إلى كل أُمٍّ تعاني من قلة الامتنان حولها

17 يناير 2026 00:42
أسرة مغربية

هوية بريس – إحسان الفقيه

إلى كل أُمٍّ وضعت رأسها على الوسادة وهي غاضبة من التمرد والانفلات وقلة الامتنان حولها، وأقسمت في سرّها أنّ الصباح التالي سيشهد انقلابا تاريخيا يعصف بمن في البيت كله..

كأن تعلن تقديم استقالتها من منصب:
“التي تتحمّل كل شيء”

وتقاعدها من وظيفة:
“التي تُصلِح أي خلل”،

مع تنازلها عن كلّ مستحقّاتها من الاعتذار والتفسير والاحتواء…

ثمّ رسمت في خيالها حياة بديلة:
– غرفة خشبية صغيرة فوق قمة جبل

لا صوت فيها إلا الرياح المُحملة برائحة البحر ونقر المطر
ولا مسؤولية فيها إلا أن تنام كما تنام البشر…

لكنّها حين أشرق النهار، وجدت قدميها تحملانها تلقائيا إلى المطبخ، كأنّ الأمومة ليست قرارا يُؤخذ، بل قدرا يُوقَّع كل يوم من جديد بمجرد إشراقة العينين ..

وكأنّها تقول بلسان حالها: “سأعتزل العالم”… ثم تعود لتصنع للعالم فطوره..
وإلى كل أُمٍّ قرّرت أن الغد لها… لها وحدها.

يومٌ بلا طلبات، بلا نداءات من خلف الأبواب، بلا “ماما” تُسقط تعبها على كتفيها كأنّ كتفيها خُلِقا للنجاة فقط.

قالت: سأذهب للتسوّق، سأشتري ما ينقصني، سأستعيد شيئًا منّي سأصفف شعري وأنفق مدخراتي على رفاهيتي..

ثم عادت مُحمّلة بأكياس كثيرة…لا تحتوي ما يشبه احتياجاتها بشيء.
أكياس لهم كُلهم بمعزل عن الكسول فيهم والشقي!

لا تعرف كيف تسلّلوا إلى قائمة رغباتها، وكيف صار قلبها عربة تسوّقٍ تمتلئ بما ينقصهم هم…
حتى وهي تحاول أن “تختار نفسها”، تختارهم…
كأنّ الأمومة يدٌ خفيّة تعيد ترتيب الأولويات دون استئذان.
وإلى كل أُمٍّ رفعت في داخلها لافتة صارمة:
“ويلٌ وثبور… وحسابٌ عسير!”

لتأخيرٍ لا مبرّر له، أو لهاتفٍ مغلقٍ كأنه أغلق معها طمأنينة الدنيا…
ثم ما إن جاءها أول حرف… أول كلمة… أول علامة حياة…
حتى ذابت كلُّ محاكمها الداخلية دفعة واحدة،
ووجدت نفسها تتمتم: “الحمد لله”…

وتسكب حبًّا غزيرًا لا يليق بمن كان قبل لحظةٍ يتوعّد بالعقوبات.
حبًّا يأتيها فجأة كالمطر، ويغرقها بالبكاء والقبل،
ولا تدري من أين هاجمها… ولا كيف انتصر بهذه السرعة.

الأمُّ ليست امرأةً “تسامح” فحسب…
الأمُّ دولة كاملة عادلة تُدار بالحنان رغم الإنهاك،
وقلبٌ يعلن العصيان في الليل… ثم يوقّع مع الفجر اتفاق سلام.

الأم ليست خبزًا وقهوةً ولمسةً وذكريات فقط…
إنها المعنى الذي يجعل العالم قابلًا للاحتمال.
سلامٌ من الله عليكِ…

يا من تُصلحيننا كلّ يومٍ وأنتِ بحاجةٍ لمن يُصلح تعبك.

يا من تُطفئين حرائقنا وتنسين أن في صدرك ألف حريق من التوجس والقلق..

سلامٌ عليكِ في لحظة ضعفك، وفي قسوتك المنقوصة التمام ..

وفي وعدك بالانسحاب الذي ينتهي دائما… بوجبة إفطار شهي يُراعي ذائقة من تعيشين من أجلهم..

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
10°
13°
أحد
14°
الإثنين
14°
الثلاثاء
16°
الأربعاء

كاريكاتير

حديث الصورة