسوس مشفوع بالاطمئنان إليها لاسيما من جانب تناول المسائل التي تهم سلوك الناس في حياتهم.
أيها السادة، أيتها السيدات،
أتينا بهذا التذكير لنخلص إلى أن شرطي الحياة الطيبة كما شرحته تلك الخطب هو المضمون العملي للتبليغ، وأن القصد هو أن يفهم الناس الإيمان كما شرحته تلك الخطب وأن يستحضروا أهم أبواب العمل الصالح كما وردت فيها، على أساس اعتبارين:
أولهما: أن المبلغين يكونون قد أدوا رسالتهم إذا بلغوا المضمون وتابعوا الناس في حياتهم العملية اليومية بالشرح والتذكير والإقناع؛
ثانيهما: أن من وطَّن نفسه من الناس على التحلي بأوصاف الإيمان كما وقع شرحها وأقبل على العمل الصالح كما تم بيانه، يكون قد تحقق بشرطي الحياة الطيبة، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
فالمفترض في المبلغ أن يكون يقظا فطنا عارفا بالسياقات العامة والخاصة، ومما لا يجوز أن يغيب عن فهمه أن عددا من العوائق الإضافية في السياق العام الحديث قد تُضعف قدرة المتدين على الاتباع، لذلك فالمبلغ مدعو إلى تصحيح النظرة السائدة عند الناس إلى التدين بأنه مجرد جزء من الحياة، أو بأن التدين مطلوب للآخرة دون الحياة الدنيا، والواقع أن نزول الدين هو البرهان على أنه للحياة وأن حسن تدين الناس لا يختلف اثنان على أنه يُصلح الحياة ويَصلح لما بعد الممات، ولا بد هنا من الوقوف على الحكم العام في قول الله تعالى الموجه إلى الناس : “اِنَ اَحْسَنتُمُۥٓ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْۖ وَإِنَ اَسَأْتُمْ فَلَهَاۖ “، وقد خاطب الله عباده في القرآن بما يشجع بعضهم حتى على أن يتصوروا أن يقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لهم، وتدبر هذا المعنى من الآية الكريمة يفيد كثيرا من الناس بأن العمل بالدين يثمر الخير لشخص المتدين، وأن عدم العمل لا يضر الله شيئا وتأتي منه للناس أضرار قد تكون فادحة.
ومما يقوي الوازع، أي القوة النفسية الباطنية التي تردع عن المناكر وتدفع إلى أنواع المعروف، استحضار حقيقة أن الدين كامل وأن العمل به وهو التدين مقبول عند الله على حسب التفاوت في الاجتهاد، مصداقا لقوله تعالى: “ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَ۬لْكِتَٰبَ اَ۬لذِينَ اَ۪صْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَاۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٞ لِّنَفْسِهِۦ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٞ وَمِنْهُمْ سَابِقُۢ بِالْخَيْرَٰتِ“.
أيها السادة، أيتها السيدات،
كل ما ذكرناه في هذه الكلمة، لا يخفى منه عنكم شيء، والمقصود أن يكون مضمون التبليغ معلوما لا عند المبلغين وحدهم بل عند الجميع، عند كل المكلفين من الرجال والنساء، وأن يكون منهج المبلغين، وهم أنتم، هو تبيينه ومتابعة العمل به، وأن يتكرر التذكير به حتى يصبح أمره حاضرا في العقول شاغلا للضمائر، فآية التأصيل في القرآن تذكر الحياة الطيبة وشرطيها الإيمان والعمل الصالح، وعلى أساسها يتدخل العلماء لشرح الإيمان وشرح العمل الصالح، والكلام في الدين وفي تبليغه قابل للاختصار، من ذلك ما يروى عن الإمام الشافعي أنه قال عن سورة العصر: “لو لم ينزل االله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم”، وأوثر عنه أيضا أنه قال عن نفس السورة : “لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم” وأنه قال: “الناس في غفلة عن هذه السورة “.
وذكر الطبراني من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الله بن حِصْن (أبي مدينة) قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله إذا التقيا لم يتفرقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر “سورة العصر” إلى آخرها، ثم يسلم أحدهما على الآخر. وهذا المعنى هو القصد من قولنا إن موضوع التبليغ ينبغي أن يحضر في العقول ويشغل الضمائر، ذلك لأن سورة العصر أجملت مثل آية الحياة الطيبة وتكلمت عن جوهر الدين وهو:
- الإيمان بالله على أساس توحيده، وهو ما ذكرنا أن تمثله والتحلي به ينبغي أن يتحقق بالمقال والحال المثمر للعمل؛
- الالتزام بثمرة الإيمان وهو العمل الصالح كما ورد بيانه في القرآن والسنة؛
- بناء حياة الجماعة على ما يعين على الإيمان والأمن وعلى العمل الصالح وهو التواصي بالحق، أي التعاون عليه بما يقتضيه من الترتيب والتنظيم في الجماعة والأمة؛
- بناء حياة الفرد والأسرة والجماعة والأمة على الصبر لأنه يعين على الحق ويثمر السلام والسكينة والطمأنينة، ولأنه إنفاق وعطاء وقنوت ورحمة.
فللمبلغ أن يحفظ أذهان الناس من التشتت في باب التدين، وأن يسترشد بهذا البيان الموجز فيتوجه إلى الناس على اختلاف مستوياتهم وأقدار عقولهم بما هم قادرون جميعا على فهمه واستيعابه، دون تعقيد أو تشعيب أو تشتيت للذهن، لأن القصد هو الحال المثمر للعمل، وذلك بأن يشرح الأمور الثلاثة التي يتأسس عليها الدين والتدين، وهي:
- الإيمان؛
- القيام بالأركان؛
- العمل الصالح.
أما الإيمان فيتعين على المبلغ أن يشرحه على أنه حال يقظة وذكر، وأنه بعد الشهادة بالقول، هو ما يترتب عن التوحيد من تحرير النفس من الميل إلى أنواع الهوى أي الشهوات، ومنها أنواع الكبر والعدوان على الغير و على حقوقهم، وفي هذا التنبيه على هوى النفس يتم التذكير بما جاء في النفس في القرآن الكريم مثل قوله تعالى: “إِنَّ اَ۬لنَّفْسَ لَأَمَّارَةُۢ بِالسُّوٓءِ الَّا مَا رَحِمَ رَبِّيَۖ” وقوله تعالى: “وَنَفْسٖ وَمَا سَوَّيٰهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَيٰهَا (8) قَدَ اَفْلَحَ مَن زَكَّيٰهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّيٰهَاۖ “، وقوله تعالى: “قَدَ اَفْلَحَ مَن تَزَكّ۪يٰ“، وقوله تعالى: “وَمَنْ يُّوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْمُفْلِحُونَۖ” وقوله تعالى “وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَي اَ۬لنَّفْسَ عَنِ اِ۬لْهَو۪يٰ (39) فَإِنَّ اَ۬لْجَنَّةَ هِيَ اَ۬لْمَأْو۪يٰۖ “، وقوله تعالى: “وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفْسِكَۖ “، وقوله تعالى: “ذَٰلِكَ بِأَنَّ اَ۬للَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً اَنْعَمَهَا عَلَيٰ قَوْمٍ حَتَّيٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ“، وهكذا يتوجب على المبلغ وهو يقرأ القرآن أن يؤهل المبلغين أي جميع المتدينين لاستحضار مفهوم النفس حتى يجعلوها لوامة أي تحاسب نفسها، وهذا الحرص على استحضار دور النفس من المقاربات التربوية لشيوخ التصوف الذين يوجهون إلى الحذر منها ومن ألوان تقلباتها، وبالنسبة للعلماء فينبغي أن يستفيدوا من تجربة الصوفية بخصوص الاجتهاد في اكتساب المناعة ضد النفس الأمارة بالسوء، ويبينوا للناس أن التمرين المؤهل لهذه المناعة هو استحضار حقيقة الحياة ومعناها وأن واهبها هو الله، ويكون هذا الاستحضار بمحاسبة النفس في كل وقت عما يأتيه الشخص وما يذره، وأن يتدبر مثالا على هذا الاستحضار أنه في صلواته الخمس كل يوم يقول “الله أكبر” أي أن الله هو المقدم على كل شيء إذ هو أكبر من كل مخلوق، وعلى ذلك المخلوق المكبِّر مرات في كل صلاة أن يتواضع لله ولا يظن في نفسه ما ليس بحق له من درجة من التأله في التصرف، وأن يعامل نفسه ويعامل غيره بما يرضي الله ويناسب عبوديته له. ذلك لأن الإيمان الحامل لهذا التوحيد فعلا وتحلية، هو مفتاح التدين الحق، وعلى المبلغ أن يقنع المبلغين بأن يجعلوه مفتاح التغيير المفضي إلى الحياة الطيبة، لأن النفس بالمعنى القرآني المذكور هي التي تحكم السلوك، وعلى حسن السلوك تتوقف الحياة الطيبة.
أما الأركان بعد الإيمان وهي الصلاة والزكاة والصيام وحج بيت الله، فهي امتداد لحالة الذكر والحضور الحاصلين بالإيمان، وهي تُصلح حال المتدين في جوانب أراد الله أن يسمو فيها المؤمن فوق جاذبية الخلود إلى الأرض، فلا يمشي مكبا على وجهه بل يمشي سويا على صراط مستقيم. أما المتدين الذي يأتي العبادات الأربع في ظاهرها غافلا عن روحها المزكية لروحه فمعرض لأن يفوته خيرها العظيم، وهذا الأداء للعبادات العاري من الثمرات هو الآفة الكبرى في تدين الأمة، وهو من أوكد الدواعي إلى تسديد التبليغ.
فالصلاة الواجبة خمس مرات في اليوم تأكيد للالتزام بالعبودية ويستوجب الإخلاص فيها ألا يقع المصلي في نسيان ما التزم به فيها فيرتكب من الأعمال بين صلاة وصلاة ما يخالف هذا الالتزام الوارد فيها أمام الله، فمن واجب المبلغ بخصوص الصلاة شرح أمور منها:
- الخشوع الواجب فيها، وأنه جمع الهمة والتحلي بالهيبة التي يقتضيها الوقوف بين يدي الله؛
- ما يتعين من استمرار آثارها بين الصلاة والصلاة بحال المراقبة والمحاسبة؛
- إصلاح التصور الفاسد عند بعض الناس من اعتقاد أن الصلاة تعبد لله، مع الغفلة عن كونها مما يفتقر إليه العبد ولا يحتاج إليه المعبود، إذ هي تأكيد العبودية لله أمام الله وأمام نفس المصلي، فالناس هم الفقراء والله هو الغني؛
- التنبيه على الحرص على الصلاة في وقتها للأسباب التي ذكرنا؛
- التنبيه على الحرص على الصلاة في الجماعة، لا جماعة الأبدان المتجاهلة لبعضها البعض أو المتناكرة، بل الجماعة المتعارفة المتحابة المتعاونة، ومن علامة هذه الضرورة التأكيد على حضور صلاة يوم الجمعة والاستماع إلى الخطبة التي تدخل في تبليغ الدين بالنسبة للبعض والتذكير بالنسبة لآخرين؛ – ومما ينبغي التذكير بأهميته في هذا المجال فضل صلاة الجماعة داخل الأسرة وما تضفيه على حياة الزوجين والأولاد من سمت الروح والرحمة مع ما فيها من مضاعفة الأجر.
أيها السادة، أيتها السيدات،
إن مما يسعى إليه “تسديد التبليغ” حض الأئمة على إحياء “جماعة المسجد”، فهذه الجماعة تتكون، من حيث المبدأ، من جميع المصلين في نطاق المسجد بالقرية أو بحي في المدينة، ولكن قد لا يتأتى لكثير من المصلين حضور كل الصلوات الخمس، إلا ثلة تساعدها ظروفها أو يؤهلها حرصها لتحضر معظم الصلوات الخمس، فهؤلاء يفترض أن يعرفهم الإمام حتى بأسمائهم، ويخاطبهم ويخاطبوه في أمور تتصل باهتمامات الجماعة، فالواجب هو رعاية هذه الجماعة وجعلها النواة الصلبة للعمل من أجل تقويم التدين في بيئة المسجد. ومن نافلة القول التنبيه على أن المساجد لله وأن جماعة المسجد لا يجوز أن يجمعها إلا ما يرضي الله في إطار ثوابت الأمة من جهة العقيدة والمذهب، وعلى الإمام مسئولية خاصة في ما يتعلق بسلامة جماعة المسجد من ألوان الآراء والأهواء.
أما الركن الثالث بعد الإيمان وبعد الصلاة وهو الزكاة، فينتظر أن يحييه تسديد التبليغ انطلاقا من مختلف المنابر داخل المسجد وخارجه. وله أهمية خاصة كبرهان على إصلاح التدين، لأنه عمل ملموس، وهو على نقيض الشح الذي يفسد النفوس. فعلى ضوء الفتوى التي أصدرها المجلس العلمي الأعلى في موضوع الزكاة يتعين على المجالس العلمية المحلية، بتنسيق مع الأئمة والمرشدين والمرشدات، أن يحضوا الناس على إخراج الزكاة، وأن يبينوا للناس أن الزكاة تنفع ماديا من يستحقها شرعا، وتنفع روحيا ودينيا من يخرجها، وتنفع الأمة لما تبث فيها من روح التضامن على أساس الاستجابة لأمر الله. وحيث إن للزكاة هذه المكانة الاقتصادية والاجتماعية والروحية، وحيث إنها في المملكة متروك أمرها لمن تجب عليهم، فإن دور العلماء فيما يتعلق بها هو:
- بيان حكمتها المتعددة الأبعاد، حسب ما أسلفنا؛
- بيان أحكامها؛
- مخاطبة من تجب عليهم في مقاربات حكيمة وبالتي هي أحسن بهدف الحرص على إخراجها في وقتها؛
- ترك الحكم لهم في إعطائها لمن يستحقها؛
- نصحهم بأفضل أوجه يتم فيه صرفها، إذا طلبوا النصيحة؛
- حضهم في جميع الحالات على إيثار صرفها للمستحقين في بيئتهم؛
- قيام المجلس العلمي بتأهيل الأئمة في هذا الموضوع باعتبارهم مقربين من الناس في قراهم وأحيائهم الحضرية؛
- حرص المجالس على موقف التحفظ من أي جهة تخوض في موضوع الزكاة بأي شكل من الأشكال؛
- امتناع العلماء وسائر القيمين الدينيين عن أي شكل من أشكال التوسط المادي بين من يعطون الزكاة وبين من تعطى لهم؛
- التنبيه إلى أنواع من الأموال المكتسبة من أنشطة حديثة في الفلاحة وتربية الحيوانات ومن الخدمات والاستثمارات، وهي مصادر أموال لم يعتد مكتسبوها على إخراج الزكاة فيها.
لقد اقترن الإيمان في القرآن بالعمل الصالح كما اقترن الأمر بإقامة الصلاة بالأمر بإيتاء الزكاة، أي إخراجها ودفعها لمستحقيها؛ لأن العمل الصالح من ثمرات الإيمان كما أن إخراج الزكاة من البراهين على التشبع بروح الصلاة.
إن إخراج الزكاة بتحريض من العلماء في خطة تسديد التبليغ له بعدان:
البعد الأول هو ظهور مدى جدوى تدخل العلماء في هذا الأمر وتحقيق نسبة أعلى فيه بشكل محسوس ومحسوب، فعلى فرض أن قرية من القرى كان فيها إخراج الزكاة بقدر محدود، فإن أي تحسن في هذه النسبة من سنة إلى سنة، بمبادرة العلماء، سيراه الله ورسوله ويظهر وقعه الاجتماعي ودلالته التي لا تخفى أمام الناس؛
البعد الثاني هو أن تنمية إخراج الزكاة في بيئة معينة ستكون له آثار على الفئات المستفيدة، وإذا ظهر ذلك للناس، وهو أمر لا يخفى، فإنه يدخل في صميم إصلاح التدين وفي إبراز دور الدين في حماية الناس من الاحتياج.
أما الركن الرابع، وهو الصيام، فالاجتهاد المنتظر من العلماء في إطار “تسديد التبليغ” ينبغي أن يسير في اتجاهين:
الاتجاه الأول: بيان أن الزكاة تربي النفس من جهة شهوة حب المال، والصيام يحمي النفس من جهة شهوة البطن، لا بقصد الحرمان من الطيبات، بل بغرض التزام الاعتدال؛
الاتجاه الثاني: هو تصحيح المعيش اليومي للناس في شهر رمضان بمقتضى حكمة الصيام، لأن الاحتفال الاجتماعي بشهر الصيام يعبر عن روح التدين لدى الناس، ومن مظاهرها ارتفاع نسبة الإقبال على الصلاة في المساجد في هذا الشهر، ولكن العوائد الاجتماعية السلبية بالنسبة لتلك الروح تبرز في الإسراف في الأكل وفي قلة النوم وفي اتخاذ عذر الصيام للتقليل من الاجتهاد في الأشغال.
أما الركن الخامس، وهو حج بيت الله الحرام، فيتعين في إطار إصلاح التدين أن يعمل المبلغون بصدده في ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: بيان حكمة الحج في ارتباط مع ثلاثة جوانب:
أولا: جانب التلبية لدعوة الله عنوانا لحياة الالتزام الدائم للمؤمن بناء على التوحيد؛
ثانيا: جانب التجرد من المخيط والمحيط وما يرمز إليه ذلك من السمو عن المظاهر المادية للحياة؛
-ثالثا: جانب الانتماء للأمة على أساس التوحيد وعلى أساس قرب الله ممن دعاه؛
أما الاتجاه الثاني فهو: تصحيح حج الناس من جهة شروطه وعلى رأسها الاستطاعة ومراعاة شروط جهات التنظيم، ومن جهة تجنب إفساده بما هو منهي عنه أثناء الحج من الرفث والفسوق والجدال.
الاتجاه الثالث: تأهيل الناس المقبلين على الحج بالدروس التي يلقيها العلماء قبل الذهاب إلى الحج، تأهيلا علميا وعمليا وروحيا، وتوعيتهم بأن الحج ليس كأي سفر سياحي من حيث ما هو مطلوب من المسافر وهو التحلي بالصبر وعدم نسيان القصد ولو لحظة واحدة، وهو رجاء القبول من الله تعالى.
أيها السادة، أيتها السيدات،
يتعين ألا يتوقف دور العلماء في إطار “تسديد التبليغ” على مجرد شرح مضمون الإيمان وكيفية أداء الأركان، بل يتعين التواصل مع الناس في هذا الموضوع وتكرار التذكير به والمذاكرة والإرشاد فيه، حتى يصبح هم كل شخص، وحتى تصبح مفرداته جارية على الألسن، وحتى تغدو الأمثلة العملية على كل جانب منه جزءا من الانشغال الخاص والعام، باعتبار أن الإيمان وبقية الأركان تهيئ النفس للنشاط للعمل الصالح.
أما مواضيع العمل الصالح فقد تحدثت عنها خطب الجمعة المقترحة من المجلس العلمي الأعلى لمدة سنة كاملة، وبدل أن تتركها عامة أو غامضة بين ما هو كلي وما هو جزئي فقد اقترح المجلس عددا منها دون العشرين موضوعا على سبيل الأولوية، الأمر الذي لا يعني أن هذه المواضيع شاملة لكل جوانب العمل الصالح، ولكن اقتراحها كأولويات يساوقه العقل العملي السليم لأن مواضيعها تعتبر مفاتيح الجوانب البارزة في السلوك العام، وفيه ما هو من قبيل المعروف الذي يؤتمر به وما هو من قبيل المنكر الذي ينبغي الانتهاء عنه، وهذه المواضيع هي:
- الحرص على تجنب الكذب بجميع أنواعه؛
- الحرص على اتباع العدل في جميع الأعمال والتصرفات؛
- تجنب الكبر والغرور والاستعلاء في حياة الفرد والجماعة؛
- الحرص على طلب العلم واليقين والتبين في كل الأمور؛
- الحرص على الالتزام بثوابت الأمة، وهي:
- العقيدة الأشعرية؛
- المذهب المالكي في الفقه؛
- السلوك الروحي على طريقة الجنيد؛
- إمارة المؤمنين القائمة على البيعة المتضمنة لكليات الشرع كما صاغها العلماء واستنبطوها من الأصلين، وهي حفظ الدين وحفظ الأنفس وحفظ العقل وحفظ المال وحفظ العرض. وهي مبادئ كبرى تشمل كل ما في الدساتير الحديثة مضافا إلى معنى الحياة المتمثلة في الدين وإلى الحرية التي يقتضيها حكم القرآن بعدم الإكراه في الدين. إن هذه الثوابت هي ضمانة استقرار الأمة وحصنها ضد الفتنة التي تذهب بالدين وبالتدين وباليقين في الحياة، ويتقدمها ويختمها اعتبار أن كل إسهام في الأمن من جميع أنواع الخوف من صميم التعبد والتدين؛
- الحرص على أكل الحلال، بمعنى الإخلاص في العمل المأجور وعدم الغش في الخدمات والمعاملات بجميع أنواعها؛
- الحرص التام على المعاشرة بالمعروف بين الأزواج، فهذا المعروف واجب شرعي، وهو من أوكد العدل، كما أنه مقوّم أساس في سبيل الحياة الطيبة؛
- الحرص على تربية الأولاد منذ نعومة أظفارهم على روح المسئولية في الحياة، بمعنى أن كل أخذ لابد أن يأتي مقابل عطاء، وأن يكون على قدره، وهذا الحرص ليس شدة ولا يتنافى مع محبة الوالدين للأولاد والحنو عليهم؛
- الحرص على الوفاء بجميع أنواع العقود؛
- الحرص على أداء حقوق الغير؛
- الحرص على الالتزام بالقوانين الجاري بها العمل في البلد باعتبارها داخلة في المعروف أي المتفق عليه، لأنها جالبة للمصالح واقية من المفاسد؛
- الحرص على أداء حقوق النفس، ولاسيما بالحرص على الصحة العقلية والبدنية من خلال نظام سليم في التغذية ومن خلال نظام في النوم، ويتعين العمل في الأمرين بما ورد في توجيه السُّنة وبنصائح المختصين؛
- الحرص على تجنب التهلكات، ولاسيما أنواع الإدمان وقد جدت فيها أشكال في عصرنا هذا وتشكو منها جميع الأمم والبلدان:
- الحرص على تجنب كل أنواع الإسراف والتبذير؛
- الحرص على الإنفاق، من كثير ومن قليل، والإنفاق يبدأ من الكلمة الطيبة وتدخل فيه كل أنواع التضحية والتطوع بالوقت والجهد، ويقتضي التدين الصحيح تمرين النفس على نقل اللذة التي تحكم الغرائز من التلذذ بالأخذ إلى التلذذ بالعطاء.
- الحرص على المشاركة في الشأن العام بروح التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وهذا المبدأ يؤسس من منطلق الدين لكل المؤسسات ذات الأهداف الحقوقية والحسبية والجماعية، كمؤسسة البرلمان وما دونه.
أيها السادة، أيتها السيدات،
يتولى المجلس العلمي الأعلى شرح هذه المكونات الثلاثة، الإيمان والأركان والعمل الصالح، ويتولى تنزيلها في حياة الناس قصد الإقناع باتباعها مستعملا كل ما يلزم من أنواع التواصل والتدخلات والوثائق والمتابعة الإعلامية.
ويتوقف هذا التنزيل على الدخول في تجربة غير مسبوقة مستنيرة بالهدي النبوي في الدعوة بالمقال والحال والأسوة والرأفة والرحمة بالمبلغين، ويكون من مواكبة هذا التنزيل أمور منها:
- إشعار كل المعنيين بجلال الموقف المتعلق بتصحيح التدين، مع ما يستوجبه الأمر من تحميل المسئولية أمام الله لجميع من التزم بالانخراط في التبليغ، وفي مقدمتهم رؤساء المجالس العلمية الجهوية ورؤساء المجالس العلمية المحلية وعلماء وعالمات هذه المجالس العلمية والمرشدون والمرشدات والأئمة والخطباء والوعاظ؛
- جعل أمانة تصحيح التدين من خلال خطة “تسديد التبليغ” مدار ميثاق العلماء؛
- جعل موضوع تصحيح التبليغ مدار برنامج التكوين في معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات؛
- التدخل والمتابعة في الميدان انطلاقا من المسجد وبالتواصل الممكن بحكمة في جميع المستويات، ولاسيما الأسرة والمدرسة؛
- شرح الموضوع لجميع الناس وأنه إصلاح التدين من أجل إصلاح الحياة، وأنه موضوع ينبغي أن يكون الهم الأول بالنسبة لجميع مكونات الأمة من أجل أن تتوافق حياتها وعزتها الخلقية مع انتسابها للإسلام؛
- متابعة تواصل العلماء مع مكونات الأمة من مسئولين وفاعلين للحوار معهم حول هذا الموضوع على غرار اللقاء الذي جمع بين العلماء وبين خبراء في التنمية في موضوع وازع السلطان ووازع القرآن، وقد نشرت أعماله مؤخرا ضمن منشورات المجلس العلمي الأعلى؛
- اعتبار مقياس جدوى “تسديد التبليغ” هو انخفاض الكلفة المعنوية والمادية للحياة بالنسبة للأفراد والأسر والجماعات وبالنسبة للبلد ككل، فالثقة بوعد الله بالحياة الطيبة بشرطيها، “الإيمان والعمل الصالح”، هي الزاد الذي يتأتى منه استمداد العزم والبصيرة والتقوى، وفي هذا الباب لابد من استحضار الوعي بأمرين:
أولهما أن بعض العوائد والتصورات في نظام المعيشة السائد والذي تقتدي فيه البلدان بالبلدان الأكثر إنتاجا منها للحاجات المادية، قد لا تعين على التحرر الذي هو المفتاح، تحرر النفس من الأنانية أي من الشهوات والتصورات التي لا علاقة لها بمعنى الحياة الطيبة؛
ثانيهما أن الشيطان لا يرضيه مثل هذا الإصلاح وأنه لا يعدم من يستعملهم في التشويش حتى بمناوشات تستعمل الاحتجاج بفهوم في الدين يغذيها تحريف الغالين أو تأويل الجاهلين أو انتحال المبطلين.
وحيث إن الدعوة السليمة تكون على بصيرة، فإن المبلغ مدعو إلى أن يبين للناس جوهرية الإيمان بالله وبرسوله وأن هذا الإيمان وحده هو المرجع الذي يعطي للحياة معناها في الماضي والحاضر والمستقبل، فمهما تغيرت أحوال الإنسان على أساس الكشوف العلمية والتطورات الفكرية العقلية والحدسية وازدياد معارفه لجسمه ونفسياته ودماغه وتجاربه في ما يخص الأنظمة المقترحة للعيش المشترك، فإن المرجع الثابت والفيصل في الإدراك هو الإيمان بالله وبرسوله والاهتداء بالسلوك الفردي والجماعي الذي نزل به القرآن وشرحته السنة، لأن هذا المصدر وحده يجيب عن سؤال “معنى الحياة”، أما غير المؤمنين ممن لا يلقون سؤال “معنى الحياة” ولا يؤمنون بجواب الدين عنه فتجدهم حسب تعبير القرآن “أَحْرَصَ اَ۬لنَّاسِ عَلَيٰ حَيَوٰةٖۖ “، أما يقين المؤمنين بناء على الإيمان فلا يتنافى مع التعامل النافع مع كل المستجدات مما يبتكره الإنسان من قبيل هذا الورش الكبير المسمى بالذكاء الاصطناعي أو من قبيل هذه الكشوف المتعلقة بالطب ومنها كيفية اشتغال دماغ الإنسان ولاسيما من جهة العلاقة مع أنواع الاستجابة لقواعد السلوك، كل هذه الآيات العلمية التي يفتح الله بها على الإنسان لا ينبغي أن تغره وأن تجعله يطغى وكأنه استغنى، وإنما تستوجب التدبر في ضوء الإيمان ومن منظور أن الاستعباد الذي يهدد الإنسان ويهدد التحرر المتاح له هو عبادة نفسه وعبادة أشيائه ومبتكراته، وإنما التحرر المتاح للإنسان مرتبط بتوحيد الله توحيدا باليقين والحال يثمر تحررا فعليا من عبودية النفس والهوى لاسيما إذا كانت الأشياء والأفكار التي يبتكرها الإنسان تشككه في مبدئه ومصيره ومعنى حياته حتى يقع في الحيرة الكبرى ويُظلم عليه. وأمام غسق الحيرة والهموم فليس للإنسان أن يطلب نور الهداية إلا في الإيمان، لأن المعنى المطلوب التوجيه إليه في خطة “تسديد التبليغ” لا يتغير في مبادئه بتغير العوارض التي تحدث في حياة الإنسان، وعلى سبيل المثال فإن هذه الوسائل التي تيسر التواصل وتسرع به سرعة البرق من أقصى الأرض إلى أقصاها، هذه الوسائل يستخدمها بعض الناس استخداما نافعا في الأمن أو في العلم أو في التجارة، كما يستخدمها آخرون في ترويج الزور وإشاعة الفاحشة، وعسى أن يستعملها العلماء للتعريف بخطتهم إذا كتب الله النجاح، وهكذا شأن جميع الوسائل، فالإنسان هو المخترع وهو المستعمل وهو المرجع، والإنسان إنسانان، مهتد إلى الخير وضال مستعمَل ومستعمِل في الشر.
والجو الذي ينبغي أن يتعين أن يسود بين جميع الناس لتيسير الانخراط في مبادرة إصلاح التدين هو جو الإيمان بوعد الله تعالى، جو الذكر والشكر والصبر في كل لمحة ونفس، جو استحضار المعنى الرباني لهذه الحياة، ولكل شخص عازم جاد أن يجرب هذا المنهج بنفسه، إذا كان غرضه أن يطمئن قلبه، وما ينبغي الحذر منه هو داء العجز والكسل وآفة الخلود إلى الأرض، لذلك ينبغي أن يؤخذ إصلاح التدين على أنه أمر جماعي في منبع البر والتقوى الواجب التعاون عليهما، والله الموفق وهو يهدي إلى سواء السبيل.
أيها السادة، أيتها السيدات،
من حق كل مضطلع بمهمة التبليغ في إطار مبادرة العلماء أن يسأل نفسه: هل أنا مقتنع بوعد الله بالحياة الطيبة بشرطيها، الإيمان والعمل الصالح، لكن، كيف أنزل إلى الميدان في ما عدا إلقاء الخطبة أو الموعظة، لأن الاقتداء بالنهج النبوي في الدعوة مبني على تواصل القرب وعلى المرحمة، الجواب هو حسن الظن بالله وبالناس والمقاربة بالحكمة واستدعاء وازع الخوف من الله والرجاء فيه، واليقين بأن المبلغ إذا دعا لله متبرئا من كل طمع وادعاء لم يخب مسعاه. على أن تجربة النزول إلى الميدان والتواصل في موضوع إصلاح التدين خارج منابر الخطابة والوعظ تجربة يتعين على المجلس العلمي أن يتتبعها ويوجهها على أساس تجارب المتدخلين من علماء وأئمة ومرشدين ومرشدات، وأن يستحضر كل واحد قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم”، فحري بكل مبلغ ومبلغة أن يسأل نفسه في كل يوم أو في كل أسبوع أو في كل شهر هل هدى الله به رجلا أو امرأة فيحمد الله ويجتهد.
وفي الأخير أشير إلى ما تعرفونه من كون البحوث الحديثة، ومن أجل التأثير، تتصدر أو تذيل بكلمات أو عناوين تعد مفاتيح لمضمون ذلك البحث، ومفاتيح كلمتنا هذه أربعة، هي: أولا: تبليغ القرب؛ ثانيا: توحيد الله توحيدا يحرر من عبادة الهوى؛ ثالثا: تزكية النفس بمعنى محاسبتها في كل حين؛ رابعا: اليقين بوعد الله تعالى بالحياة الطيبة بشرطيها وهما الإيمان والعمل الصالح.
أما النص الكامل للكلمة فسيوضع على موقع المجلس العلمي الأعلى وعلى مواقع المجالس العلمية الجهوية والمحلية.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
التسجيل المرئي لكلمة السيد الوزير حول خطة المجلس العلمي الأعلى في تسديد خطة التبليغ
نسخة كلمة السيد الوزير حول خطة المجلس العلمي الأعلى في تسديد خطة التبليغ



