من “أمة وسطًا” إلى “وسطية السلطان”: كيف جرى تفريغ المفهوم؟

هوية بريس – متابعات
أثار منشور للدكتور إدريس الكنبوري، الكاتب والمفكر المغربي، نقاشًا فكريًا لافتًا حول مفهوم “الوسطية” الذي بات يُرفع شعارًا عامًا في الخطاب الرسمي، دون تحديدٍ دقيق لمعناه أو مقاصده.
ويضع الكنبوري هذا الشعار تحت مجهر النقد، محذرًا من تحوّله إلى أداة أيديولوجية فضفاضة تُستعمل لتطويع الدين بدل الاحتكام إلى نصوصه ومقاصده.
غموض المفهوم وتعدّد التأويلات
يبيّن الكنبوري أن “دعوى الوسطية والإسلام الوسطي أصبحت أيديولوجيا جديدة يهتف بها كل صاحب سلطان”، في وقتٍ يغيب فيه التوافق على تعريف جامع لها.
فالبعض يقرأ “الوسطية” باعتبارها تطبيعًا، وآخرون يفهمونها ولاءً مطلقًا للسلطة، بينما يختزلها فريق ثالث في الصمت، أو يكتفي بترديد المصطلح دون وعيٍ بمضامينه.
هذا التباين، بحسب الكنبوري، يكشف هشاشة المفهوم حين يُنزَع من سياقه الشرعي والمعرفي.
وسطية القرآن أم وسطية مُستحدَثة؟
حين يُراد الدفاع عن الشعار، يُستدعى النص القرآني: «وكذلك جعلناكم أمة وسطًا». غير أن السؤال الجوهري، كما يطرحه الكنبوري، هو:
لماذا اختراع “وسطية” جديدة داخل وسطيةٍ قرآنيةٍ مكتملة؟
فالوسطية التي جاء بها الإسلام—كما يذكّر—ليست شعارًا سياسيًا، بل منظومة قيم ومقاصد قوامها العدل، والحرية، والحقوق، والمحاسبة، والأمر بالإصلاح، والنهي عن الفساد.
وعليه، فإن أي “وسطية” تُفرّغ هذه المضامين، إنما تُخاصم النص بدل أن تخدمه.
واقع المسلمين: غياب الوسطية وحضور التطرف
يذهب الكنبوري أبعد من نقد المصطلح ليصف الواقع، معتبرًا أن ما يعيشه المسلمون اليوم ليس وسطية، بل تطرف من نوع آخر:
تطرف الفساد، والظلم، والمحسوبية.
ويشدّد ذات المتحدث على أن السلطة —في هذا السياق— لا تسعى إلى وسطيةٍ في علاقتها بالشعوب، بقدر ما تريدها في علاقة الشعوب بدينها، وكأن مبادئ الإسلام وحقوقه لا تكفي، فيُطلب “وسط الوسط”، مع أن الوسط لا وسط فيه.
تحذير من توظيف الدين
يحذّر الكنبوري من التلاعب بالإسلام عبر لافتة الوسطية، حين تُستعمل لإعادة هندسة التدين بما يخدم الاستقرار الشكلي لا العدالة الحقيقية.
فالخطر، في نظره، لا يكمن في الاختلاف حول المصطلحات بقدر ما يكمن في تحويل الدين إلى أداة ضبطٍ سياسي تُجرَّد من قدرتها على النقد والإصلاح.
خلاصة القول: يقدّم هذا النقاش قراءة نقدية ضرورية تُعيد الاعتبار لوسطية القرآن بوصفها منظومة قيمية مكتملة، لا شعارًا سياسويًا قابلًا للتأويل حسب المصالح.
وهي دعوة إلى وعيٍ نقديٍّ يُميّز بين الدين في نصوصه ومقاصده، وبين توظيفه في الخطاب العام.



