د.بوعلي: صدمة الانتماء

20 يناير 2026 18:11

هوية بريس – د.فؤاد بوعلي

الأحداث الدرامية التي عاشها المغاربة في نهاية كأس إفريقيا كانت مناسبة لاستعادة السؤال المحوري الذي يثار بين الفينة والأخرى: من نحن؟ هل المغاربة عرب أم أفارقة؟ أم يعيشون خارج الجغرافيا ولهم وجودهم الخاص؟

في كل فرصة يكون الاحتكاك العربي-العربي تجد من بيننا من يريد استغلال الصراع الكروي لفصل المغرب عن عمقه العربي تحت مزاعم أننا لا نمت للمشرق ولا للعروبة بصلة، وكأس العرب الأخيرة التي نظمتها قطر وما واكبها من أحداث وتجاذبات هوياتية خير دليل ، لدرجة أن بعض الهيئات، في مشهد مثير للسخرية، راسلت الفيفا من أجل مراجعة عنونة الكأس. واستمر الأمر مع التجاذب الإعلامي المغربي الجزائري في كأس إفريقيا وبعده المغربي المصري، خاصة مع بوادر نجاح التنظيم المغربي للكأس في صورة تنسخ الصور النمطية عن إفريقيا وتخلفها، ووصل الأمر بالبعض إلى ضرورة القطع مع العمق العربي الذي يعادينا، وبدأ ينتصر للعمق الإفريقي الذي تجمعنا معه قواسم التاريخ والجغرافيا. لكن حدث المباراة النهائية زلزل الأفهام فيما يشكل صدمة حقيقية، حيث اكتشف المغاربة أن السينغال التي كانوا يعتقدونها عمقهم العقدي والديني وبابهم القديم الجديد نحو جنوب الصحراء بدت بشكل مغاير، وبين ليلة وضحاها تحولت بلد مريدي الزاوية التيجانية والصداقة الأبدية إلى خصوم وأعداء. لذا بدأت السردية التي تريد جعل المغرب خارج الجغرافيا والتاريخ تتردد، وللأسف على أقلام بعض المثقفين الذي يستعيدون حديثا قديما للعروي حول كون المغرب جزيرة وينبغي أن يتصرف بهذا المنطق.

والواقع الذي لا يرتفع أن المغرب لم يكن في يوم من الأيام، ولن يكون ولو أراد ذلك، منفصلا عن عمقه العربي أو الإفريقي. والمنطق الجزري هو منطق خاطئ في قراءة التاريخ قبل الواقع. فمراجعة عرضية للخرائط الثقافية ستجد المغرب حاضرا باعتباره تارة ممرا لنفوذ، وتارة أخرى مصدرا له. فامتدادات الزاوية التيجانية التي ربطت المغرب بعمقه الإفريقي انطلقت من المغرب وشيوخها مغاربة ومازال يحج إلى فاس قبل الذهاب إلى الحرم. وامتدادات الخريطة اللغوية إلى جنوب الصحراء حيث العربية المنطلقة من المغرب حاضرة في عموم إفريقيا. والمذهب المالكي المنطلق من مراكش إلى مدن دارفور يدل على وجود خط الانتماء المشترك. هذا من حيث التاريخ. كما أن العلاقة مع عموم الأمة العربية الإسلامية أكبر من أن توصف أو تختزل. فعن أي جزيرة يتحدثون؟

إن بناء سردية وطنية بعيدة عن العمق الإفريقي والعربي هو انتحار هوياتي جديد وأن بناء ذاكرة جديدة داخل حدود سياسية مغلقة هو تصرف لاواقعي، أما ما وقع الآن بعد كأس الكان فله أسباب أخرى لا تتعلق بالهوية، بل بالتجييش الذي تستغل فيه قضايا الانتماء. ويكفي أن نلحظ كيف رد الإعلام المصري ، الذي ينبغي توجيه التحية والتقدير له، على مدرب منتخبهم لنستوعب أن إثارة النعرات هي جزء من حملة تضليل يقوم بها أشخاص ودول يزعجها الوجود المغربي في إفريقيا.

حينما بدأ الملك محمد السادس مسار الانفتاح والعودة إلى القارة الإفريقية كنت في حديث مع أحد الخبراء الأجانب بشؤون القارة وسألته عن رأيه الصريح من العودة فقال: الخوف ليس من الأفارقة فهم أهلنا لكن الخوف ممن ينزعج من وجود منافس قوي حضاريا وتاريخيا قبل أن يكون منافسا استراتيجيا.

فأرجو أن نحذر من الانزلاق إلى مستنقع الانغلاق والتطرف. ونحن جزء من قارتنا بمشاكلها وأفراحها وأحزانها وإنجازاتها، والكرة لها منطقها الخاص وليست معيارا للانتماء.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
12°
16°
الأربعاء
16°
الخميس
15°
الجمعة
14°
السبت

كاريكاتير

حديث الصورة