تصرف كُلاب في تاريخ المغرب: إهمال وتأويل إيديولوجي

تصرف كُلاب في تاريخ المغرب: إهمال وتأويل إيديولوجي
هوية بريس – محمد زاوي
يتخبط د. عبد الخالق كلاب بين رواية تقول إن رئيس أوربة أمر قومه بطاعة واتباع المولى إدريس الأول، وبين ادعائه أنه كان مجرّد إمام فيما بقيت القيادة والزعامة من نصيب إسحاق بن محمد بن عبد الحميد الأوربي المعتزلي. وللخروج من هذا المأزق الإيديولوجي، واللاتاريخي، يصطنع د. كلاب تأويلا إيديولوجيا آخر مفاده أن “المولى إدريس الأول اتبع رأي ومذهب رئيس أوربة”.. وإذا كانت الرواية التي اعتمدها كلاب، وهي رواية صاحب “الاستبصار في عجائب الأمصار”، قد اكتفت بتأكيد “موافقة إدريس على مذهب إسحاق”، فإنه -أي كلاب- زاد في معرض تأويله “الرأي” على “المذهب” فقال: “لأن بيعته (أي إدريس) كانت مشروطة بموافقة زعيم أوربة على رأيه ومذهبه” (عبد الخالق كلاب، أوثان السلفية التاريخية، ص 126-127).. وهذه زيادة غير بريئة تنزع منوع إلحاق الرأي السياسي بالمذهب، حتى يصير إدريس في تبعية إسحاق.
أمر آخر لا ينتبه إليه د. كلاب في معرض تأويله الإيديولوجي، وهو أنه يقدم “عقيدة الاعتزال” كعقيدة أمازيغية خالصة.. فلنفترض جدلا أن المولي إدريس تبع إسحاق في عقيدته ومذهبه، وهو ما تعترضه معارضات أهملها أو تجاهلها كلاب؛ فلنفترض ذلك ولنتساءل: أليس بين الاعتزال ومذهب المولى إدريس مشترك؟! أليسا معا مشرقيين؟ا ألا يشكل الاعتزال قابلية عقدية لوافد مشرقي؟! فما بال د. كلاب لا يقف مليا عند “اعتزال أوربي” هو نفسه لا يخلو من أصول مشرقية؟!
فلننتقل الآن إلى سؤال آخر: هل فعلا “اعتزل” المولى إدريس الأول وتبع إسحاق على مذهبه؟ وهل كانت دولة الأدارسة دولة معتزلية تبعا لذلك؟ أليس على ما ادعاه كلاب من “اعتزالية الأدارسة” اعتراضات؟ هناك أولا فرق بين الدخول في عقيدة القبيلة دخولا سياسيا والدخول فيها دخولا عقديا، وهذا ما لم يتحرّه كلاب فاكتفى بتأويل خاص في رواية “الاستبصار”.. وهناك كذلك فرق بين عقيدة قبلية وأخرى لتأسيس الدولة.. وهذه الأخيرة هي التي عرضها المولي إدريس في خطبة التأسيس بقوله: “الحمد لله الذي جعل النصر لمن أطاعه، وعاقبة السوء لمن عنده. ولا إله إلا الله (المتفرد بالوحدانية).. أدعوكم إلى (كتاب الله وسنة نبيه)، وإلى (العدل) في الرعية و(القسم بالسوية). اعلموا عباد الله، أن الله أوجب على أهل طاعته (المجاهدة لأهل عداوته ومعصيته باليد واللسان)، وفرض (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)”.
وقد علق المؤرخ المصري محمود إسماعيل على هذه الخطبة بقوله: “وتنم هذه الخطبة عن براعة سياسية، إذ حرص إدريس على إرضاء كافة القبائل على اختلاف مذاهبها. فقد استرضى أهل السنة حين دعا إلى “كتاب الله وسنة نبيه”. كما استرضى الخوارج حين نص على “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وتعبر أقواله في “التوحيد” و”العدل” عن حرصه على كسب المعتزلة” (محمود إسماعيل، الأدارسة في المغرب الأقصى: حقائق جديدة، مكتبة الفلاح، الطبعة الأولى، 1989، ص 61-62). ألا يدل هذا التوليف الإدريسي على اعتبار للغرض السياسي في خطاب الاعتقاد؟ فما الذي حمل د. كلاب على إهمال هذا الاعتبار؟ وما الذي جعله يقتصر على رواية واحدة صاحبها مجهول (رواية “الاستبصار في عجائب الأمصار”)، يا ليته اكتفى بنقلها، بل أولها وزاد عليها؟!
وحيث أن قصور د. كلاب يكمن في اضطراب النظر في الرواية، وارتهان هذا النظر إلى أدلوجة مختلقة هي “الأدلوجة المورية”؛ فإن صاحب “أوثان السلفية التاريخية” لا يعي ذلك ويزعم أن تحريفا قسريا أكسب التاريخ المغربي صبغة مشرقية.. إن هذا الامتعاض السيكولوجي من كل وافد مشرقي، هو ما جعل كلاب ينكر أهمية “الأدارسة” في تأسيس الدولة المغربية، أو جعله يهمش دورهم على الأقل.. فإذا كان المولى إدريس لا يعدو أن يكون مأمورا لدى رئيس أوربة، فما الذي حمل هذا الأخير على الاستعانة به، ولماذا انتظر قدومه ليؤسس “كيانا” تجتمع عليه عدة قبائل لا أوربة وحدها؟!
يرد د. كلاب على ادعائه في نفس كتابه، وربما من فرط عرض الرواية لا يعي ذلك؛ ومن الأمثلة الدالة على هذه المسألة قوله إن “راشدا -من موالي العلويين وأصله من البربر- استغل نكبة العلويين، فاستقدم إدريس لإقامة دولة لقومه”، ويقول مرة أخرى إن “أوربة استقدمت إدريس، وجعلته حكما تجتمع عليه القبائل، لمواجهة أطماع القوى السياسية المحيطة بها، المتمثلة أساسا في إمارتي بورغواطة بتامسنا وبني مدرار بسجلماسة” (عبد الخالق كلاب، مرجع سابق، ص 126)..
وهنا يرِد السؤال مجددا: إذا كان إدريس الأول مجرد تابع لمتبوع هو زعيم أوربة، فكيف تحصل هذه الحاجة الماسة إليه لتأسيس دولة والتحكيم بين قبائلها؟! ما الذي يجعل هذا الوافد المشرقي ذا أهمية في جمع الكلمة واستقطاب القبائل وتوحيدها وتأسيس دولتها؟! ولماذا لا يقف د. كلاب مليا عند هذه الأسئلة فيهرع إلى “تجاوزها” بالحديث عن “تنافس مختلق بين الأفراد”، بين راشد وإدريس من جهة، وبين إدريس وإسحاق من جهة ثانية، حيث لا يصح هذا التنافس كمحرك للتاريخ الذي ليس تاريخ أشخاص على كل حال؟! الجواب على هذه الأسئلة الاستنكارية واضح: يتصرف كلاب في تاريخ المغرب تتصرفين: يهمل بعضه، ويختلق التأويل “الموري” في بعضه الآخر.



