تهافت التفسير الماركسي للإسلام عند شحرور (1/2)

تهافت التفسير الماركسي للإسلام عند شحرور (1/2)
هوية بريس – أحمد الشقيري الديني
يكاد يكون الدكتور محمد شحرور المرجع الأكثر شهرة الوحيد والمركزي لدى المدرسة التنويرية المعاصرة المعادية للطرح التراثي الفقهي للإسلام، ونعني بهذا الأخير تراث المذاهب الأربعة وغيرها من الاجتهادات الفقهية القائمة على الأصلين: الكتاب والسنة وثالثها الإجماع؛ أداتها النظر الفقهي القائم على التقيد بأصول وقواعد تم إنتاجها منذ القرن الأول لضبط فهم الوحي واستنباط الأحكام الشرعية منه، وسار عليها علماء الإسلام لقرون .
في العقود الثلاثة الأخيرة أصبح الإسلام يشكل تحديا لدوائر اتخاذ القرار الدولي، بل ويهدد الحضارة الغربية بزعمهم؛ برز ذلك على الخصوص في ثلاث محطات رئيسية استفزت العقل السياسي الغربي وجعلته ينظر للإسلام باعتباره عدوا وتهديدا يجب مواجهته وإسقاطه من معادلة الصراع الدولي؛ وهذه المحطات الثلاث هي:
أولا: أحداث الحادي عشر من سبتمبر في قلب الولايات المتحدة الأمريكية والتي ترتب عنها إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام وشن حربين في افغانستان والعراق..!
ثانياً: ثورات الربيع العربي مطلع العقد السابق والتي أبرزت الإسلاميين باعتبارهم القوة الأولى المهيأة لحكم المنطقة بديلا عن الأنظمة الموالية للغرب، والتي سقط منها ستة حكام في مصر وتونس واليمن وليبيا وسوريا والجزائر، وهذا بالطبع يهدد المصالح الغربية في منطقة هي الأولى عالميا في مخزون الطاقة التي تمثل شريان الاقتصاد العالمي.
ثالثا: هجوم السابع من أكتوبر على الكيان الإسرائيلي الغاشم؛ حيث أبان عن صمود أسطوري للمقاومة الفلسطينية بقيادة حركة جهادية تمتح من المرجعية الإسلامية التي يتربى في أحضانها جيل يهدد اسرائيل بالزوال، ما يعني تغييب أكبر قاعدة غربية أو العصا الأمريكية في المنطقة التي تسهر على تأديب كل من سولت له نفسه الخروج عما ترسمه الدوائر العالمية المهيمنة.
شكلت هذه التحولات الضخمة قلقا لدى دوائر اتخاذ القرار الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، فأمسى رأس الإسلام – وليس الحركة الإسلامية فحسب – مطلوبا..!
نشأت على إثر هذه النتيجة التي توصل إليها المراقب الغربي، مراكز لتحريف الإسلام والتشكيك في مصادره والعبث بأركانه في أفق استبداله بديانة جديدة تحت مسمى “الديانة الإبراهيمية” التي تسوق لها الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب موازاة مع اتفاقات أبراهام التي تفرض على الدول العربية والإسلامية؛ والغاية إحداث دين مندمج في الديانتين اليهودية والمسيحية يقبل باحتلال الأراضي المقدسة باسم الأخوة الدينية والتسامح.
وتحضيرا لهذا العبث والتحريف نشأت هذه المراكز، مثل “مركز تكوين” و”منصة مجتمع” والتي استدعي إلى إدارتها رؤوس الإلحاد في الوطن العربي أمثال أدونيس والشرفي وأضرابهم لتقديم قراءة حداثية للإسلام تلبي المشروع الكبير لهدم أركانه وتحريف مصادره، وتقديم إنتاج جديد بعناوين جذابة مثل الحداثة والتنوير، وتقديمه لجيل المستقبل العاكف على مواقع التواصل الاجتماعي بدون زاد علمي شرعي متين.
سيتم استدعاء القراءة المعاصرة للقرآن التي قدمها الدكتور محمد شحرور منذ أزيد من ثلاثين سنة باعتبارها تحتوي على العناصر الضرورية لتحريف الإسلام كما سنبينه بالتفصيل في الحلقة الثانية من هذا المقال.
قبل نهاية هذه الحلقة أريد فقط أن أشير لمسألتين مهمتين:
المسألة الأولى: أن شحرور ما كان ليأخذ هذه الشهرة ويتبوأ قيادة مشروع تحريف الإسلام لولا أن استضافته قنوات عربية وتبنى طرحه تلاميذه الذين نشروا فكره على مواقع التواصل الاجتماعي أمثال العديرقاوي ويوسف أبو عواد وعادل عصمت وغيرهم..!
المسألة الثانية: الدكتور المهندس شحرور تأثر بالفكرة الماركسية لأنه درس بموسكو مطلع الستينات، وهي مرحلة تألق الفكر الماركسي واستقطابه لعدة أجيال في الوطن العربي باعتباره أداة إيديولوجية للتغيير.
سنرى في الحلقة المقبلة، إن شاء الله، كيف أسقط شحرور نظرية التناقض التي يقدمها الدرس الماركسي، على مفاهيم إسلامية مركزية، من أجل تغيير العقل الجمعي وخلخلة الأنظمة في المنطقة العربية.
والغريب أن الذين يسوقون للطرح الشحروري من الدول العربية ويغدقون الأموال بالملايير على منصة مجتمع التي تقدمه المنقد من الضلال، لا يدركون أنهم يخدمون أجندة تهدد استقرارهم..!
فالدكتور شحرور بذكائه أدرك أن المجتمعات العربية هي مجتمعات بطبيعتها متدينة، ولا يمكن أن يحصل تغيير بداخلها إلا من منطلق ديني، فلم يحافظ من النص الديني إلا على القداسة، ثم راح يحرف ويؤول هذا النص ليوافق أطروحته الماركسية كما سنبينه بالتفصيل في الحلقة الثانية بحول الله وقوته.



