العلمانية وتفشي الإفلاس المجتمعي

14 يناير 2026 19:21

العلمانية وتفشي الإفلاس المجتمعي

هوية بريس – إبراهيم الناية
قد يقف الإنسان المسلم مشدوها أمام ما يحدث داخل المجتمع من تجاوزات غير مألوفة في الأخلاق والاقتصاد وغيرهما، وقد يتساءل : ما الأسباب التي أدت إلى ما نلاحظه ونشاهده؟ ومن المسؤول عن انتشار هذه الظواهر التي أصبحت تهدد بنية المجتمع وتصيبه في مقتل؟ ولكي يزيل الإنسان المسلم الغبش يرى أن الإسلام ليس نظرية ثقافية فقط هدفها الإشباع الفكري من خلال تفصيلات معرفية، وإنما جاءت تلك التفريعات الفكرية لمعالجة مشاكل يعيشها الإنسان في مختلف المجالات من خلال خطاب إلهي متميز هدفه هو صياغة المجتمع الإنساني على أسس عقائدية تختلف عن أنماط الخطابات الإنسانية المرتبطة بالزمان والمكان ومن ثم كانت العقيدة الإسلامية متميزة عن كل المعتقدات البشرية.
 وإذا كان الأمر هكذا فكيف للإنسان المسلم أن يواجه ما تقوم به العلمانية من أساليب تخريبية لتفكيك بنية المجتمع؟ وكيف له مقاربة المشاكل التي يتخبط فيها المجتمع؟ هل ببناء الذات والتربية والتكوين؟ أم بالمناكفات والرد على الآخرين أم هما معا؟ بمعنى ما هي أولويات الإنسان المسلم؟
ولكن بداية قد يتساءل المرء : وما علاقة العلمانية بهذا الأمر؟ ويتناسى أن كل نظام معرفي يبعد وصاية الخالق على عباده لكي لا يكون له سلطان في تنظيم حياتهم هو نظام علماني سواء كان من الناحية السياسية ديمقراطيا أو دكتاتوريا لأن العلمانية لا تعترف بالحلال ولا بالحرام، وقد تتبنى منطق الغاية تبرر الوسيلة إذا كان سيحقق لها أهدافها. وعلى كل حال قد يستشيط الإنسان المسلم غيظا عندما يرى الممارسات الظالمة والفساد الأخلاقي والاقتصادي ينتشر انتشار النار في الهشيم فخيرات البلاد تنهب وتستفحل الرذائل :كشهادة الزور والرشوة وقذف المحصنات وإشاعة الأكاذيب والافتراءات من أجل تشويه سمعة الناس والنيل من كرامتهم ليبتعد عنهم غيرهم. وقد لا يجد كثير من العلمانيين أدنى حرج في الدفاع عن هذه المخالفات والاختلالات إذ يدافع عن انتشار الرذائل وتقديمها للناس على أنها تحرر وانفتاح بل يراها الساقطون أنها من حقوق الإنسان. ويكتمل المشهد بالنظر إلى لإنسان على أنه حيوان ليس له من الأدوار إلا الإنقياد والطاعة للغرائز وعملية إشباعها، ولم يعلم هؤلاء أن انهيار القيم والأخلاق وراء سقوط كثير من الحضارات كالرومانية وغيرها ،وكذا سقوط بلاد الأندلس، واليوم هو الوسيل الوحيدة التي تتبناها القوى الاستعمارية ذات الجذور العلمانية لتخريب المجتمعات من الداخل من أجل السيطرة عليها حتى يصبح الناس لا يفكرون في الكرامة الإنسانية بل يصبح شغلهم الشاغل هو إشباع أجسادهم وتبليد إحساسهم.
فما العلاج؟ يختلف الناس حول الحلول التي ينبغي أن تقدم لحل مشكلات المجتمع ولكن الكثير لا يتساءل عن الفكر الإديولوجي والخيار الثقافي الذي كان وراء الكارثة التي حلت بالمجتمع أي من المسؤول عن إفلاس مجتمعاتنا هل الإسلام أم العلمانية؟
 وبالتأكيد: ان الإسلام لا دخل له في إنشاء مشكلات المجتمع لأنه مغيب أصلا. وإنما العلمانية بمختلف أساليبها وتياراتها هي التي تسود الواقع وكانت وراء ما يعانيه المجتمع من آلام وويلات ومتاعب غير أن العلمانيين لا يعترفون بذلك للجحود والمكابرة التي يتصفون بها. ثم إن الحلول التي قدمها الاقتصاد الرأسمالي المؤسس في جذوره على الفكر العلماني قد ساهمت في إفلاس الشعوب وتفقيرها لأن كل حل لم ينبثق من ذاتية الأمة وكينونتها مآله الفشل. ولذلك إن العلاج يتجلى في الفكر الذي يهدي للتي هي أقوم “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ” وذلك من خلال إعادة بناء المجتمع وصياغته على أسس سليمة وبناءة أثبتت التجربة نجاعتها، وهي نفس المنهجية والمسلك الذي اتبعه عبدالله بن ياسين فقيه المرابطين في بناء تلك الدولة التي وحدت المغرب والأندلس.
إن النظر إلى أحوال مجتمعاتنا والآراء التي تنشرها وسائل الإعلام وغيرها تبين المعاناة التي يعيشها الإنسان داخل هذه المجتمعات التي أصبحت العلاقات داخلها تقوم على الكراهية والابتعاد عن المحبة والفضيلة، ولكن الإنسان لم يسائل نفسه عن النمط الفكري الذي كان وراء هذه التعاسة؟ ولكن المشكل عند البعض أنه يستهويه الدخول في المناكفات مع الآخرين ويتعب نفسه في الردود ولم يعلم أن الآخر عندما ينقلني إلى مربعه فسأصبح أدافع عن نفسي ،في حين أن مهمتي هي البناء. ولذلك لن يشغلني غيري عن مهمتي الأساسية، ولكن هذا لا يعني ترك الحبل على الجرار كما يقال. ان الإنسان لا بد أن يعرف ماذا يفعل؟ وماذا يريد؟ وما هي الأدوات التي ينبغي أن يستعملها للوصول إلى الهدف؟ ولكن الشخص الذي لا يعرف هدفه وماذا يفعل فهو يعيش حالة من الفوضى وللأسف أننا لم نعد نشعر بالفوضى لأن الفوضى لا تشعر بها إلا المجتمعات المنظمة ،أما نحن فأصبحت الفوضى جزءا من واقع حياتنا.
 ولكن كيف يمكن إصلاح ومعالجة ما أفسده الفكر العلماني ؟ وما خلفه من خراب ودمار وما هي طريقة الإصلاح والتغيير التي يمكن اعتمادها؟
إن القرآن الكريم وضع تقابلا بين الأسوياء وغيرهم “أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى من يمشي سويا على صراط المستقيم” الآية 23 من سورة الملك.
إن هناك تقابلا بين من يمشي على رجليه وفهم نظام الكون على حقيقته وهناك من يسير مكبا على وجهه للدلالة على انقلاب مفاهيم الحياة ومنطقها لديه ،ولذلك جاء التصوير القرآن رائعا لأن السير في العنوان الخطأ أدى بصاحبه إلى عدم الامتثال لقانون الحق وأراد السير حسب هواه ،وسلوك الطريق المناقض لمنطق الحق والحياة المطمئنة، أما الذين وصفهم الخالق بأنهم يسيرون في الطريق السوي فقد وصفهم الله سبحانه بهذا الوصف وهو السير على صراط مستقيم لأنهم يحيون حياة الهدى والاستقامة وفق ما أراده الخالق لعباده الذين اتقوا. ولذلك إن مشروع التغيير الذي ينشده المسلم يقتضي شروطا واضحة أولها: إصلاح المسلم لنفسه أولا لأن مشروع النهضة لا يمكن تحقيقه بدون كتلة بشرية تتم تربيتها وبناؤها وفق المنهج الإلهي وهي التي تتولى تنفيذه، وفي غياب هذا الشرط يبقى قيام النهضة مجرد سراب. ولذلك إن الله سبحانه وتعالى قال: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”. إنه القانون الإلهي الذي يجسد منهج التغيير فلا يمكن أن تتغير أحوالنا في مختلف المجالات إلا بتغيير مشاعرنا وعقليتنا وأفكارنا وتصوراتنا التي نعتقدها في الحياة لأن قانون التغيير يبدأ أولا من ذاتية الإنسان ليحدث فيها الانقلاب الشامل في كل شيء ليُنقل بعد ذلك إلى الآخرين ” إصلح نفسك وادع غيرك” فما يسود الواقع من عقليات متعفنة وتصورات هابطة لا تقتضي النقد فقط بل تحتاج إلى أفعال وسلوكات وممارسات مجسدة في الواقع لأن الناس لا يهمهم ما تقول بقدر ما يهمهم ما تفعل. ولذلك فإن قانون التغيير يهدف إلى تحقيق الاستقامة في السلوك الفردي للشخص قبل مطالبة الآخرين بها. فالأمور لا تتأسس في ميزان الحق إلا بإصلاحك لنفسك أولا لتكون قدوة ونموذجا.
وستعترض الإنسان صعوبات أثناء مسيرة التحول والانتقال وقد يحتاج إلى الدعم والمساندة، ولكن بالاعتماد على الله ثم بالعزيمة والإرادة فإن المرء سيحقق المبتغى. صحيح إن أعداء التغيير ومثبطي العزائم الذين لا يرغبون في انتقال المجتمعات إلى الفضيلة والرقي يحاولون العرقلة لأنهم يحرصون على بقاء عقلية الجهل والتخلف قائمة ولا يريدون أن تستيقظ الأمة من سباتها لأنهم يمارسون أفعالا لا تليق بالآدميين، هؤلاء يرفضون التغيير ويسخرون من دعاته ويوظفون بعض ضعاف النفوس للترويج لسلوكاتهم وعقليتهم وهو نفس الأمر الذي كان يمارسه عرب الجاهلية، وسيستخدم هؤلاء ذلك الشعار الذي رفعه قوم لوط في وجه الفئة التي آمنت معه “أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون”.
آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
10°
15°
الخميس
14°
الجمعة
13°
السبت
13°
أحد

كاريكاتير

حديث الصورة