الموضوع أكبر بكثير من “فتوى التدخين”!

الموضوع أكبر بكثير من “فتوى التدخين”!
هوية بريس – عابد عبد المنعم
أعاد برنامج “يسألونك” إلى واجهة النقاش العمومي واحدا من أكثر المواضيع حساسية، ليس فقط لارتباطه بالسلوك الفردي، بل لتقاطعه العميق مع الدين والصحة العامة والأمن القيمي للمجتمع، وذلك عقب الفتوى التي صدرت عن الأستاذ الحسين مفراح، الرئيس السابق للمجلس العلمي بالمحمدية، والتي ذهب فيها إلى جواز التدخين لمن لا يضر به، مستندا إلى رأي منفك تماما عن تطورات الطب والفتاوى المعاصرة المواكبة للواقع.
هذه الفتوى لم تمر مرور الكرام، بل فجّرت موجة غضب واسعة في صفوف عدد من العلماء والفقهاء المغاربة، الذين اعتبروا أن ما قيل خارج عن الإجماع الفقهي المستقر شرحا وتطبيقا، بل وخارج كذلك عن الإجماع الطبي العالمي الذي تقوده مؤسسات دولية على رأسها منظمة الصحة العالمية، والتي تؤكد بالأرقام والمعطيات أن التدخين يقتل سنويا أكثر من 7 ملايين شخص، بمن فيهم 1,6 مليون شخص من غير المدخنين الذين يتعرضون للتدخين غير المباشر أو ما يسمى بالتدخين السلبي.
وإذا كان الخلاف الفقهي في بعض القضايا أمرا مألوفا، فإن الإشكال هنا يتجاوز حدود الخلاف العلمي إلى تصادم صريح مع الحقائق القطعية، ذلك أن التدخين لم يعد مسألة ظنية الأثر، بل أصبح سمًّا موثق الأضرار، تعترف به حتى الشركات المنتجة للتبغ نفسها، والتي أُجبرت قانونيا على التحذير الصريح على علب السجائر من مخاطره القاتلة. كما لجأت دول كثيرة إلى رفع الضرائب والرسوم على التبغ، لا بدافع الجباية فقط، بل حماية للصحة العامة والميزانيات الصحية التي تُستنزف بسبب أمراض التدخين.
إن التدخين ليس سلوكا شخصيا معزولا، بل ضرره متعدّ يضر الإنسان في بدنه، ويضر غيره عبر التدخين السلبي، ويؤذي المحيط الاجتماعي بالرائحة الخبيثة، خاصة في المساجد، فضلا عن كلفته الصحية والأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية، فكم يتمت السيجارة الخبيثة من أطفال وتركت أسرا دون معيل ولا كفيل، وهو ما يجعل أي تكييف فقهي متساهل معها مصادما لمقاصد الشريعة في حفظ النفس والنسل والعقل.
غير أن ما يزيد هذا الجدل تعقيدا، هو أن فتوى التدخين لا تأتي من فراغ، بل تندرج ضمن سلسلة فتاوى مثيرة أخرى صدرت عن الشخص ذاته أو عن خط فكري ينتظم في سلك واحد، من بينها مثلا:
– التساهل في الربا، بدعوى القرض أو غيره، في تعارض صريح مع القطعيات الشرعية.
– الحديث عن زكاة القنب الهندي (الحشيش)، بما يحمله ذلك من تطبيع فقهي مع اقتصاد مشبوه.
– فتوى إذاعية مفادها أن الطلاق لا يقع بمجرد التلفظ به، وإنما لا يعتد به إلا بحكم قضائي، وهو ما اعتبره عدد من الفقهاء، ومنهم الفقيه المغربي مولود السريري، خروجا صريحا عن قول جمهور العلماء، إذ شدد الفقيه السوسي على أن الطلاق يقع شرعا بمجرد التلفظ به، ولو لم يقبله القاضي والأمم المتحدة ومجلس الأمن والسماوات والأرض، على حد تعبيره.
هذه الفتاوى وغيرها كثير، وفق عدد كبير من العلماء والفقهاء والمهتمين بالشأن الديني، لا تُربك فقط وعي المواطنين، بل تخلق حالة من التناقض والفوضى المرجعية، حيث يُطلب من الناس الالتزام بفتاوى تخالف ما تقرره المجالس العلمية نفسها وما أجمعت عليه الأمة عبر تاريخها.
عدد من الفقهاء المغاربة، ومنهم الدكتور رشيد بنكيران والدكتور البشير عصام، حذّروا من خطورة إدخال الدين في منطق التكييف السياسي، ضمن خطة وزير الأوقاف د.أحمد التوفيق، حيث لا يعود الدين موجِّها للأخلاق والسياسة، بل يتحول إلى أداة تبرير وتطويع، تُساير الواقع بدل أن تُقوّمَه، وتسوق فيه السياسةُ الدينَ؛ لا العكس.
بل ذهب بعض المواطنين إلى القول إن هذه الفتوى، حتى لو دُفِع مقابلها من طرف شركات التبغ، لما كانت لتُصاغ بهذه الطريقة الصادمة، في إشارة إلى حجم الهوة بين الفتوى وما يخلفه التدخين على مستوى الواقع الذي نعيشه ونعرفه.
غير أن الأخطر، كما يعكسه تفاعل الرأي العام، ليس فقط في مضمون بعض هذه الفتاوى المثيرة، بل في انتقائيتها؛ إذ تُستنفد الجرأة والاجتهاد حين يتعلق الأمر بتبرير المحرمات أو تسويغ واقع منحرف، بينما يغيب الصوت ذاته عن قضايا الأمة المصيرية، وعن النكبات الاجتماعية والإنسانية التي تعيشها مدن مغربية مثل آسفي والحوز وفاس، وعن المآسي اليومية المرتبطة بالفقر والهشاشة والبطالة والظلم الاجتماعي، وعن المرأة التي تواجه التضييق والتمييز بسبب لباسها وقيمها ومبادئ دينها.
فالاجتهاد الحقيقي ليس ما يصادم النص والعلم والواقع في آن واحد، ولا ما يُستدعى عند الحاجة لتطويع الدين من أجل تبرير قرارات الفاعل السياسي، ثم يُغيَّب حين يتعلق الأمر بنصرة المظلوم، أو الانتصار لكرامة الإنسان. إن الاجتهاد الذي ينشده الجميع هو اجتهاد مسؤول، ينحاز لآلام الناس، ويتفاعل مع قضاياهم، ويجعل من الدين قوة تحرير وكرامة وعدل، لا أداة ذل وصمت وتبرير.



