د.الحضري يكتب: الفطرة ومركزية الإنسان القرآني في تصور فريد الأنصاري

07 يناير 2026 12:46

الفطرة ومركزية الإنسان القرآني في تصور فريد الأنصاري

هوية بريس-د. الحضري لطفي

يرتكز كتاب “الفطرية: بعثة التجديد المقبلة” للدكتور فريد د. الأنصاري رحمه الله على فكرة مركزية تُمسك بخيطين كبيرين:

1. خيط تشخيص لحظة حضارية يرى أنها تستهدف “الفطرة” في الإنسان المسلم.

2. وخيط اقتراح “منهاج فطري” في الدعوة والتربية لاسترجاع الإنسان إلى مدار “العبودية” وبناء “الإنسان القرآني”.

وتُفيد قراءة هذا الكتاب أن د. الأنصاري رحمه الله لا يكتب عن الفطرة بوصفها لفظا عقديا فحسب، بل يكتب عنها بوصفها ساحة صراع، وميزان إصلاح، ومفتاح تجديد، ومعيارا لتقويم العمل الإسلامي المعاصر.

ولكي تتضح طريق المقال منذ البداية، تُعرض محاوره على هذا النسق:

1) ما معنى “الفطرة” عند د. فريد د. الأنصاري رحمه الله؟

2) كيف يصوغ “الخصم” و”المعركة”؟

3) كيف يفهم “تجديد الدعوة” عبر “الفطرية”؟

4) كيف يبني جهازه الاصطلاحي: “الدعوة” في مقابل “الحركة”؟

5) ما أركان “الفطرية” ومسالكها؟

6) ما القوة العلمية والعملية في المشروع؟ وأين تُسجل عليه ملاحظات منهجية وفكرية؟

1. الفطرة “جوهر الإنسان” ومركز اشتغال الدين

يُعرف د. الأنصاري رحمه الله الفطرة تعريفًا وجوديا شديد العمق، ويمنحها وظيفة تفسيرية كبرى في فهم انحراف الإنسان المعاصر واضطراب العمران. ويظهر ذلك في عباراته التي تُقارب الفطرة بوصفها “السر الكامن” و”الجوهر المكنون” و”الصورة النفسانية الأولى”، ثم يربط أي خدش فيها باضطراب المعنى الوجودي للإنسان وبفوضى الأذواق والتصرفات. ويستند في التأصيل إلى النص القرآني الجامع: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾ (الروم: 30)، وإلى الحديث المتفق عليه: “ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه”، ثم يقرأ هذين الأصلين قراءةً تُنتج نتيجة منهجية: يرجع أصل الفطرة إلى التوحيد والإخلاص، ثم تمتد آثارها إلى منظومة الأخلاق والذوق والسلوك والعمران.

ويُحسب لهذا البناء أنه يرفض فصل الفطرة عن “الدين”؛ فيؤول الدين كله إلى “نص” من كتاب أو سنة، ثم يفهم الفطرة بوصفها هيئة الدين الأولى قبل أن تداخلها التشوهات. ويستحضر د. الأنصاري رحمه الله هنا أيضا معنى “الدين” من جهة الذلة والخضوع، ليبني عليه أن خضوع الجوارح لا يستقيم إلا بخضوع القلب، وأن الإخلاص هو مركز البناء.

2. اللحظة الحضارية بوصفها استهدافًا للفطرة

يقرر د. الأنصاري رحمه الله أن طبيعة التدافع الحضاري دخلت مرحلة “كمية ونوعية” جديدة، وأن الرهان الغربي صار يقوم على تدمير الفطرة بما يجعل الأمة قابلة للابتلاع العولمي في الدين والأخلاق والقيم والسياسة والاقتصاد والعمران. ويستعمل لهذا التشخيص صورة مكثفة: “قد تم احتلال الإنسان قبل احتلال الأوطان”. ويضع هذا التشخيص داخل تصور شامل عن “ظلمات الشبهات والشهوات” التي تعصف بالإنسان المسلم فردا وأمة، فتُمسخ الهُوية وتُعيد تشكيل الذوق العام عبر التعليم والإعلام والاقتصاد والسياسة.

ويستند د. الأنصاري رحمه الله في تعزيز هذا المعنى إلى الحديث المشهور: “يوشك الأمم أن تداعى عليكم…”، ثم يستخرج منه “الوهن” بوصفه حب الدنيا وكراهية الموت، ويُعيد تفسير ذلك بأنه فقدان الثقة بالله، وأنه نتيجة:

₋ “مروقه عن مدار العبدية” إلى “شرك الأهواء والشهوات”.

ويتوسع في وصف “التآكل الداخلي” الذي أصاب الأمة عبر قرون، ثم يرى أن الخصم استثمره ببرامج تعليم وإعلام تُحول بعض “المضادات الحيوية” في جسم الأمة إلى مضادات ضدها.

وتُفيد هذه القراءة أن د. الأنصاري رحمه الله لا يصف العولمة بوصفها اقتصادا فقط، بل يصفها بوصفها مشروع “احتلال للوجدان والانتماء والولاء”، أي احتلال الشعور الفردي ثم الاجتماعي. ويستعمل لذلك أيضا نقد “أنسنة الإسلام” بمعنى إفراغه من مضمونه التعبدي الرباني وإحلال الإنسان محل الرب في مركزية التشريع والمعنى.

3. “الفطرية” بوصفها منهاج تجديد

ينتقل د. الأنصاري رحمه الله من التشخيص إلى اقتراح علاجي دعوي: يقول إن العمل الإسلامي المعاصر لن يستجيب للتحدي إلا إذا جدد نفسه أولا بالرجوع إلى “فطرته” في الدين والدعوة، لأن الفطرة المخرومة لا تُعالج إلا بمنهاج فطري. ويُعرف “الفطرية” بأنها منهاج في العمل الدعوي قائم على أصول الفطرة كما يعرضها القرآن والسنة، وأن غايته تخريج نموذج “عبد الله” وفق مقام العبودية الخالصة لله في الاعتقاد والثقافة والاجتماع والسياسة والاقتصاد وسائر مجالات العمران.

ويُبرز الكتاب هنا معلمين شديدي الأهمية:

1. يجعل الإنسان “القضية”: يقرر أن موضوع الدين الإجمالي هو الإنسان في علاقته بربه، وأن دائرة الاستثمار الرئيس للدين هي هذه العلاقة: إما عبودية وإما تمرد. ويستخلص من ذلك أن “الشمولية” الحقيقية تبدأ بإنتاج الإنسان القرآني، وأن الفروع العمرانية تتولد في وقتها من هذا الأصل.

2. يجعل القرآن “مدرسة”: يقرر أن إصلاح الفطرة لا يكون إلا بالقرآن لأنه خطاب الفطرة، وأن محور التربية الفطرية هو تلقي القرآن تخلقا وتحققا، ثم بلاغ ما تلقاه بالطريقة نفسها عبر “مجالس القرآن” بوصفها محاضن الفطرية.

ويفصل في معنى “تلقي القرآن” لا بوصفه تلاوة لفظية فقط، بل بوصفه استقبالًا قلبيا للوحي على سبيل الذكر، مع استحضار آية ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ (ق: 37)، وآية ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا…﴾ (الشورى: 52). ويصوغ من ذلك فلسفة تربوية ترى أن القلب إذا تلقى القرآن بوصفه “روحًا” عاد فاستقام ميزانه، ثم انعكس ذلك على الذوق والسلوك والعمران.

4. معركة الألفاظ

يُخصص د. الأنصاري رحمه الله مساحة مهمة لبيان أن الألفاظ ليست بريئة من الخلفيات الحضارية، وأن إعادة الاعتبار لألفاظ القرآن والمصطلحات الشرعية من مهام الفطرية. ويُجري مقارنة حادة بين مصطلح “الدعوة” ومصطلح “الحركة”، فيرى أن “الدعوة” تعبير إلهي منزل يدل على طبيعة الرسالة القرآنية تأسيسا وتجديدا، بينما “الحركة” تعبير وضعي مرتبط بنسبيته التاريخية ومترجم عن سياق علم الاجتماع السياسي (mouvement). ثم يبني على ذلك نتيجة حاسمة، فيقول:

1. إن “الحركة الإسلامية” تشتغل حول النص.

2. بينما “دعوة الإسلام” تشتغل بالنص وفي النص وتدعو إلى النص.

فالنص في الأولى شعار وفي الثانية مدار.

وتحمل هذه الفكرة في عمقها مطلبا إصلاحيا واضحا: يدعو د. الأنصاري رحمه الله إلى تحرير المجال الدعوي من هيمنة المنطق الحزبي الذي يحصر الفعل في مقاومة الظلم السياسي أو التنافس على السلطة، ثم يضع بدل ذلك منطق “الصناعة بالدين” لا “صناعة الدين بالسياسة”، ويُقرر أن تدبير شأن الدعوة من شؤون الربوبية، وأن المؤمن جندي من جنود الله، مستشهدا بآية التدافع: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض…﴾ (الحج: 40).

5. يرتب “الفطرية” في أركان ومسالك

يُقدم د. الأنصاري رحمه الله “حدا” للفطرية ثم يذكر لها ستة أركان وثلاثة مسالك. ويفيد هذا التقسيم القارئ لأنه يُحول الفكرة من خطاب عام إلى برنامج.

يحدد حد الفطرية بأنه “إقامة الوجه للدين حنيفا خالصا لله، بمكابدة القرآن ومجاهدة النفس به تلقيا وبلاغا” بقصد إخراج النفس من تشوهات الهوى إلى هدى الدين القيم. ثم يعرض الأركان بوصفها “مصطلحات مفتاحية” جامعة:

1. يجعل “الإخلاص مجاهدة” جوهر الفطرية ومحها، ويربط أصل الفطرة بإخلاص التوحيد لله، ويشدد على أن الإخلاص حقيقة تُكابد لا معلومات تُلقن.

2. يجعل “الآخرة غاية” ميزانًا لتقويم صفاء الدين وضبط مسار الدعوة، ويسند ذلك إلى الحديث: “من كانت الآخرة همه…” (رواه الترمذي)، ويستحضر مركزية اليوم الآخر في القرآن والسنة.

3. يجعل “القرآن مدرسة” صبغة عامة للفطرية: تلقيا وتخلقا وتحققا.

4. يجعل “الربانية برنامجا” لتخريج طبقة الدعاة المربين.

5. يجعل “العلم طريقة” لينفي الخرافية والأهواء، ويُقيد الفطرية بالحد الأدنى من العلم الشرعي.

6. يجعل “الحكمة صبغة” ويُعرفها بأنها اتخاذ الإجراء المناسب في الوقت المناسب بالقدر المناسب، ثم يقسمها إلى كسبي (فقه المناط والأولويات والموازنات) ووهبي (التقوى التي تُورث فرقانا)، ويستشهد بآيتي الأنفال 29 والبقرة 269. ثم يعرض المسالك التربوية الثلاثة:

1. يدعو إلى الدخول في “مجالس القرآن” بوصفها مجالس تلق وتدبر وتدارس تقوم بوظائف النبوة: تلاوة، تزكية، تعليم الكتاب والحكمة.

2. يقرر “بلاغ الرسالات” وأن المجتمع الإسلامي جماعة دعوية بطبيعته، ويميز بين بلاغ التخبير وبلاغ التبصير.

3. يقرر “رباط الفطرية” من صلوات وأوراد وأذكار وتروك، وينتقد الذكر العددي إذا انفصل عن الذكر المعنوي الذي يربط العبد بربه في الأقوال والأفعال والهيئات. ويضيف في هذا السياق شذرات تربوية قوية، مثل تحذيره من الكذب بوصفه خيانة رسالية، واستدعاؤه لحديث “عليكم بالصدق…” المتفق عليه.

6. يقدم أطروحة “التداول القرآني”:

يُعد مفهوم “التداول القرآني” من أخصب ما في الكتاب. يعرفه د. الأنصاري رحمه الله بأنه اشتغال شامل بالقرآن يعمر الحياة حتى يطغى على ما سواه تلاوة وتعلما وتدارسا وتدبرا وتزكية، ثم يقسمه إلى تداول اجتماعي يُحول القرآن إلى خلق وثقافة شعبية سارية، وتداول تربوي يُخرج “أهل القرآن” الحكماء الربانيين. ويستشهد بأثر الأنصار “القراء” وبعثهم لتعليم القرآن والسنة.

وتكمن قوة هذه الفكرة في أنها تُجيب عن سؤال العصر: كيف تُبنى مناعة اجتماعية ضد العولمة الثقافية والإعلامية؟ يجيب د. الأنصاري رحمه الله: يبنى ذلك حين يصير القرآن ذاكرة جمعية حية، وحين يتحول إلى معيار ذوق، لا إلى شعار يُرفع في الخطب فقط.

يُحسب له: إعادة مركزية “الإنسان القرآني” ضد اختزال التجديد في السياسة

يُحسن د. الأنصاري رحمه الله حين يجعل الإنسان أصل العمران، وحين يرد الشمولية إلى بناء العبودية والوجدان قبل الملفات السياسية. ويستند هذا المعنى إلى تقعيدات مقاصدية قوية يستحضرها من الشاطبي حين يقرر أن الشريعة جاءت لإخراج المكلفين عن دواعي الأهواء حتى يكونوا عبادا لله، ويستأنس أيضا بكلام بديع الزمان سعيد النورسي في تفاوت نسبة الأخلاق والعبادة عن السياسة داخل الشريعة كما أورده.

ويُنتج هذا الاتجاه ثمرة إصلاحية واضحة: يستعيد القلب مركز القيادة، ويستعيد المسجد ومجالس القرآن موقعهما في هندسة التجديد، ويجعل التربية معيارًا لصدق المشاريع.

يُحسب له: جرأة نقد المصطلح وفضح “الاعتذار اللاشعوري”

يقدم د. الأنصاري رحمه الله نقدًا مهمًا لـ”أنسنة الإسلام” ولتحول بعض الخطابات إلى اعتذار ضمني للغرب عبر استبطان معاييره وتقديم الإسلام بصفته قابلًا للإدماج في النظام العولمي. وينبه إلى أن الخطر صار على الولاء والوجدان، لا على الحدود فقط. ويُفيد هذا النقد في تقوية اليقظة المفهومية لدى الدعاة والمربين.

خاتمة

يمنحنا كتاب “الفطرية” ثلاث عناصر منهجية كبرى: يرد التجديد إلى إعادة بناء الإنسان لا إلى إدارة الصراع فقط؛ يرد إصلاح الفطرة إلى القرآن بوصفه مدرسة لا شعارًا؛ يعيد ترتيب المصطلحات والأولويات على ميزان العبودية والآخرة والحكمة.

ويفتح لنا في المقابل ثلاثة أسئلة تطويرية: كيف نُفكك ظاهرة الاستلاب تفكيكًا إجرائيًا؟ كيف نُركب بين الدعوة والمؤسسة دون تسييس؟ كيف نُحول خطاب الفطرة إلى مؤشرات تربوية قابلة للتطبيق؟

ويبقى الأثر الأعمق في هذا الكتاب أنه يستدعي القارئ إلى قلب المعركة: يضعه أمام سؤال بسيط في لفظه عظيم في تبعاته: هل نصنع العمران بصناعة الإنسان القرآني، أم نطارد العمران بأدوات تُعيد إنتاج التشوهات نفسها؟

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
16°
15°
الجمعة
15°
السبت
15°
أحد
16°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة