أفراح صغيرة لمن يؤدي

أفراح صغيرة لمن يؤدي
هوية بريس – محمد كرم
أن يصل الاهتمام بكرة القدم إلى ما وصله اليوم، و أن يبلغ بوار الكتب ما بلغه اليوم، فهذا أمر أتفهمه.
و أن تتعطل الدراسة و تتوقف الإدارة و يعلق الإنتاج و تفرغ الشوارع و الأزقة من البشر بسبب مباراة في كرة القدم، فهذا أمر أتفهمه خاصة و أننا هنا بصدد الحديث عن الاستثناء و ليس القاعدة.
و أن تهيمن كرة القدم بشكل مطلق على باقي الرياضات إلى درجة التهام الأنشطة المرتبطة بها لمعظم ما يخصص للقطاع الرياضي من ميزانية، فهذا أمر أتفهمه على اعتبار أن الإثارة التي تخلقها المناورات الكروية غير قابلة للمقارنة مع الأجواء المرافقة لمنافسات حمل الأثقال أو كمال الأجسام مثلا.
و أن يصبح رئيس “الفيفا” بنفس درجة أهمية الأمين العام للأمم المتحدة، و أن يخصص له استقبال الملوك و رؤساء الدول أينما حل و ارتحل، فهذا أمر أتفهمه.
و أن تعادل مداخيل لاعب كبير واحد ميزانية بلدية محترمة، و أن توضع أمام وجهه عشرات الكاميرات و أمام فمه عشرات الميكروفونات لا لشيء سوى لإطلاع الجمهور على ملابسات إضاعته لإحدى الركلات الترجيحية، فهذا أمر أتفهمه.
وأن تحلق أمة بأكملها في العلياء فرحا بتلقيها خبر الموافقة على احتضانها لحدث دولي محترم من حجم “مونديال كرة القدم” أو “كأس أفريقيا للأمم” أو “كوبا أمريكا”، و أن تعتبر نفسها محظوظة بسبب ما يعنيه ذلك من تشريف لها و اعتراف بمكانتها بين الأمم، فهذا أمر أتفهمه.
و أن تتجند الدولة التي رسا عليها الاختيار بمعظم مؤسساتها لتنظيم هذا الحدث بكل تفاصيله المالية و اللوجستية و الإدارية و التقنية و الأمنية و الإعلامية و الرياضية و حتى التنشيطية و لو على حساب أولويات أخرى، فهذا أمر أتفهمه.
و أن يكون المحتضنون على قناعة تامة بأن هذه فرصة إضافية ثمينة لتلميع صورة الوطن في عيون العالم و لتسويق رصيده الثقافي و الحضاري، فهذا أمر أتفهمه.
و أن يجتهد المنظرون في إفهام الناس بأن للساحرة المستديرة دورا في تعزيز رمزية التلاحم بين أفراد الشعب و منتخبهم الوطني، و بأنها أضحت رافعة من رافعات التنمية الشاملة و جسرا سحريا ما فتئ يقرب الشعوب من بعضها البعض، و بأن دحرجتها و الجري وراءها من شأنهما تعزيز سبل التعاون الدولي و إرساء قواعد السلم و المحبة بالقارات الخمس، فهذا أمر أتفهمه.
و أن تصرف أموال عمومية طائلة على التنفيذ و التسيير و على بناء ملاعب جديدة و تأهيل ملاعب قائمة إضافة إلى إحداث بنيات تحتية أخرى ذات الصلة، فهذا أمر أتفهمه خاصة إذا ما علمنا بأن كل ما تم تشييده أو هو في طور التشييد سيشكل لا محالة إرثا ماديا لا يستهان به للأجيال القادمة.
و أن تصل أثمان تذاكر ولوج الملاعب المحتضنة للمباريات المبرمجة إلى مستويات خيالية أحيانا، فهذا أمر أتفهمه على اعتبار أن ثمة دائما جيوبا قادرة على مواجهة هذه التكاليف ما يفسر الحضور المكثف للجماهير في الكثير من المقابلات.
و أن يطلب من الشعوب المضيفة بكل فئاتها بأن تساعد على إنجاح الدورة من ساعة الترحيب بالمشاركين و الزوار إلى حين توديعهم، فهذا أمر محمود و معقول و أتفهمه.
لكن ما لن أتفهمه و لن أفهمه و لن أستسيغه و لن أتقبله ما حييت هو حرمان أفراد الطبقات الفقيرة و المعوزة من إمكانية متابعة المباريات ببيوتهم دون قيد أو شرط كما كان عليه الأمر في السابق.
أليس من الظلم أن نهيئهم للتظاهرات الكبيرة ثم نخذلهم في آخر لحظة بأن نبين لهم بأن المشاهدة حكر على من يدفع فقط بطريقة أو بأخرى ؟ هل هذا هو جزاؤهم بعد سنوات من الانتظار ؟
هل يعقل أن نمنعهم من الانغماس كليا في الأعراس الكروية و خاصة عندما تقام هذه الأعراس على أرضهم ؟
بأي منطق نحجب عنهم صور المقابلات ـ بما فيها المقابلات التي تكون فيها منتخباتهم الوطنية طرفا ـ و نجعلهم يكتفون بمتابعة تغطية إعلامية فضفاضة لا تسمن و لا تغني من جوع أو نقترح عليهم جلسات شفوية مرتبطة بالحدث غالبا ما يؤمن تنشيطها محللون لا يجيدون غير شرح الواضحات ؟
هل من المستساغ أن تكون من بين المدعوين إلى حفل زفاف لكن يحظر عليك الاستماع إلى الموسيقى و لمس الحلويات و المأكولات و المشروبات … وربما حتى النظر إلى وجه العروس ؟؟؟
هل لكل شرائح المجتمع القدرة على مواجهة تكاليف الاشتراك في خدمات البث التلفزيوني المؤدى عنها أو على الأقل القدرة المادية على متابعة المباريات بالمقاهي أو من خلال شاشة الهاتف المحمول ؟
و هل للجماعات الحضرية و القروية القدرة على إقامة “فان زون” في نهاية كل شارع أو في قلب كل قرية ؟ و حتى إذا ما كان هذا ممكنا هل للجميع الاستعداد البدني لمتابعة المباريات في وضعية وقوف ؟
و لكم طبعا أن تتصوروا ما يخالج صدور الكثيرين من أحاسيس عندما يعلمون بأنه في الوقت الذي يسبح فيه المحظوظون في أجواء الإثارة الحقيقية و في ظروف مريحة لا تجد القنوات الرياضية البائسة ما تقدمه لهم غير لقطات جد محدودة من نزالات انتهت و نشرت نتائجها سلفا أو تسجيلات قديمة و بلا معنى لمباريات في كرة السلة أو كرة الماء أو لمسابقات في المسايفة أو الجيدو !!!!!
المشهد العام ينطوي على الكثير من الغبن و ذلك منذ أن طفت إلى السطح في تسعينيات القرن الماضي (مع “الجزيرة الرياضية” بمنطقتنا على الأقل) فكرة بيع المباريات إلى جهة أو جهات ناقلة بإمكانيات مالية ضخمة على أن تتولى هذه الجهات مهمة بثها بوسائل جد متطورة على مختلف أنواع الشاشات المتوفرة اليوم و ذلك مقابل اشتراك منتظم من غير المضمون انخراط الجميع فيه، و هذا إجراء إقصائي صارخ كان له ما بعده.
هكذا إذن سرقت العديد من الاتحادات الكروية الوطنية و القارية الفرحة من وجوه عشاق الكرة البسطاء موقعة بذلك على سقوط إنساني مدو و ارتماء غير مبرر في أحضان الرأسمالية المتوحشة بعدما نجحت و لمدة طويلة في تبني سياسة ديمقراطية و اشتراكية بأن جعلت التقاط المباريات على شاشة التلفزيون في متناول الجميع مع التعويل في تغطية نفقاتها في المقام الأول على الدعم العمومي الوطني أو الدولي و إيرادات شبابيك التذاكر و الدعاية التجارية لعشرات السلع و الخدمات. حتى جهاز “الفيفا” لم يتردد في الانضمام إلى هذه الصفقة اللا أخلاقية. ففي عرف القائمين على شؤونه الاستجابة لمطامع المتاجرين بالأفراح أكثر مردودية من إسعاد ذوي الدخل المحدود علما بأنه ليس في حاجة إلى تبني هذا الخيار اللا شعبي لكي يستمر في الوجود.
الكل اليوم في انتظار انطلاق صافرة “مونديال 2026″، لكن هل سيكون للفقراء نصيب من أفراحه ؟ أستبعد ذلك، و أقصى ما يمكن توقعه ـ كما جرت العادة ـ هو إقدام البلدان المشاركة على شراء حقوق بث مباريات منتخباتها الوطنية فقط … اللهم إلا إذا ضغطت حكومات العالم على إمبراطورية إنفانتينو حتى تعود إلى رشدها و تضع بالتالي حدا لهذه المهزلة التي لا شيء يثبت دورها في تطوير كرة القدم كرياضة.
بهذه الكيفية إذن تحولت معبودة الجماهير إلى “بيزنس” في “بيزنس” و لا شيء غير “البيزنس”… و لولا الألطاف الإلاهية لحرم الكثير من المغاربة من أفراح “كان 2025″، ذلك أن قرار شروع “الرياضية الأرضية” المغربية في بث ما تبقى من مباريات لم يصدر إلا بعد انطلاق منافسات الدورة التي سبق الإعلان عن بيع حقوق بثها لجهة ناقلة معروفة و بشكل حصري.
إضافة ختامية : قام أحد صناع المحتوى قبل مدة بإنجاز شريط فيديو في غاية الظرف و السخرية و الذكاء أظهر من خلاله حديقة افتراضية مجهزة بمجموعة من الكراسي الطويلة الثابتة و الافتراضية أيضا. المثير للانتباه أن سطح كل كرسي مزود بمسامير برؤوس علوية حادة و بالتالي لا يمكن الجلوس عليها من أجل الاسترخاء و الاستمتاع بمكونات الحديقة إلا بعد اختفاء المسامير و هو الأمر الذي لا يتأتى إلا بعد إقحام قطعة نقدية بثقب بآلة مثبتة بجانب كل كرسي !!!!
و شخصيا لا أستبعد، إذا ما استمرت هذه المقاربة في التجذر و اتسع نطاق تطبيقها، أن تعمد بعض الدول مستقبلا إلى بيع الأوكسجين المتضمن في الهواء إلى شركة أو شركات متخصصة على أن تقوم هذه الأخيرة ببيعه للناس.
إنها مقاربة الرأسمالية و الرأسماليين لكل ما هو مجاني.



