إقامة الصفا ببرشيد: حين يختبئ الاستبداد العقاري خلف عباءة السلامة العمومية

إقامة الصفا ببرشيد: حين يختبئ الاستبداد العقاري خلف عباءة السلامة العمومية
هوية بريس – الخامس غفير
أقدمت السلطات المحلية بمدينة برشيد على إلزام ساكنة “إقامة الصفا” بالإخلاء الفوري، بعد معاينة شقوق خطيرة على مستوى الأساسات والهيكل االسفلي للعمارة التي تقطن بها حوالي 40 أسرة. وقد استنكرت العائلات هذا القرار المفاجئ، محملة المسؤولية لجميع المتدخلين في منظومة التعمير، في عملية لم تراعِ الهشاشة الاجتماعية للساكنة، ولم تستحضر موجة البرد القارس التي تمر بها المدينة، ولا الحالة النفسية للأطفال المتمدرسين المقبلين على الامتحانات الإشهادية.
لا يمكن لعاقل أن ينكر أولوية السلامة الجسدية، لكن السؤال الجوهري الذي يطرحه الجميع هو: من يتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن هذا الوضع؟
إن المعطيات الميدانية تؤكد أن هذا الوضع ليس طارئاً؛ فقد سبق للساكنة، عبر هيئات المجتمع المدني (جمعية نسيم برشيد الرياضي والثقافي)، أن نبهت الجهات المعنية بشكايات رسمية حول تضرر “شبكة الصرف الصحي” والفيضانات المتكررة بقبو العمارات القريبة من “المطحنة”. وحسب تصريحات الساكنة، فقد حلت لجان مختصة سابقاً وطمأنت المواطنين بصلاحية البناية للسكن، وهو ما يطرح علامة استفهام كبرى حول مصداقية تلك التقارير التقنية.
إن اتخاذ قرار الإخلاء الفوري يستوجب مقاربة القضية من ثلاث زوايا سوسيولوجية وقانونية:
أولاً: مرحلة ما قبل الإخلاء (الوقاية والرقابة): كان لزاماً على السلطات تفعيل صلاحياتها الرقابية منذ سنوات، خاصة أن المراسلات مؤرخة في 10 دجنبر 2024، والوضع متدهور منذ سنوات (2009-2010). فأين هي تقارير اللجان التي عاينت الشقوق سابقاً وقدمت تطمينات للساكنة؟
ثانياً: مرحلة الإعلام بالإخلاء (المواكبة الاجتماعية): لم تراعِ الجهات المعنية توفير بدائل سكنية أو مساعدات مادية للأسر المعوزة التي لا تقوى على تحمل عبء “السومة الكرائية” المرتفعة، خاصة في ظل ندرة شقق الكراء بالمدينة.
ثالثاً: ما بعد الإخلاء (التبعات المادية والقانونية): وهي “ثالثة الأثافي”؛ حيث وجدت الأسر -وأغلبها من ذوي الدخل المحدود- نفسها بين مطرقة سداد الأقساط البنكية لشقق لم تعد صالحة للسكن، وسندان واجبات الكراء الجديد.
إن المتابع الحصيف لهذا الملف من إعلام محلي و فعاليات المجتمع المدني والهيئات الحقوقية و النقابية والسياسية، ووكذا المتضررين و المتضررات من هذه المعاناة من ساكنة الصفا لا يسعه إلا أن يرجع تحديد المسؤوليات إلى الجهات المعنية التالية :
السلطات المحلية وعمالة الإقليم: تتحمل المسؤولية في إطار “استمرارية المرفق العام” والتقصير في تتبع الشكايات السابقة، مما فاقم الأزمة.
الوكالة الحضرية والمجلس الجماعي: بصفتهما المسؤولين عن دراسة مشاريع التعمير ومنح رخص البناء والسكن (Permis d’habiter)، ومدى احترام التصاميم والضوابط التقنية للتربة.
المقاول والمنعش العقاري: تقع عليه “المسؤولية المدنية والتعاقدية”، خاصة فيما يتعلق بضمان العيوب الخفية وجودة البناء، حيث لا يعقل أن تتهالك عمارة في أقل من 20 سنة. إن الواجب القانوني يستوجب استدعاء المستثمر لتعويض الساكنة عن الضررين المادي والمعنوي.
ختاماً؛ إن ساكنة “الصفا” وهي اليوم في مواجهة “تشريد مقنّع” تحت مسمى السلامة. إنهم بحاجة إلى حلول مستعجلة تنقذ أطفالهم من الضياع في هذا الجو القارس. وما هذا المشهد إلا جزء من معاناة أوسع تعيشها أحياء أخرى وفئات هشة ببرشيد، مما يستوجب فتح تحقيق نزيه يربط المسؤولية بالمحاسبة. كما لا يسعنا إلا نقول أمام هذه الصورة الأليمة، بما في ذلك من شعور حزين الذي ظهر على تقاسيم الوجوه التي توحي بألم الفقد لبيوت كدّت و تعبت من أجل شرائه، أضف إلى ذلك المشهد الذي يدمي القلب، بما فيه من دموع مكتومة، مرآةً لسياسةٍ لا تراعي في فقيرٍ ولا في صاحب دخلٍ بسيطٍ ذمة، تماماً كما حدث مع الباعة المتجولين وهدم الأسواق النموذجية؛ وكأن قَدَر الضعفاء في هذا الوطن أن يظلوا دائماً.. تحت سلطة الألم …وبين وجع الفقد…وجفاء المسؤول.



