العقل طريقٌ إلى الإيمان… فلماذا يضلّ بعض الناس؟

03 يناير 2026 18:53

هوية بريس – شريف السليماني

يحاول بعض اللادينيين تبرير تنكّرهم للدين بدعوى أن الإيمان بالله لا يستند إلى أدلة عقلية قادرة على إقناع عقولهم «العبقرية»، وأن الإيمان -في زعمهم- ليس إلا خرافات وخزعبلات وأساطير الأوّلين تجاوزها العقل البشري. أما الإلحاد، فيُقدَّم على أنه النتيجة الطبيعية التي يقود إليها العقل متى تحرّر من كهنوت الدين وسطوة التقاليد.

وبوصفي مؤمنًا بالله، أرى أن المشكلة ليست في غياب الأدلة ولا في ضعفها، وإنما في عقول وقلوب هؤلاء الناس. وهذا ما نحاول بيانه في هذا المقال.

الإيمان بالله اقتناعٌ لا مجرّد اتباع، ولذلك ذهبت بعض المدارس الفكرية في الإسلام إلى عدم صحة إيمان المقلِّد، لأن الإيمان الصحيح -في نظرهم- لا بد أن يُبنى على أدلة عقلية يطمئنّ إليها القلب، إن لم يكن ذلك تفصيليًا فإجماليًا على الأقل. ومعنى هذا أن من يؤمن فقط لأن الناس مؤمنون، أو لأن والديه مؤمنان، لا يُقبل إيمانه ما دام قادرًا على النظر والتمحيص بنفسه.

وفي الجهة المقابلة، عاب القرآن على الذين اختاروا الشرك فقط لأنهم ورثوه عن آبائهم وأجدادهم، دون أن يعرضوا هذا الموروث على العقل، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:170].

فنحن لسنا مؤمنين فقط لأننا وُلدنا مؤمنين، ولا لأن الجغرافيا فرضت علينا ذلك. نعم، قد يكون المكان والموروث عاملًا مقرِّبًا إلى الحقيقة، لكن ذلك لا ينفي أننا -بعد بلوغ مرحلة النضج- اخترنا الإيمان والإسلام عن اقتناع تام. فبعد النظر والتمحيص وإعمال العقل، اقتنعتُ بوجود الله، وبأن محمدًا رسول الله، وبأن القرآن كلام الله.

وقد لا يستطيع كل مسلم التعبير عن الأدلة العقلية التي بنى عليها إيمانه، وتلك مسألة أخرى؛ فليس كل من أحسّ بشيء قادرًا على التعبير عنه، وليس الكلام هو الوسيلة الوحيدة للتعبير عن الإيمان. غير أن هذا الإيمان لا بد أن يكون مبنيًا -في الأصل- على أدلة عقلية جعلت صاحبه يطمئن لاختياره، ولا يُقبل الإيمان بدونها.

وكون المسلم لا يسوق دائمًا أدلة عقلية على إيمانه لا يعني أبدًا أنه لا يملكها، أو أن أدلته واهية. وليس مطلوبًا منه أصلًا أن يقدّم برهانه العقلي لبشر مثله لا يملكون له ضرًّا ولا نفعًا. فالمؤمن يرى أن ربه وحده هو الذي له الحق في مساءلته عن صدق إيمانه. وهذه الأدلة لن تكون جدالًا ولا مراءً لا يسمن ولا يغني من جوع، وإنما أعمالًا وتضحيات يتسابق فيها أهل الإيمان ابتغاء مرضاة الله.

أما من امتهن الجدال والمراء، فمصير المتشدقين بالكلام معلوم. ففصاحة اللسان، والتمكن من أساليب الجدال، لن تغيّر من حقيقة الإنسان شيئًا. وإذا هوى بالمرء إينانه، فلن يرفعه لسانه. ومن ظنّ أن قيمته في كلمات يقولها أو أسطر يكتبها بعيدًا عن علاقته بالله، فقد ضلّ السبيل. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۖ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:8-9].

وليس معنى هذا أن الإسلام ضد الحوار أو النقاش البنّاء، أو ضد استعمال العقل في تمحيص الأمور؛ بل على العكس، فقد أمر القرآن باستعمال العقل في إبطال دعاوى الشرك. فهذا إبراهيم عليه السلام يستخدم العقل والمنطق ليبيّن لقومه أن ما يعبدونه من دون الله لا يستحق العبادة. قال تعالى: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ [الأنبياء:62–66].

وقد تكرر هذا الأسلوب في القرآن الكريم مرارًا، وهو أسلوب إعمال العقل في الاستدلال على قضايا الإيمان. كما استخدم القرآن ألفاظًا وصيغًا عديدة يحثّ بها العقل البشري على النظر والاعتبار فيما بثّ الله في الكون من آيات منظورة، وفيما أنزل على رسله من آيات مقروءة، كقوله تعالى: ﴿أفلا تعقلون﴾، ﴿أفلا ينظرون﴾، ﴿قل انظروا﴾، ﴿ويتفكرون في خلق السماوات والأرض﴾، ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾، ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾… وغير ذلك كثير.

وكل هذا يدل على أن الإيمان ليس تقليدًا ولا جمودًا، وإنما هو ثمرة النظر والتمحيص وإعمال الفكر والعقل.
لكن يبقى السؤال مطروحًا: إذا كان الإيمان نتيجة لإعمال العقل والفكر، فلماذا لم تهتدِ هذه الأعداد الغفيرة من الناس إلى الإيمان؟ هل عقول غير المؤمنين ناقصة؟ أم أن حجج الإيمان واهية؟

ليس هذا ولا ذاك.

فالإيمان، وإن كان نتيجة لإعمال العقل، إلا أنه أيضًا عطية من الله، وابتلاء واختبار، عليه علّق الله الفوز بالجنة والنجاة من النار. وقد شاءت إرادة الله أن يبيّن للإنسان الطريقين، وأن يهديه النجدين، وأن يترك له حرية الاختيار: إما شاكِرًا وإما كفورًا. قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس:99]،

وقال: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء:4].

لكن الله كرّم الإنسان، وأراد منه أن يأتيه طائعًا غير مُكرَه؛ فأقبل المؤمنون على الله بمحض إرادتهم، وأعرض عنه الكافرون بمحض إرادتهم كذلك. قال تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال:42].

وما دام الإيمان ابتلاءً واختبارًا، فلا بد أن يكون أمام الإنسان أكثر من احتمال في ما يخص الإجابة، وإلا فقد الامتحان معناه. فلا بد من وجود شُبه، ومبرّرات، ومجال للمراوغة، وقد تختلط الأمور وتتداخل الأجوبة، وقد يكون عدد المجيبين بالخطأ أضعاف عدد المجيبين بالصواب. إنه اختبار الإيمان، وهو أعظم اختبار يمرّ به الإنسان في حياته، ومن أراد النجاح فلا بد له من الاجتهاد وحسن الاستعداد.

فهل عقول وقلوب الملحدين مستعدة فعلًا للنظر في مسألة الإيمان بصدق؟

إن هناك موانع، إذا استقرّت في الإنسان، حالت بينه وبين الهداية، مهما كثرت الأدلة، ومهما نادته الفطرة. قد يحوم حول الحقيقة، وقد تكون أقرب إليه من شراك نعله، لكنه لن يراها ما دامت تلك الموانع جاثمة على قلبه. قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:86].

فليس مطلوبًا من الإيمان أن يقتحم قلوبًا ترفضه، ولا من نور الإسلام أن يضيء دروب قوم يعشقون الظلمات. من أراد الهداية، فلا بد أن يسلك مسالكها. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:69].

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
15°
13°
الثلاثاء
13°
الأربعاء
14°
الخميس
15°
الجمعة

كاريكاتير

حديث الصورة