تهدئة الصحراء الغربية ونتائجها (1935م)

هوية بريس – ذ.إدريس كرم
فتح احتلال الأطلس الصغير خلال شهري يبراير ومارس من عام 1934 آفاقا جديدة لتحقيق سيطرتنا الفعلية على كامل النواحي الخالية، التي تعترف المعاهدات بحيازتها، والممتدة من جنوب الجزاير والمغرب إلى موريطانيا.
لم يكن هذا الجزء من الصحراء مجهولا تماما بالنسبة لنا، إذ سبق أن قامت قوات مشاة مهاريس تابعة لكتائبنا الصحراوية في الجزاير، أو مجموعات الرحل (مجندون من قبل فرنسا) من موريتانيا، بعمليات استطلاع أو ملاحقة المغيرين من هناك، لكن إذا مكنتنا جميع هذه البعثات الإستطلاعية من معلومات قيِّمة، فسنثبت لاحقا قواعد لعمليات صحراوية في هذه الناحية.
ومع ذلك، لن يكون بالإمكان استكمال هذه البعثات لتمركزنا في هذه الأراضي الصحراوية، بسبب البعد الهائل الذي يفصل الوحدات التي بقيت في قواعدها التموينية بالجزاير أو موريطانيا.
أتاح توسيع الإحتلال الفرنسي إلى واد درعة، عقب عمليات التهدئة في جبال الأطلس الصغير عام 1934.
إمكانية الدفع سريعا لغاية لحمادة درعة، بشبكة مسالك الآليات في جنوب المغرب، وبذلك توفر خط اتصال قصير نسبيا (ميناء أكادير لا يوجد إلا على بعد 450كلم من مسلك لحمادة درعة) مما يسهل نقل المعدات والمواد اللازمة للعمل في الصحراء الغربية سيرا على الأقدام.
1- مرحلة تهدئة الصحراء الغربية: احتلال تندوف
جاءت هذه المرحلة الأولى مباشرة بعد انتهاء العمليات في جبال الأطلس الصغير في 31 مارس، حيث تم احتلال واحة تندوف، التي تبعد 275كلم عن أَقَّا، وهي الواحة الوحيدة بين جنوب المغرب وموريتانيا، وبدأ على الفور بناء مركز عسكري فيها.
انطلقت من تندوف مفرزة آلية في 7 أبريل لتلتقي من بئر الكردان مع عناصر مفرزة قدمت من موريطانيا، وقامت خلال رحلتها باستطلاع طريق الآليات تندوف-عين بن تلِّي، الذي سيصير مسلكا مستقبليا، بين المغرب والسنغال.
شكل احتلال تندوف خطوة هامة، في تهدئة الصحراء الغربية، أصبح لدينا الآن على طول الأراضي التي تستخدمها القبائل التي تمارس حياة الترحال، قاعدة صحراوية متقدمة، ستمكننا من توسيع عملياتنا جنوبا.
2- المشكلة الأمنية في الصحراء الغربية
كان الهدف من هذا الإجراء هو ضمان أمن خطوط الإتصال بين المغرب والسنغال، وبين الجزاير والسنغال، وترسيخ وجودنا في جميع أنحاء هذه المنطقة الصحراوية، قبل استعراض التدابير المتخذة لتحقيق هذا الهدف.
من المفيد التذكير بخصائص السكان القاطنين في هذا الجزء من الصحراء وهو عامل بالغ الأهمية في المشكلة الأمنية يشمل هؤلاء السكان قبائل رحل أبرزها:
اتحاد تكنة الذي تنتشر بعض فصائله من غرب وادي نون في رأس بوجدور، ومن المحيط إلى ما وراء تندوف، وقد خضع هذا الإتحاد إلى حد كبير، بعد عملياتنا في الأطلس الصغير، ولم تعد تشكل عنصرا معاديا.
يتكون اتحاد الرقيبات؛ من قبائل رحل تتنقل بين لحمادة والساقية الحمراء، وأدرار الموريطانية، من تيريس إلى الخنك وإيلكيدي، وتنقسم لمجموعتين: رقيبات لقواسم الموجودة في الشمال، ورقيبات الساحل الذين هم أكثر ترحالا، ويتجهون جنوبا نحو أدرار الموريطانية.
وبذلك تمتد منطقة ترحال الرقيبات على جانبي الصحراء الفرنسية والصحراء الإسبانية، ونظرا لعيشهم في جماعات صغيرة، وتنقلهم عبر مساحات شاسعة، يعتبرون مراوغين، وتتمحور حياتهم حول البحث عن المراعي لقطعان جمالهم.
وتملي الظروف المناخية تحركاتهم، اعتمادا على توفر المراعي بعد هطول الأمطار، وهم يتمتعون باستقلالية كبيرة، ونادرا من يخضعون لأية سلطة، وقد اضطرت بعض الفخذات بفعل الظروف إلى القيام بالترحال قريبا من مراكزنا الموريطانية، مما يعد بمثابة استسلام، لا عواقب له تذكر، لأنه بعد انتقالها، سمحت لها المسافة بالفرار من تأثرها بالعلاقة بنا، هذه الفخذات نفسها كما في السابق ستشارك ضمن صفوفنا لاحقا.
لم يكن من الممكن إنشاء مراكز دائمة في كل مكان، على امتداد الصحراء الفرنسية، قد يضطر رعاة الرقيبات للترحال، مما يفرض علينا تعزيز قدراتنا على التدخل والسيطرة جنوب لحمادة درعة، بين واد الذهب الإسباني وعرك إيغيدي، ومسح وتطوير طرق آليات شمالية جنوبية، وشرقية غربية، وإنشاء عدد من المراكز المؤقتة أو شبه الدائمة، لتكون بمثابة نقاط إمداد لوحدات المركبات الآلية، ومهاريس بوليس الصحراء، وأخيرا تقوم شركة E.A. أيضا بتحديد مسارات الطيران، مع مهابط طوارئ عند الحاجة، أو للتزود بالوقود.
3- القيادة الموحدة للتخوم الجزائرية المغربية
كانت القوة الأمنية الصحراوية في الصحراء الغربية المتاخمة لموريطانيا، محل اهتمام المغرب والجزاير وموريطانيا، ولضمان تهدئة هذه المنطقة الصحراوية في أفضل الظروف الممكنة، وتحقيق التنسيق اللازم للجهود، أنشئت قيادة جديدة لمنطقة الحدود الجزايرية المغربية، حددت مسؤولياتها الأساسية بموجب مرسوم صادر في 3 غشت 1933، وتم انشاؤها في فاتح ماي 1934 مكونة من:
– من الجزاير، ملحقة الساورة، وجزء من ملحقة اتوات.
– من المغرب، مناطق: نُون، باني، وكلاوة المحاميد.
– من إفريقيا الغربية الفرنسية A.O.F كامل المنطقة الواقعة شمال خط العرض 25.
عين الكولونيل ترينكيه بصفته القايد العسكري لمنطقة العين الصفراء، كوصي على القيادة، ومكلفا بإنشاء القيادة بتزنيت، ووضع رهن إشارته لتنفيذ ذلك قوات نظامية (معظهمها آلي) وقوات مساعدة تابعة لقوات احتلال المغرب، و19C.A وتحديدا وحدات قوات موريطانية متمركزة شمال خط العرض 25.
وضع برنامج عملية صحراوية خلال شتاء 1934؛
نص هذا البرنامج الذي تمت صياغته النهائية بعد اتفاق بين المقيم العام للمغرب، والحاكم العام لغرب افريقيا الفرنسية، وموافقة وزير الحرب ونص على:
1- إرسال بعثات اتصال إلى عيون عبد المالك، وبير مكرين، يقوم خلالها ممثلوا المغرب وموريطانيا بالتواصل مع بعضهم البعض.
2- إنشاء مركز دائم في بير مكْرين، وإنشاء مراكز شبه دائمة في عين بنْتَلِّي، وبير كردان، وأكمار، واعْوِنَتْ لكْرار، وعيون عبد الملك.
3- تهيئة طرق تربط هذه المواقع المختلفة وإنشاء مهابط طائرات طارئة.

استعدادا لتنفيذ هذا البرنامج، نُفِّذت طلعات استطلاعية بواسطة مفارز آلية، ومهاريس، في شهري يوليو وأكتوبر 1934 وصلت إلى أكمار، وبير مكرين، حيث أنشئت مستودعات وقود، وجهزت مهابط طائرات.
بعد الإتفاق على مواقع نقاط الإتصال المخطط لها بين ليوطنا كولونيل حاكم موريطانيا، والكولونيل كمندار التخوم الجزائرية المغربية اتخذا الإجراءات التالية:
على التخوم أخذت فصيلتان من فيلق ميهاريس اتوات الطريق إلى أدرار عبر عيون عبد المالك، وبوبرنوص، شِكَّا وامْزِيرَبْ، كما أرسلت فصيلتا مهاريس من الساورة إلى أكْمار مع بعثة في 7 دجنبر، مهمتها حراسة نقط الماء، وأرض المطار، أخيرا شكلت بتندوف وحدات آلية ابتداء من 6 دجنبر، إحداها كلفت بأوامر مباشرة من الكولونيل اترينكات بتنفيذ مهام الإستطلاع والإتصال المخطط له.
على الجانب الموريطاني مجموعة رحل شناقطة تلقوا الأمر بالتوجه لعيون عبد المالك، والتعرف على مجموعة خَنْك أثناء تنقلهم، مجموعة الرحل بإدجيل أرسلت إلى بير امُّكْرِين، التي كان من المقرر أن تصلها في 10 دجنبر، إذ كان من المقرر أن تقوم مركبة نقل آلية بدعم من السنغاليين، بنقل المسؤولين الذين عينهم ليوطنا حاكم موريطانيا عند المعمر شازيلاس لاستلام مهامهم بصفة دائمة.
4- التنسيق بين مختلف الوحدات
في عيون عبد المالك وبير امُّكرين وصلت المجموعة الآلية المكلفة بتأمين مسيرة المفارز الأخرى الخارجة من تندوف، يوم 7 دجنبر، والتي ستصل في الغد لعين بن تلِّي، حيث أقيم مركز التموين المتقدم، غادر الكولونيل اترينكيت تندوف في 11 دجنبر برفقة مفرزة استطلاع مكونة من 15 مركبة، وكان يسعى للوصول إلى عيون عند المالك، عبر بوغرافة واعوينت لغراس.
في 12 دجنبر مرَّ بعْوِينَت لغْراس، متقدما يوم 13 لاجتياز يِـتْـلِي، ملتفا يوم 14 دجنبر حول عَرْك تكْدِي بحثا عن ممر في وديان وعرة، وقد وصل أخير يوم 15 دجنبر إلى عيون عبد المالك، حيث وجد فصيلتي مهاريس اتوات ومجموعة الرُّحل الشناقطة، التي وصلت منذ 13 دجنبر لعين المكان.
في غضون ذلك، تابعت المجموعة الرئيسية -للكولونيل- مسلك تندوف-عين بنْتَلِّي، آخذة طريقها يوم 13 من نفس مكانها بعيون عبد المالك، عبر مسار مباشر غير معروف، ولم تصل إلا في 16 بعد مواجهاتها صعوبات جمة في عدد من الأودية، والمهاوي الرملية.
وصلت المفرزة الآلية الموريطانية لإيدْكِيل، بعد قضائها يوما طويلا في خَنْك، وتضييعها يوما كاملا في الإلتفاف حول تيرك إيكيدي غربا، لتصل يوم 16 إلي عيون عبد المالك حيث تحقق تلاقي الوحدات في تزنيت بالطائرة التي هبطت في 20 العشرين من الشهر بأغمار، وتواجدت في بير موكرين يوم 21 دجنبر بعدما استعادت الوحدات المختلفة من كونفين وموريطانيا الاتصال.
انفصلت الوحدات الآتية من كونفين وموريطانيا في 23 دجنبر بعد إتمام المهام الموكلة لها بالكامل.
الـنتـائـج
كانت النتائج التي تحققت خلال عمليات الإتصال الصحراوية هذه كبيرة.
أولا تم مسح وتحسين الطريق بين المغرب والسنغال، مرورا بتندوف وعين بنتلي وحصن كورو (كدية أدْجيل) وقد أصبح هذا الطريق مفتوحا أيضا كطريق جوي، وهو مزود بمهابط طوارئ، ومستودعات بنزين، إلا أنها ما تزال بحاجة لوضع علامات عليها.
علاوة على ذلك، فإن الطريق الجزايري السنغالي الذي يمر عبر كولومبشار، بوبرنوص، شيكَّ بيل الزعيم، كدية إدجيل، أطار، مجهز أيضا كمسار جوي يمكن استخدامه من قبل الطائرات العامة على خط الجزاير السنغال، وفي المستقبل سيكون من الضروري وضع علامات عليه، وإنشاء مهابط طوارئ إضافية في الجزء الموريطاني منه.
أما الصحراء الغربية الفرنسية، فهي الآن مغطاة بشبكة واسعة من مسالك الآليات، التي تربط المراكز الدائمة وشبه الدايمة المقامة بالقرب من الآبار.
تتيح هذه الآلية السيطرة الفعالة على المراعي باستخدام الوحدات الآلية والمهارس، لمراقبة المراعي، ويمكن منع حرية تنقل فخذات الرحل التي ارتكبت أعمالا عدوانية ضدنا، وبذلك نمتلك ضمانة أمنية هامة للمستقبل.
أما الناحية السياسية، فلا تقل أهمية عن النتائج السابقة المتحققة أهمية، فقد استجاب وجهاء من مختلف فصايل رقيبات لقواسم، للإستدعاءات الموجهة لهم، وقدموا أنفسهم للكولونيل قائد الحدود خلال جولاته، وعند اصطحابهم إلى بير مكرين أكدوا وجود توافق تام بينهم وبين ممثلي تخوم موريطانيا، وبذلك ستنتهي سياسة الإبتزاز التي مارسها الرحل ضد مراكزنا الموريطانية والجزايرية، وسعيهم لمعارضة أسلوب عملها.
خلال مؤتمر عُقد في بير مكرين توصل الكولونيل ترينكت والمدير شازيلاس، إلى اتفاق حول القواعد التي يعرفها قراؤنا، والتي تحل جميع المسائل التي تهم كل ما يتعلق بالتدبير الداخلي للتخوم الجزايرية والمغربية والموريطانية، بروح من التعاون الوثيق يتيح توحيد العمل السياسي عند الرحل، ويقدم مسودة للخطة التنظيمية لتنمية الصحراء الغربية.
ممثلو البلاد الشاطئية قرروا أيضا المضي قدما في تبادل الرأي، حول العلاقات الجديدة بشكل منتظم.
الـمـسـتـقـبـل
الصحراء الغربية كغيرها من مناطق الصحراء الكبرى، تكاد تخلو من أي قيمة جوهرية. فحتى لو احتوت في باطنها على رواسب معدنية، فإن استغلالها ولا سيما نقل الخام إلى ميناء الشحن، سيستلزم تكاليف باهضة تجعل استخدامها غير ممكن، إلا إذا كنا نتحدث عن المعادن الثمينة، بالسعر الحالي للنقل بالسيارات في منطقة الصحراء (3 فرنك 53 للطن الكلمتري من جنوب المغرب، 5 فرنك 50 في موريطانيا) لا يمكن استخدام الطرق المعروفة كمسارات تجارية بين المغرب والسنغال.
ومن المؤكد أن المسالك التي تربط شمال إفريقيا حاليا بغرب إفريقيا الفرنسية A.O.F باتجاه الصحراء الغربية ستظل لفترة طويلة حكرا على الرحلات الجوية الإمبراطورية، لنقل البضائع في أوقات الأزمات، إذا ما هدد المحيط الأطلسي حرية اتصالاتنا، فهي تتيح نقل البضائع والإمدادات والمعدات، وإن كان ذلك مكلفا بيد أن لدينا الآن مسارا جويا صالحا للإستخدام من أكادير إلى دكار، لا يمر بالكامل فوق الأراضي الفرنسية، وهو ليس أطول من المسار الذي تسلكه رحلاتنا الحالية إلى دكار وأمريكا الجنوبية، والتي تتوقف فوق رأس جوبي، وتحلق على طول نهر وادي الذهب الإسباني، الذي ما يزال مشتعلا، ويبدو أن استخدامه يستحق اهتمام شركات الملاحة الجوية لدينا، وأن يكون موضوع دراسة.
من الناحية الإقتصادية، يُثير النشاط التجاري للمراكز التجارية المُقامة في رأس جوبي (طرفاية) قلقا بالغا، فالبضائع التي تُفرغ في رأس جوبي، والتي لا تخضع للرسوم الجمركية، ولا تتطلب تكاليف نقل، تُباع للسكان المحليين بأسعار لا يمكن مجاراتها في أسواقنا الصحراوية، في نُونْ، ودرعة، وتندوف، وسيكون من الصعب للغاية الحفاظ على الزبائن الرحل الذين يتوجهون بالفعل نحو المراكز الإسبانية، منذ فترة في أسواقنا. ولعل إنشاء مناطق جمركية حرة في المناطق الحدودية هو السبيل الوحيد لمواجهة هذه المنافسة من المنتجات الإسبانية.
أما بالنسبة للسياحة الصحراوية، فلا يبدو أنها مهيأة لنمو ملحوظ، فالرحلة إلى هذه المنطقة الصحراوية أقرب إلى مُغامرة رياضية، منها إلى وجهة سياحية مضمونة، علاوة على ذلك ونظرا للوضع الراهن فإن مسارات الصحراء الغربية، لا تشجع على حرية التنقل إذ ينطلق منها الغزاة من الصحراء الإسبانية، والتي ما تزال خارجة عن سيطرة جيراننا.
ما تزال مشكلة الأمن في الصحراء الغربية عالقة دون حل، ويتوقف حلها الآن على موقف اسبانيا من الأراضي الصحراوية الخاضعة لسيطرتها، وهل ستواصل توسعها الإستعماري هناك؟
إن اهتمامها الشديد بالشؤون الإستعمارية حاليا، في أعقاب النجاحات الأخيرة التي تُوجت بها جهودها هناك، يشير إلى أنها ستفعل.
لن تتحقق تهدئة الصحراء بشكل نهائي وكامل، إلا بنزع سلاح جميع كبراء الرحل الرئيسيين، والذي نأمل أن يتحقق قريبا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنظره في:
La pacification du sahara occidental
et ses consequence
Bulletin du comite de l.afrique francaise 1935.pp225-229



