دفاع “عصيد” عن التوفيق والخطبة الموحدة ثناء أم شهادة إدانة؟!

09 يناير 2026 11:13

دفاع “عصيد” عن التوفيق والخطبة الموحدة ثناء أم شهادة إدانة؟!

هوية بريس – عابد عبد المنعم

ليس كل مدحٍ كرامة، فبعض الثناء قد يكون شهادة إدانة، وهذا الأمر يتأكد حين يصدر الثناء من جهة عرفت طول مسيرتها بعدائها الصريح للثوابت التي يُفترض أن المدح جاء دفاعا عنها. في هذا السياق يكتسب دفاع المتطرف “عصيد” عن وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، وعن خيار توحيد خطبة الجمعة، دلالة تتجاوز ظاهر الكلام إلى ما هو أعمق وأخطر بكثير.

فعصيد ليس ناقدا محايدا للشأن الديني، بل صاحب عقيدة وأيديولوجيا ومواقف موثقة اعتبرت الدين الإسلامي “خرافة”، ووصفت رسائل النبي محمد ﷺ بالإرهابية، ولم تتوقف يوما عن ازدراء الأحكام والآيات القرآنية والتشريعات الإسلامية والكتب التراثية. وعليه، فإن انخراطه في الدفاع عن سياسة دينية رسمية يفرض علينا التساؤل: لماذا يصفّق من يعادي الدين لقرار يُفترض أنه يخدمه؟

في تدوينة له، يقدّم عصيد توحيد الخطبة باعتباره “اختيارا مدنيا” يهدف إلى تحييد المساجد ومنعها من التحول إلى منابر للصراع والتحريض. ظاهريا، يبدو خطابه مغلفا بمفردات الاستقرار ومحاربة التطرف. غير أن قراءة السياق الفكري للمدافع تكشف أن المقصود بتحييد المساجد ليس حماية قدسيتها ورسالتها، بل تفريغها من بعدها التربوي والوظيفي، وحصرها في طقس تعبدي منزوع الأثر العام.

الأخطر في هذا الدفاع أنه يعيد تعريف “التطرف” تعريفا فضفاضا، يساوي بين التدين الواعي، والنقد الشرعي، والاختلاف المذهبي من جهة، وبين التحريض والعنف من جهة أخرى. وهو منطق طالما استُعمل لضرب أي حضور للدين في المجال العام، لا لمحاربة الغلو، بل لإقصاء المرجعية الإسلامية نفسها.

من هنا، يصبح ثناء عصيد على التوفيق ليس تزكية دينية، بل تزكية أيديولوجية لسياسة يرى فيها انتصارا لرؤيته العلمانية المتطرفة، تعتبر كل خطاب ديني خطرا محتملا. وهذا ما يجعل هذا الثناء قرينة إدانة أكثر منه دعما موضوعيا؛ لأنه يكشف أن بعض الخيارات الدينية الرسمية باتت تُقرأ من خارج المرجعية الإسلامية كخطوات في اتجاه تحجيم الدين لا ترشيده.

إن النقد الموجه لسياسة توحيد الخطبة، مهما اختلفنا أو اتفقنا معه، لا يمكن قراءته بسطحية، ولا اختزاله في “هجوم لا أخلاقي” أو “في طموح سياسي للسيطرة على المساجد”، كما يحاول المتطرف الذي ذكر اسمه سابقا تصويره. فداخل المجتمع المغربي أصوات علمية وفقهية وأكاديمية وإعلامية.. معتبرة عبّرت عن تخوفها من تسطيح الخطاب الديني، وإفراغ الجمعة من بعدها التفاعلي والتربوي، دون أن تكون لها أي أجندة سلطوية.

فحين ينصبّ من يقدّم نفسه بوصفه “تنويريا” مدافعا شرسا عن الخطاب السلطوي والصوت الواحد، فإنه يعلن أنه لا يمتّ إلى الفكر والتنوير بصلة، ويوقّع بنفسه شهادة سقوطه الفكري كما وقع من قبل شهادة الإله “ياكوش” التي وثقت سقوطه الأخلاقي.

من أجل كل هذا وجه التنبيه أنه حينما نجد خصم الدين في موقع المدافع عن سياسة دينية، فذلك يستدعي مراجعة هادئة وشجاعة وطرح سؤال جوهري: هل نحن أمام تحصين للمساجد، أم أمام إعادة هندسة للدين بما يجعله بلا تأثير ولا إزعاج؟

في المحصلة، ففي السياسة كما في الفكر، ليس كل تصفيق دعما، وبعض الثناء إعلان مبكر عن انحراف البوصلة..

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
8°
15°
أحد
18°
الإثنين
17°
الثلاثاء
15°
الأربعاء

كاريكاتير

حديث الصورة