الخطبة الموحدة خارج الحدث.. صمت رسمي عن الفيضانات والتهجير ومعاناة المغاربة

الخطبة الموحدة خارج الحدث.. صمت رسمي عن الفيضانات والتهجير ومعاناة المغاربة
هوية بريس – عابد عبد المنعم
في حدث تاريخي بارز، عرفت فيه مناطق واسعة من المغرب فيضانات غير مسبوقة، وأكبر عملية تهجير في تاريخ المغرب الحديث، ومعاناة إنسانية قاسية، كان المنتظر من الخطاب الديني الرسمي أن يكون عند الحدث، لا من باب السياسة، بل من صميم وظيفته الشرعية والتربوية المتمثلة في تثبيت الناس، ربط الحدث بسنة الابتلاء، وإحياء معاني الصبر والتراحم والتآزر والمسؤولية والأخذ بالأسباب، وتذكير القلوب بأن ما يقع ليس خارج قدر الله ولا خارج حكمة الابتلاء.
غير أن ما صدر عن وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية في خطبة الجمعة ليوم 17 شعبان 1447 هـ الموافق لـ 06 فبراير 2026م، لم يتجاوز فقرة عابرة، أقرب إلى خبر إداري منها إلى خطاب ديني موجه، اكتفت فيها الوزارة بالحديث عن أمطار الخير، والتعبئة العامة، والدعاء باللطف، دون الغوص في عمق الجرح، ولا في حجم الفاجعة والمعاناة، ولا في الأثر النفسي والاجتماعي لما تعيشه أسر فقدت بيوتها وأمنتها واستقرارها على بعد أيام معدودة من شهر رمضان.
هذا الغياب لا يمكن اعتباره تفصيلا عابرا، بل هو مؤشر مقلق على انفصال المنبر عن واقع المؤمنين والمؤمنات، وعن الأحداث الكبرى التي تمس حياتهم بشكل مباشر. فالمنبر ليس نشرة أخبار يكرر الصيغ الجاهزة ويغض الطرف عن الألم حين يكون في ذروته. والتاريخ الديني للمغرب، كما السيرة النبوية، يؤكدان أن الكلمة كانت دائما جزء من المواجهة وتقديم الدعم النفسي والإيماني وسط المحنة.
المفارقة الصادمة، والتي أثارت المتابعين والمعلقين استحضارهم لسرعة تفاعل الوزارة مع حدث رياضي ترفيهي سابق، تمثل في تهنئة المنتخب الوطني للشباب، مع اجتهاد فقهي وتربوي واسع لربط الفوز بقيم الاحسان والاتقان، والاستدلال بالقرآن، وصياغة خطاب ديني كامل حول الانجاز والفرح.
وهنا من حق أي كان أن يتساءل: لماذا يجد المنبر مخرجا شرعيا واسعا للفرجة، ويضيق الأمر به حين يتعلق الأمر بالجد والابتلاء والمعاناة؟ ولماذا يكون الخطاب الديني حاضرا بقوة حين يتعلق الأمر بالمتعة وغائبا حين يتعلق الأمر بهموم المغاربة والأحداث الوطنية والدولية الكبرى؟
حين يعجز المنبر عن مواكبة الأحداث الجِسام، وعن مرافقة الناس في محنهم الكبرى، فإنه لا يخسر حضوره فقط، بل يتآكل رصيده الرمزي وتُصاب شرعيته المعنوية في الصميم.
فالخطبة التي تنفصل عن نبض المجتمع تتحول، مهما حسنت ألفاظها، واجتهد كاتبُها في سبك عباراتها، إلى خطاب رسمي بارد، وموعظة مؤطرة بلا أثر في القلوب ولا في السلوك. وما تعرفه مناطق الغرب والشمال ووسط المملكة اليوم ليس حدثا عابرا، بل لحظة كاشفة، وامتحان حقيقي لوظيفة الخطاب الديني الرسمي في زمن الأزمات. إنه اختبار صريح لمدى وفاء هذا الخطاب لرسالته الجوهرية، وهي أن يكون إلى جانب الناس في ضرائهم وسرائهم، يستنفر فيهم منابع القوة، ويحيي الأمل من منطلق إيماني أصيل، له خصائصه العميقة التي لا يمكن العثور عليها ولا الظفر بها في أي جهة أخرى، لأنه وحده القادر على تحويل الألم إلى معنى، والمحنة إلى درس، والابتلاء إلى عبادة تبعث على الصبر والرجاء.



