العقل طريقٌ إلى الإيمان (2) حين تغيب الرغبة في الحقيقة

هوية بريس – شريف السليماني
أسأل نفسي أحيانًا: كيف يمكن لعاقلٍ أن ينكر وجود الخالق، وهو يرى روعة الخلق وعظمته في نفسه وفيما حوله؟
كيف يصدّق إنسانٌ سويٌّ -لم يُكتب له أن يرى أباه مثلًا- أمَّه إذا أخبرته يومًا أنه وُلد من دون أب؟
لا يصدّق هذه الدعوى إلا من كان مجنونًا أو ما يزال صبيًّا.
ومع ذلك، فإن احتمال تصديق ولادة إنسان من دون أب أقرب إلى العقل من تصديق وجود هذا الكون من دون خالق.
فما بال هؤلاء القوم ينكرون وجود الله؟
وما بال عقولهم لا تقودهم إلى الإيمان به، كما قادني عقلي واهتدت فطرتي؟ (بفضل الله طبعًا).
إنّ هناك موانع إذا اتّصف بها الإنسان حجبت عقله عن الوصول إلى حقيقة الإيمان، مهما قويت الأدلة وكثرت البراهين. ومن هذه الموانع:
1- عدم الرغبة الصادقة في الوصول إلى الحق
من علامات الرغبة الصادقة في البحث عن الحقيقة أن يحدّد الملحد – أو المتشكك – مشكلته الأساسية مع الإسلام، أي السبب الرئيس الذي قاده إلى هذا الموقف. وهذا من أبجديات الحوار والنقاش: تحديد موضوع النقاش، حتى لا تتشعّب السبل ويتيه الباحث عن الحقيقة.
أقول هذا لأنني ألاحظ أن كثيرًا من الملحدين – أو “المتألحدين” من أبناء جلدتنا – لا يستقرون على موقف واضح من الإسلام؛
فمنهم من يعاديه لأسباب عرقية محضة، باعتباره “دين العرب”،
ومنهم من يعاديه لأنه يراه “دين عنف”،
ومنهم من يعارضه بسبب موقفه من المرأة،
ومنهم من يؤمن بوجود الله لكنه ينكر الأديان،
ومنهم من ينكر وجود الله أصلًا،
بل قد يجمع بعضهم بين هذه المواقف كلّها.
لذلك أرى أن النقاش الجاد ينبغي أن يُحصر أولًا في قضية واحدة، هي مسألة وجود الله، باعتبارها القضية الإيمانية الكبرى، والأصل الذي تتفرع عنه سائر القضايا.
فإذا حُسم هذا الأصل، أمكن بعد ذلك مناقشة الشبهات الأخرى كلًّا على حدة.
أما خلط القضايا، كإقحام الحديث عن بعض أحكام الشريعة أو عن تصرفات النبي ﷺ أثناء النقاش حول وجود الله، فهو دليل على ضعف الموقف، وعدم الرغبة الحقيقية في الوصول إلى الحق.
لقد ذكرتُ في المقال السابق أن إرادة الله اقتضت أن يُمنَح الإنسان حرية الاختيار في مسألة الإيمان، قال تعالى:
{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} (هود: 118).
فالله قادر على أن يجعل الناس جميعًا مؤمنين، لكنه كرّم الإنسان بأن جعله يختار بنفسه طبيعة العلاقة التي يريدها مع ربّه:
علاقة شكر وإيمان، أم علاقة كفر ونكران.
صحيح أن مشيئة الإنسان مرتبطة بمشيئة الله، فلا إيمان ولا كفر يقعان خارج إرادته سبحانه، لكن الله – كما عرّف بنفسه – عدلٌ رحيمٌ كريم، لا يردّ عبدًا قصده صادقًا، ولا يغلق باب الهداية في وجه من طرقه بإخلاص.
قال تعالى في الحديث القدسي:
«ومن تقرّب إليّ شِبرًا تقرّبتُ منه ذراعًا، ومن تقرّب إليّ ذراعًا تقرّبتُ منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيتُه هرولة».
وقال سبحانه:
{إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا} (الأنفال: 70).
فإذا علم الله من العبد صدق رغبته في البحث عن الحق، لم تكن المشيئة الإلهية عائقًا أمامه، بل سببًا لهدايته وتوفيقه.
أما الاحتجاج بالمشيئة الإلهية لتبرير الكفر، فليس إلا هروبًا من تحمّل المسؤولية. وقد حسم القرآن هذا الجدل بقوله تعالى:
{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا…} إلى قوله:
{إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} (الأنعام: 148).
فالإنسان مسؤول مسؤولية كاملة عن الطريق الذي يختاره، إيمانًا كان أو كفرًا.
ولكي يكون هذا الاختيار على بيّنة، زوّد الله الإنسان بالعقل، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وبيّن له سبل الخير والشر، وقال عزّ وجلّ:
{إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا} (المزمل: 19).
وبثّ الله الآيات الدالّة على وجوده في الكون بثًّا، فقال:
{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} (الفرقان: 62).
فالأدلة مبسوطة أمام الجميع في هذا الكون الفسيح.
يمرّ بها الصادقون في طلب الحقيقة، فيتفكّرون ويقولون:
{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (آل عمران: 191).
ويمرّ بها آخرون وهم عنها معرضون، لا لأنهم يفتقرون إلى العقول أو الحواس، ولكن لأنهم آثروا الدنيا واطمأنوا بها، قال تعالى:
{لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا…} (الأعراف: 179).
إن من أراد الهداية حقًّا، فعليه أن يتجرّد في طلبها، وأن يكون صادقًا مع نفسه، مستعدًا لقبول نتيجة البحث العقلي مهما كانت، سواء وافقت أهواءه أم خالفتها.
أما من يبحث لا ليصل إلى الحقيقة، بل ليؤكّد نتيجةً قد حسمها مسبقًا، فلن يصل إلى شيء.
قال تعالى في وصف هذا الصنف:
{وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} (القصص: 57).
فهم يقرّون بأن الإسلام هدى، لكن الخوف على المصالح هو الذي صرفهم عنه.
وقال تعالى أيضًا:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ…} (الحج: 11).
قبل أن يسأل الملحد عن الأدلة العقلية على وجود الله، عليه أن يسأل نفسه أولًا:
هل أنا مستعد فعلًا لقبول نتيجة هذا البحث؟
وهل أرغب بصدق في الهداية؟
إن المؤمن حين يختار الإيمان لا يختاره فقط لما يترتب عليه من منافع، بل يختاره لأنه الحق، ولأنه نداء الفطرة وصوت العقل.
أما المنافع، فتأتي في المرتبة الثانية.
ولذلك كان المؤمن الصادق مستعدًا للتضحية بكل المصالح في سبيل الحفاظ على إيمانه، كما فعل يوسف عليه السلام حين آثر السجن على الوقوع في المعصية.
نحن نحزن حين نرى بعض الناس يؤثرون الكفر على الإيمان، لأننا نحب لهذا الخير الذي آمنا به أن يعمّ نفعه، لكن الله شاء أن تكون مصائر العباد رهينة بما يختارونه هم لأنفسهم، لا بما نتمناه نحن لهم. قال تعالى: {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ…} (آل عمران:176–177).
وإلى اللقاء مع المانع الثاني من موانع الهداية.



