رأس السنة الأمازيغية.. جدل الهوية وحدود تدخل الدولة

هوية بريس – متابعات
أثار قرار تعطيل العمل يوم الأربعاء 14 يناير 2026، لأول مرة، بمناسبة ما سُمّي بـ“رأس السنة الأمازيغية 2976”، نقاشًا واسعًا في الأوساط الثقافية والفكرية بالمغرب، خاصة بعدما انتقل هذا الموعد من كونه مناسبة فلاحية شعبية بسيطة، مرتبطة بدورة الأرض والزرع، إلى عنوان لاحتفال رسمي ذي حمولة رمزية وهوياتية مثيرة للجدل.
في هذا السياق، قدّم الباحث في علم الاجتماع السياسي ورئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع، أحمد ويحمان، قراءة نقدية حادة لهذا التحول، معتبرًا أن الأمر لم يعد يندرج في إطار الاعتراف بالتنوع الثقافي، بل بات يمسّ بأسئلة الهوية الجامعة، ووظيفة الدولة، وحدود تدخلها في المجال الرمزي.
من مناسبة فلاحية إلى سردية رسمية
يرى ويحمان أن ما كان يُعرف تاريخيًا بالسنة الفلاحية، بأسمائها المحلية المتعددة مثل “حاكوزة” أو “إيض سݣاس”، ارتبط في الذاكرة الجماعية بالعيش المشترك والاستمرارية الحضارية، دون حمولة إيديولوجية.
غير أن تحويله اليوم إلى عطلة رسمية، مصحوبة بخطاب احتفالي موحّد، يعكس ـ بحسبه ـ توجهاً نحو “ترسيم سردية” جديدة، لا الاكتفاء بترسيم يوم عطلة.
ويحذّر من أن هذا المسار قد يفضي إلى إعادة تشكيل الوعي الجماعي عبر قرارات إدارية، بدل ترك الهوية تتشكل طبيعيًا من التاريخ المشترك والوجدان الشعبي.
المدرسة في قلب الجدل
أحد أبرز مظاهر هذا التحول، كما يشير الكاتب، يتمثل في الدوريات الصادرة عن وزارة التربية الوطنية، التي دعت المؤسسات التعليمية إلى تنظيم أنشطة احتفالية تمتد لأيام، مع توثيقها بتقارير وصور رسمية.
ويطرح هذا التوجه تساؤلات جوهرية حول وظيفة المدرسة: هل هي فضاء للتعليم وبناء المعرفة، أم منصة لتدبير احتفالات ذات طابع إلزامي؟ وهل يُعامل التقويم الهجري والمناسبات الدينية الجامعة بالمنهج الإجرائي نفسه؟
إشكال التأصيل التاريخي
ينتقد ويحمان الأساس التاريخي المعتمد في ترقيم سنة “2976”، القائم على ربطها بسنة اعتلاء الفرعون المصري شيشناق الحكم سنة 950 قبل الميلاد.
ويعتبر أن هذا الربط يطرح سؤال العلاقة بين المغاربة وهذا المرجع التاريخي، وجدانيًا أو حضاريًا، متسائلًا عن مبررات تحويله إلى رمز احتفالي وطني.
الأطفال والهندسة الرمزية
يتوقف المقال عند شكايات أسرية سابقة، تحدثت عن مطالبة بعض المؤسسات التعليمية أولياء الأمور بتوفير أزياء خاصة للأطفال للمشاركة في أنشطة الاحتفال، بكلفة مرتفعة نسبيًا.
ويرى الكاتب أن هذا السلوك قد يحوّل المدرسة إلى فضاء لإنتاج تنميط فولكلوري، ويُحدث تمييزًا اجتماعيًا غير مباشر بين التلاميذ، فضلًا عن الضغط النفسي والمادي على الأسر.
من التراث إلى الأمن الروحي
أبعد من ذلك، يحذّر ويحمان من تزامن الترويج لهذه الاحتفالات مع خطاب رمزي آخر، يستحضر شخصيات وروايات تاريخية مثيرة للانقسام، ويمسّ ـ بحسبه ـ بالثوابت الدينية للمغاربة.
ويؤكد أن الاعتراض لا يستهدف الأمازيغية كرافد أصيل في الهوية الوطنية، بل يرفض توظيفها في مشاريع صدامية تمسّ وحدة المجتمع وأمنه الروحي.
مسؤولية الدولة وحدود الاعتراف
في خلاصته، يوجّه الكاتب نداءً إلى الدولة ومؤسساتها، داعيًا إلى التمييز بين حماية التنوع الثقافي في إطار الوحدة، وبين الانخراط في مسارات قد تُفهم كهندسة هوياتية تُربك المشترك الوطني.
ويشدد على أن المغاربة، تاريخيًا، احتفلوا بسنتهم الفلاحية في بساطة وانسجام، دون حاجة إلى رموز مستوردة أو سرديات مفروضة.



