أغلى طلاق بالمغرب حكم استثنائي أم بداية مسار قضائي جديد؟!

11 يناير 2026 09:42
ارتفاع غريب لأعداد حالات الطلاق في المغرب

أغلى طلاق بالمغرب حكم استثنائي أم بداية مسار قضائي جديد؟!

هوية بريس – أحمد السالمي

عندما قضت محكمة مغربية بدفع مبلغ خيالي قدره 72 مليون سنتيم كـ”متعة” في قضية طلاق سكينة بنجلون، انقسم المجتمع بين مرحب بـ”انتصار العدالة الاجتماعية”، ومحذر من “انهيار ثقة الشباب في الزواج”، لكن السؤال الأهم: هل هذه القضية استثناء يرتبط بثروة الزوج وشهرة الزوجة، أم أنها مؤشر على تحول خطير في مسار القضاء المغربي نحو تقدير مبالغ فيه للمتعة والنفقة؟

مدونة الأسرة المغربية (2004) والمعدلة بقانون 70.03، حددت “المتعة” كتعويض يراعي القدرة المالية للزوج ومدة الزواج، لكن المواد 83 و84 و85 منحت القاضي سلطة تقديرية واسعة، هنا تكمن المشكلة؛ فبينما يفترض أن تكون هذه السلطة درعا لحماية الضعفاء، قد تتحول في الممارسة إلى سيف يهدد التوازن الاجتماعي، ففي قضية بنجلون، برر الحكم المبلغ الضخم بثروة الزوج وأسلوب الحياة الفاخر، لكن ماذا عن الحالات العادية؟

المفارقة البارزة أن الأحكام القانونية التي وضعت لحماية المرأة، ومنها تقديرات المتعة والنفقة في مدونة الأسرة، باتت تستخدم اليوم كذريعة للعزوف عن الزواج الرسمي، خاصة في ظل التحولات الديموغرافية العميقة التي كشفتها البيانات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط لعام 2024، فبينما تهدف هذه التشريعات إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، فإنها تتقاطع مع واقع اقتصادي واجتماعي متشابك، حيث تسجل ارتفاعات ملحوظة في معدلات العزوبية وتأخير سن الزواج، إلى جانب تحول في أدوار المرأة داخل الأسرة، ويكشف التقرير عن تحول لافت في نمط الطلاق بين الفئة العمرية 45-49 سنة؛ إذ ارتفعت نسبة الرجال المطلقين من 20.9% عام 2004 إلى 32% عام 2024، بينما انخفضت نسبة النساء في الفئة نفسها من 79.1% إلى 68%، رغم بقائهن الأغلبية.

هذا التحول لا يعكس فقط تغير أنماط العلاقات الأسرية، بل يشير أيضا إلى تحول في الثقافة المجتمعية تجاه الطلاق، حيث أصبحت قرارات إنهاء الزواج أقل تركيزا على الجانب القانوني والمالي، وأكثر ارتباطا بحسابات فردية جديدة، خاصة لدى الجيل الصاعد، وهكذا، تتحول حماية المرأة من مبدأ قانوني إلى عامل يعيد تشكيل خريطة الزواج نفسه، دافعا بعض الأطراف إلى تجنب الإطار الرسمي خوفا من تبعاته المالية والقضائية، بينما تعيد فئات أخرى تعريف مفهوم المسؤولية الأسرية في ظل توازنات جديدة.

المجتمع المغربي، الذي يقدس الزواج كـميثاق غليظ، يجد نفسه أمام معضلة: كيف نوازن بين العدالة للمرأة المطلقة والحماية من الاستغلال؟ فالقضية لم تعد مسألة أرقام، بل أزمة ثقة في مؤسسة الأسرة نفسها.

الحل ليس في إلغاء المتعة، بل في تقييد السلطة التقديرية بمعايير موضوعية مثل: ربط المبلغ بالدخل الفعلي دون مبالغة ولا تفريط في حقوق المرأة، ثم مراعاة السياق الاجتماعي، كما يمكن إلزام القضاة بتعليل الأحكام، بعيدا عن العواطف أو الصورة النمطية للثراء.

إن قضية سكينة بنجلون قد تكون ذروة جبل جليدي، لكنها تكشف تشوها في فهم “العدالة”، فالقضاء، بدل أن يكون جسرا لحماية الأسرة، يتحول في بعض الأحيان إلى فضاء يسمح بتضخيم المطالب المالية، فهل نريد قضاء يعيد تعريف الزواج كـصفقة مالية، أم يحافظ على روحه كشراكة إنسانية؟ الإجابة ستحدد بكل تأكيد مستقبل الأسرة المغربية والمنظومة المجتمعية، قبل أن تحدد مصير الحسابات البنكية!

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
17°
17°
الإثنين
16°
الثلاثاء
15°
الأربعاء
15°
الخميس

كاريكاتير

حديث الصورة