“خطبة الأربعاء” أو حين يُغَيَّبُ المتنُ وتُهَمَّشُ المعاني

هوية بريس – د.مصطفى قرطاح
النظر في خطبة الأربعاء التي جاءت بمناسبة ذكرى تقديم وثيقة الاستقلال وحملت عنوانها يفضي إلى أن هذه الخطبة ليس لها من علاقة بالموضوع إلا كعلاقة من يمر على قوم فيلوح إليهم بيده مشيرا بالتحية ثم ينصرف..
فالخطيب القارئ للخطبة عليه أن يمر على أربعين سطرا حتى يجد ذكرا للحدث، مجردا عن مضمونه وسياقه التاريخي والفاعلين فيه من علماء المغرب ونخبته المثقفة. ثم يمضي القارئ إلى الخطبة الثانية فلا يجد فيها إلا سطرا واحدا ونصف يذكر بالحدث أيضا.
أما المستمع فعليه أن يستمع إلى حوالي 421 كلمة قبل أن يطرق سمعه شيء اسمه وثيقة المطالبة بالاستقلال، ثم إنه لن يتلقى في الخطبة الثانية إلا جملة يتيمة تذكره بالحدث، ثم يستمع إلى معان مستخلصة تصلح لكل مناسبة تاريخية، لكنها تغيب المعنى الأساس المستفاد من الحدث الرئيس: تقديم وثيقة الاستقلال.
وخلاصة النظر الكمي، فإن الحدث لم ينل من الخطبة إلا سهما لا يتجاوز الخمسة بالمئة من مجموع متن الخطبة، أما المعاني فحصيلتها تكاد تصل إلى الصفر.
إذا ما أخذنا بعين الاعتبار منهج القصص في القرآن الكريم، وما جرت به عادة المدرسين للتاريخ والمؤلفين فيه من تذكير بالعبر والعظات المستفادة من كل حدث تاريخي بعد توثيقه والتحقق من مدى صحته، فإن الخلاصة التي ينتهي إليها النظر في هذه الخطبة هي أنها غيبت المتن وضيعت المعنى…
فلم تذكر الخطبة ولا فقرة واحدة من الفقرات الهامة من وثيقة الاستقلال، ولا أشارت إلى اسم واحد من أسماء الموقعين عليها، ولا ذكرت بالسياق المحلي والإقليمي والدولي الذي وضعت فيه تلك الوثيقة، مع أن كل هذه الحيثيات تصلح أن يتحلق حولها كبار العلماء والمفكرين والمثقفين والسياسيين والمصلحين، وينشغلوا بدراستها، بحكم أهميتها التاريخية وعمقها الاستراتيجي وقوتها الأسلوبية
لكن السؤال الذي يعن هو: لماذا تتجاهل هذه الخطبة التذكير بالتن؟ ولماذا تصر على تغييب المعاني؟
طبعا الجواب سيتعدد ويختلف بتعدد زوايا النظر واختلاف التقديرات، لكن مهما يكن، فيجب أن نأخذ في الحسبان أن هذه الوثيقة بمضمونها وسياقها والموقعين عليها تفند أطروحة السيد الوزير حول مكانة العلماء ودورهم، تلك الأطروحة التي نص فيها على أن العلماء هم الذين في حاجة إلى السلطان وليس العكس، بتأويل شاذ وغريب لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:59]، ومن ثم تجرأ على تخطئة الفقيه الحسن اليوسي متهما إياه أن رسائله التي وجهها إلى السلطان المولى إسماعيل وراءها أهداف سياسية ليس إلا.
وثيقة المطالبة بالاستقلال تأتي على أطروحة السيد الوزير بالنقض من الأساس، فهاهم علماء المغرب يتحملون مسؤولياتهم التي ورثوها عن النبي صلى الله عليه وسلم بموجب قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب:39] فيسندون السلطة السياسية في ذلك الوقت وهي في أضعف ما تكون من أحوالها، ويدعمون جلالة الملك المغفور له محمد الخامس دون من ولا أذى، ويدعونه إلى قيادة الإصلاح المنشود للمغرب. كما يطالبون الاحتلال الفرنسي بالرحيل، بعدما فضحوا مخططاته الحقيقية، وكشفوا نقضه للعهود التي قطعها على نفسه في عهد الحماية، ومن جملة تلك المخططات ما يزال بعض أذناب الاستعمار حريصين على استمرارها قائما إلى اليوم، كالتمكين للغة الفرنسية في التعليم والإدارة، في معاكسة صريحة الدستور.
في الوثيقة تأكيد لعلماء المغرب على وعيهم التام بالتحولات السياسية والاستراتيجية التي وقعت بعد الحرب العالمية الثانية، وحرصهم على استثمار هذه الظروف لصالح أن ينال الشعب المغربي حريته أسوة بكثير من الشعوب الأخرى، وتعاملا بالند مع قوى الحلفاء التي عملت على التخلص من الاستعمار النازي بلدانهم،
وفي الوثيقة أيضا تأكيد على العلاقة الحيوية الوطيدة بين المغرب ودول المشرق، وهي العلاقة التي يعمل السفهاء على تقطيع أوصالها عبر الحديث عما يسمى “تمغرابيت” وغير ذلك من المصطلحات الشاذة..
لا شك أن من يطلع على ما قام به علماء المغرب في ذلك الوقت ثم يقارن ذلك بالدور الذي يقوم به بعض علماء المغرب اليوم، يشعر بالحزن والأسى للمستوى الذي تردى إليه التأطير العلمي والديني بالمغرب، وما ذلك إلا بفعل السقف المنخفض الذي حرص السيد الوزير على أن يضعهم تحته، ويضع معهم الخطباء أيضا، فلذلك جاءت هذه الخطبة بهذا المستوى الهزيل: منهجا ومضمونا وضيعت على المغاربة فرصة ثمينة لاستنشاق عبق تاريخهم المجيد، وللتشبع بالروح الوطنية، وتحمل المسؤولية نحو دينهم وطنهم وملكهم، ولاقتباس المعاني والعبر القريبة من الحدث، بعيدا عن الخطاب المغرق في العموميات والمطلقات.
أقيموا صلاتكم يرحمكم الله.



