المغرب بين المرجعية الإسلامية والاختيار العلماني

المغرب بين المرجعية الإسلامية والاختيار العلماني
هوية بريس – عابد عبد المنعم
يشهد المجتمع المغربي في السنوات الأخيرة انتشارا مقلقا لجرائم متعددة الأشكال، من بينها ما يرتبط بزنا المحارم، والتحرش والاعتداءات الجنسية على الفتيات والفتيان والأطفال، وما يترتب عن ذلك من تفكك أسري خطير، ومن أعباء ثقيلة تتحملها الأسرة أولا ثم الدولة على المستويات الأمنية والقضائية والاقتصادية والصحية والسجنية.
وهي ظواهر لا يمكن عزلها عن التراجع الواضح في دور التربية والتوجيه، خاصة في ظل واقع إعلامي بات في كثير من مخرجاته يطبع مع الزنا والفواحش والمنكرات بشتى أنواعها، ويخاطب الغرائز بلغة مبتذلة، ويحوّل الانحراف إلى مادة للفرجة والتسويق، والعلاقات الرضائية إلى حرية فردية لا يحق لأحد بالمرة الوقوف في وجه فاعلها، في تعارض صريح مع قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾.
لقد أصبح الشباب اليوم أقرب من أكثر وقت مضى محاصرا بإعلام التفاهة والسفاهة، ومع شبكات التواصل الاجتماعي التي تصب في الاتجاه نفسه، حيث يُقدَّم الجسد والشهوة باعتبارهما مركز الوجود الإنساني، ويُلغى المقدس لصالح المدنس، ويُعزَّز منطق الإشباع المادي الصرف، مما يؤدي إلى فقدان البوصلة القيمية، ويعمّق أزمات الانحراف والتفكك وفقدان المعنى.
ومن هنا تتحدد مسؤوليات واضحة على عاتق مختلف المؤسسات:
فالمؤسسة الأمنية مطالبة بحماية المجتمع من الجريمة، والمؤسسة القضائية بتحقيق الردع والعدل، والمؤسسة التعليمية ببناء الإنسان القيمي الواعي، والمؤسسة الإعلامية بالتوجيه لا بالتطبيع مع الانحراف، والحكومة بحسم اختياراتها المجتمعية بوضوح: هل نحن دولة ذات مرجعية إسلامية بثوابتها ومقدساتها، أم دولة علمانية تفتح الباب على مصراعيه لكل الثقافات الدخيلة، وتجعل الفرد وشهواته مركز الكون؟
وفي سياق التوجيه هذا يثير خطاب وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية جدلا واسعا، إذ يبدو بعيدا عن الواقع بتقلباته واضطراباته. فهو يركز على مفاهيم عامة كالتزكية والقيم المشتركة بين الديانات، كالصدق والعدل والمحبة، وهي معان نبيلة لا خلاف حولها، لكنها تبقى في مستوى التجريد، بينما الواقع يعج بالربا والفساد والخمور والمخدرات والانحراف والتفكك الأسري. والأسوأ أن تصريح الوزير تحت قبة البرلمان “نحن علمانيون” يعني عمليا إقصاء الدين عن الحياة العامة، ومنع الخطيب والعالم من معالجة القضايا الحقيقية للمجتمع، وحصر الإسلام في منظومة أخلاقية عامة تخدم التوجه الليبرالي السائد. وهذا ما يجعل كثيرا من العلماء يعتبرون هذا الخطاب تضليليا، لأنه لا يعكس الإسلام في شموليته كما أنزله الله، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾، أي ادخلوا في الإسلام بكل أبعاده العقدية والتشريعية والأخلاقية والحضارية.
أما وزارة التعليم، فإن مقرراتها تبدو في قطيعة واضحة مع هذا النقاش القيمي والأخلاقي، بل إنها تساهم في تعميق الأزمة حين تروّج لثقافات دخيلة، وعلى رأسها الثقافة الفرنكوفونية بحمولاتها المعرفية والسلوكية والفلسفية، التي لا تنسجم في كثير من مرجعياتها مع هوية المجتمع المغربي ومرجعيته الإسلامية. فبدل أن تكون المدرسة ملجأ للتحصين وبناء الوعي الحضاري، تتحول في حالات كثيرة إلى قناة لإعادة إنتاج الاغتراب القيمي ومسخ الانتماء.
وأما الإعلام، فهو يغرد خارج كل سرب تربوي وأخلاقي، إذ لم يعد في كثير من الأحيان موجِّها ولا مصلحا، بل صار خاضعا لمنطق السوق والربح السريع، يقدّم خطابا ماديا صرفا، همه رفع نسب المشاهدة وتوسيع دائرة التأثير عبر إثارة الشهوات والنزوات، دون اعتبار لما ينفع الإنسان في دينه ودنياه، وحاضره ومآله. وهكذا يتكامل دور المدرسة والإعلام، لا في البناء والتحصين، بل في التفريغ القيمي والتطبيع مع الانحراف.
إن حماية المجتمع المغربي اليوم تقتضي موقفا واضحا وشجاعا، ولا يمكن تحقيق ذلك دون إعلام مسؤول، وتعليم هادف، وخطاب ديني صادق مرتبط بالواقع، وسياسة حكومية تحسم في مرجعيتها، وتنتصر بوضوح لثوابت الأمة ومقدساتها، بدل ترك المجتمع فريسة للتيه القيمي والانفلات الأخلاقي الذي يهدد حاضره ومستقبله.



