إدراج الأدب الأمازيغي المغربي مكان الأدب العربي: بين العقلانية والشعبوية

إدراج الأدب الأمازيغي المغربي مكان الأدب العربي: بين العقلانية والشعبوية
هوية بريس – عبد الإله الرضواني
تتناول هذه المقالة دعوة الأستاذ المحامي الحبيب حاجي إلى استبدال الأدب العربي بالأدب الأمازيغي في المقررات الدراسية بالمغرب، وتخلص إلى أن هذه الدعوة تفتقر إلى القيمة السياسية والعلمية، لأنها خطاب عاطفي شعبوي يبسط قضايا معقدة ويحوّلها إلى شعارات جاهزة، متجاهلًا معطيات التاريخ التي تُظهر أن الأمازيغ أنفسهم اختاروا العربية لغةً للتدوين والسياسة والدين لأسباب تاريخية وبراغماتية، فضلًا عن غياب تعريف دقيق لما يسمى «الأدب الأمازيغي».
قبل الخوض في التفاصيل التاريخية والمنهجية، لا أشك في وعي الأستاذ الحبيب حاجي بأن طرحه هذا غير متماسك لا تاريخيًا ولا أكاديميًا، وأن الغاية الحقيقية منه ليست الإصلاح التربوي أو النقد العلمي بقدر ما هي تحريك السجال الإعلامي وإثارة الانتباه؛ ومع ذلك، فإن مجرد تقديم هذا الطرح كما لو كان قائمًا على أسس عقلانية يفرض إخضاعه لنقاش وتحليل رصينين.
يثير تصريح الحاجي الداعي إلى تعويض الأدب العربي بالأمازيغي في المناهج دهشة المتابع، لا بسبب حدته الخطابية، بل لأنه يكشف خللًا عميقًا في فهم طبيعة اللغة والأدب؛ إذ يظل السؤال الجوهري مطروحًا: ما المقصود تحديدًا بـ«الأدب الأمازيغي»؟ وبأية لغة كُتب؟ ما دامت هذه الأسئلة بلا جواب واضح، تبقى الدعوة بلا سند معرفي، أقرب إلى شعارات هوياتية منها إلى موقف نقدي أكاديمي.
لقد كان استعمال العربية في مجالات الأدب والسياسة والدين خيارًا واعيًا اتخذته النخب الأمازيغية في المغرب منذ قيام أول دولة مركزية، كما سبق أن استعملت اللاتينية في مراحل تاريخية أقدم، لأن هذه اللغات كانت وسائط فعالة لنقل المعارف الدينية والسياسية والعلمية وتنظيم شؤون الحكم، بينما لم تكن الأمازيغية قد تطورت، آنذاك، إلى لغة موحدة صالحة للتدوين العلمي والأدبي على نطاق واسع؛ ومن ثمّ فإن تصوير هذا الاختيار على أنه استلاب لغوي يفتقر إلى الأساس التاريخي، ويتجاهل فاعلية الأمازيغ أنفسهم في صياغة خياراتهم اللغوية وبناء سلطتهم الثقافية والسياسية.
ومن منظور أدبي أوسع، يعكس الأدب دائمًا البيئة التي ينشأ فيها الكاتب، ويتفاعل في الوقت نفسه مع آداب وثقافات أخرى، يأخذ منها ويؤثر فيها؛ ويكفي، في هذا السياق، استحضار تجربة الراحل محمد شكري، وخاصة روايته «الخبز الحافي»، التي تعد من أكثر النصوص التصاقًا بالهامش الاجتماعي في شمال المغرب. فهذا العمل يستمد مادته الأساسية من واقع أمازيغي–ريفي في جانب مهم منه، على مستوى أنماط العيش واللغة الشفوية والبنيات الاجتماعية والذاكرة الجماعية، ومع ذلك فقد كُتب بالعربية، لا بوصفها نقيضًا لتلك البيئة، بل كأداة تعبير مكّنت تلك التجربة المحلية من الانتقال من فضاء الشفهي الضيق إلى أفق أدبي رحب.
تكشف هذه التجربة أن اللغة في الأدب ليست مرآة إثنية ثابتة، بل وسيلة جمالية ومعرفية يعيد الكاتب من خلالها تشكيل تجربته؛ فلم يتخلَّ محمد شكري عن محيطه الثقافي بكتابته بالعربية، ولم يفقد نصه جذوره المحلية، بل إن العربية أتاحت له تحويل تجربة هامشية مخصوصة إلى عمل قابل للتلقي على المستوى الوطني والعالمي، وهو ما يفند الأطروحات التي تفترض أن الكتابة بالعربية تعني بالضرورة قطيعة مع البيئة الأمازيغية أو خضوعًا لهيمنة ثقافية خارجية.
من منظور نظرية الأدب، تمثل تجربة شكري نموذجًا دالًا على أن الهوية الأدبية تُبنى داخل النص عبر التخييل وبنية السرد وزاوية الرؤية، لا عبر لغة الكتابة وحدها؛ فقد يستمد الكاتب مادته من سياق لغوي وثقافي معين، ويختار لغة أخرى للتدوين من غير أن يفقد نصه صدقيته أو انتماءه. لذلك فإن حصر النقاش في ثنائية حادة: أمازيغي/عربي، تبسيط مخلّ لتجربة أدبية تثبت أن التعدد اللغوي في الكتابة ليس إنكارًا للهوية، بل أحد أشكال تعقيدها وإغنائها.
انطلاقًا من هذا التصور، يمكن القول إن الأدب المغربي، في ضوء تاريخه وتشكل فضائه، أدب ذو جذور أمازيغية–عربية مكتوب في الغالب بالعربية، ومتفاعل مع التجارب الأدبية والحضارية العالمية؛ وهذا التداخل هو مصدر غناه وعمقه، ولا يمكن تجاوزه أو محوه بمجرد مشروع استبدال لغوي.
مع ذلك، يواصل الخطاب الداعي إلى الإلغاء تجاهل هذا الواقع التاريخي والأدبي، متغافلًا أن المبادرة اللغوية والسياسية كانت، في كثير من اللحظات، بيد الأمازيغ أنفسهم، وأن اعتماد العربية كان جزءًا من مشروعهم الحضاري لا سلاحًا ضدهم؛ ومن ثَمّ ينزلق هذا الخطاب إلى الشعبوية، أي إلى خطاب يستسهل القضايا المركبة ويستعيض عن التحليل التاريخي والمنهجي بانطباعات وشعارات، كما لو أن قضايا اللغة والهوية يمكن أن تُحسم بمنطق النقاشات اليومية العابرة في المقاهي.
وتبرز هشاشة هذا الطرح أكثر عند الحديث عن «الأدب الأمازيغي» ككتلة جاهزة قابلة لأن تحل محل الأدب العربي في المدارس؛ فالأمازيغية لغة حديثة العهد بالدسترة والمؤسسة التعليمية، وما تزال في بداية مسار طويل من التقعيد والضبط، والأدب المكتوب بها يوجد في مرحلة تأسيسية تحتاج إلى عقود من العمل حتى تتوافر لها مقومات الإنتاج الأدبي والعلمي المستدام. فلا نكاد نجد حقلًا نقديًا راسخًا، ولا منظومة نشر وتوزيع واسعة، ولا مؤسسات ثقافية متخصصة قادرة على دعم هذا الأدب وتوسيعه، كما أن آليات تداوله ما تزال محدودة ولا توفر له بعدُ أفقًا معرفيًا عالميا.
كل هذه المعطيات تجعل من الدعوة إلى استبدال الأدب العربي بالأمازيغي في المقررات دعوة غير واقعية لا تاريخيًا ولا أكاديميًا، لأنها تقوم على شعارات هوياتية أكثر مما تقوم على مشروع معرفي أو تربوي متكامل. فإذا كان الهدف هو توسيع تمثيل الثقافة الأمازيغية والاعتراف بالتعدد اللغوي، فإن المقاربة العقلانية لا تمر عبر منطق الإقصاء والإحلال، بل عبر منطق الإدماج والتراكم؛ فالمطلوب ليس إلغاء الأدب العربي، أو حتى الفرنسي، بل المطالبة بإدراج ما تيسر من الأدب الأمازيغي، متى استوفى شروطه العلمية، إلى جانب الأدب العربي لا على أنقاضه.
إن إدماج الأدب الأمازيغي في المناهج، وفق معايير واضحة للتدوين وضبط اللغة واختيار النصوص وبناء حقل نقدي مرافق، يمكن أن يشكل مسارًا بنائيًا يثري خبرة المتعلم ويوسع أفقه الثقافي، من دون أن يحول المدرسة إلى ساحة صراع هوياتي مغلق؛ أما منطق التعويض فينتمي إلى رؤية إقصائية صفرية تفترض أن الاعتراف لا يتحقق إلا على حساب الآخر، وهي رؤية لا سند لها في نظريات التربية الحديثة ولا في فلسفات التعدد الثقافي.
وعليه، فإن المطلب المعقول ليس محو تراث أدبي راسخ ومؤسس، بل فتح المجال لتعبيرات أدبية أخرى كي تجد مكانها الطبيعي داخل المنظومة التعليمية متى استوفت شروطها المعرفية والبيداغوجية؛ فالتعدد يبنى على التراكم لا على القطيعة، ويُدار بالسياسات والمعايير لا بالشعارات.
استنادًا إلى ما سبق، تظهر دعوة الأستاذ حاجي بوصفها تعبيرًا عن خطاب شعبوي عاطفي يفتقر إلى الأسس التاريخية والمعرفية، ويحيل نقاشًا شديد التعقيد إلى شعارات رمزية لا أثر لها في الواقع التربوي أو في مسار تطوير اللغة الأمازيغية؛ فالارتقاء بهذه اللغة إلى مستوى إنتاج الأدب والعلم يتطلب عقودًا من العمل المؤسسي والبحثي الجاد. وبدل هذه الخرجات الخطابية التي تخاطب العاطفة أكثر مما تخاطب العقل، يمكن للأستاذ حاجي وغيره من الفاعلين أن يسهموا فعليًا في ترسيخ الأمازيغية عبر مبادرات عملية، من قبيل ترجمة بعض المقررات القانونية إلى هذه اللغة وتوسيع حضورها في الإدارة والتعليم، وهي إسهامات ملموسة في توسيع مجال استعمال الأمازيغية وتعزيز مكانتها، بدل الاكتفاء بشعارات نظرية لا تغير شيئًا في خرائط المعرفة أو السياسة اللغوية.



