حكم التدخين

هوية بريس – د.قاسم اكحيلات
مثل هذه الفتاوى المتجاوزة طريقٌ إلى إفساد الأبناء والبنات والزوجات كذلك؛ فهي لها لوازم قال بها بعض من أباح، فمن ذلك أن الزوجة إن اعتادت شرب الدخان تَفَكُّها وجب على الزوج توفيره لها ضمن حقها في النفقة، وأخرى فيها أنه ليس للزوج منع زوجته من ذلك لأنه لا يمنع الوطء. [الموسوعة الفقهية الكويتية (10/112)]. إذ لا يعقل أن تبيحه لنفسك وتمنع زوجتك وابنتك وابنك!.
اختلف العلماء قديما في حكم التدخين، كاختلافهم في حكم الشاي والقهوة، بين مبيحٍ ومحرِّم. يُراجع في ذلك كتاب: [من الشاي إلى أتاي]. وألف في الدخان ما يقرب من تسعين كتابا في بيان حكمه، أُلِّف في تحريمه: إبراهيم اللقاني، وعبد الكريم الفكون الطرابلسي، ومحمد بن جعفر الكتاني، واللكنوي، وله كتاب [ترويج الجَنان بحكم شارب الدخان]، وغيرهم. وممن كتب في إباحته: الأجهوري، وله رسالة [غاية البيان لحلّ ما لا يُغيب العقل من الدخان]، وعبد الغني النابلسي في رسالته [الصلح بين الإخوان في إباحة الدخان]، ولأحمد بابا السوداني رسالة في إباحته، وقصيدة في منافعه. يُراجع: [حكم الدخان وطابة، لعبد الحي بن الصديق (ص:8)].
أما من حرم فقد استدل بأدلة منها :
1. أن الدخان يُسكر في ابتداء تعاطيه إسكارًا سريعًا بغيبةٍ تامة، ثم لا يزال في كل مرةٍ ينقص شيئًا فشيئًا حتى يطول الأمد جدًا.
ويجاب عنه: أن هذا غير صحيح، فالتدخين لا يُسكر أصلًا.
2. إن قيل: إنه لا يُسكر، فهو يُحدِث تفتيرًا وخَدَرًا لشاربه، فيُشابه أولية الخمر في نشوتها، وقد قالت أم سلمة رضي الله عنها: «نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر، ومفتر». [سنن أبي داود (3/370 ط مع عون المعبود)].
ويجاب عنه: بأن الحديث ضعيف، وهو مخرج في ديوان الحديث: (https://diwan-ahadiths.com/hadith/1224/).
3. أنه يترتب على شربه الضرر في البدن والعقل والمال؛ فهو يُفسد القلب، ويُضعف القوى، ويُغيِّر اللون بالصفرة، ويتولد من تكاثف دخانه في الجوف الأمراضُ والعلل.
ويجاب عنه: بأن الضرر على نوعين: ذاتيٌّ وعارِض، فالدخان من العارض؛ إذ لا يضر إلا أشخاصًا معينين، فمن الناس من يضره اللبن والسكر، فلا يصح تعميم الحكم بالتحريم على الجميع.
4. في التدخين إسرافٌ وتبذيرٌ وضياعٌ للمال.
ويجاب عنه: بأن صرف المال في المباحات على هذا الوجه ليس بسرف؛ لأن الإسراف هو التبذير، وفسَّر ابن مسعود رضي الله عنه التبذيرَ بأنه إنفاق المال في غير حقه، فإذا كان الإنفاق في حقه ولو كان مباحًا فليس بسرف، وإلا للزم مثل ذلك في الشاي والقهوة.
5. أن النفس تستخبثه، والله تعالى يقول: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:157].
ويجاب عنه: بأن هذا لا ينهض؛ لأن الاستخباث لا يُرجَع فيه إلى مطلق النفوس، فالناس يختلفون، كاختلافهم في أكل الحلزون، وكأكل الصحابة رضي الله عنهم للضب مع استقذار النبي ﷺ له.
6. أن رائحته كريهة، وذلك من خبثه، وهو محرم، ولا سيما أنه يؤذي غيره.
ويجاب عنه: أن هذا يقتضي تحريم البصل والثوم والكراث، وهي غير محرمة، وإنما نُهي عن رائحتهما لأجل الصلاة، ويمكن في الدخان اجتناب الأذى بغسل الفم ونحوه.
أما من أباح فقد استدل بأدلة منها :
1. أنه لم يثبت إسكاره ولا تخديره ولا إضراره، وقد عُرف ذلك بعد اشتهاره ومعرفة الناس به.
ويجاب عنه: أن هذا مكابرة، بل له أضرار كثيرة معلومة؛ فهو يسبب سرطان الحنجرة، والسكتة القلبية، والسل، وغيرها..
2. أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد نص بالتحريم.
ويجاب عنه: أن الأدلة على تحريمه كثيرة سبق ذكرها، ولا يراد بالدليل القرآن والسنة فقط، فمنها أصول الشريعة وقواعدها والقياس وسد الذرائع ودرء المفاسد وإزالة الضرر.
3. إن فُرض إضراره لبعض الناس، فهو أمر عارض لا لذاته، فيحرم على من يضره دون غيره، ولا يلزم تحريمه على الجميع؛ فإن العسل قد يضر بعض الناس وربما أمرضهم، مع أنه شفاء بالنص القطعي.
ويجاب عنه: أن ضرر التدخين أكبر من نفعه، وأن ضرره حتمي، وإن كان بطيئًا متدرجًا. وتعليق الأمر بالأفراد ليس مما جاءت بالشريعة، فلا يقال بأن الخمر مباح لمن لا يسكره مثلا!.
والحق أن التدخين محرم لضرره الثابت القطعي، وأن ضرره أصلي فلا يقاس على الطعام ونحوه مما قد يضر في حال خرج عن حده، ثم الطعام ضرورة عكس الدخان، فلم نسمع أن فلانا مات لأنه لم يدخن، ومن أباح لم يقف على ضرره، لهذا كثير منهم علقه على انتفاء ضرره، يقول محمد بن جعفر الكتاني في مناقشة الشيخ مرعي و-هو من أباح-: «وكأنه رحمه الله لقرب العهد بظهور التدخين، لم يتحقق عنده إضراره الغالب». [إقامة الحجة والبرهان (ص:159)]. وهذا أمر طبيعي فهو كان جديدا عليهم، أما وقد ظهر ضرره واستبان فلا يصح القول بحليته.



