رد على فتوى “التدخين تعتريه الأحكام الخمسة”

03 يناير 2026 20:55

هوية بريس – إلياس الرشيد

إن الفتوى التي راجت هذه الأيام القائلة بأن التدخين تعتريه الأحكام الخمسة فتوى غير مسؤولة أخلاقيا ولا عرفيا ولا دينيا، لأنها تفتح باب الفوضى في تنزيل الأحكام، وتُسلم مسائل الدين إلى الأمزجة الشخصية التي تتقلب بتقلب أحوال الإنسان، بل إن ضررها الأعظم أن كثيرا ممن كان يتعاطى التدخين ويعتقد تحريمه، ويستغفر الله ويسأله العفو والعافية إذا قيل له “خصك تقطع الگارو أفلان” قال: “الله يعفو علينا”، فعلى هذه الفتوى لن يطلب العفو من مولاه لأنه يتعاطى مباحا، فيتحول الذنب المستشعر إلى سلوك مسوغ له باسم الفقه.

ثم نقول: وهل يجري هذا الحكم على النساء؟ فإن قال لا، نقض قوله. لأن النساء شقائق الرجال في الأحكام، وإن قال نعم، لزمه أن تدخل في النفقة الواجبة على الرجل.

فإن ادعى أن بعض الأعلام في القرون الماضية قد أباحوه فذلك قبل ظهور أضراره وشيوع فساده الثابت بإجماع أهل الطب.

ولذلك فإن زعمه أن حكم التدخين تعتريه الأحكام الخمسة على جهة الإطلاق مبني على خلط فادح بين تغير الحكم بتغير الأوصاف الخارجة، وبين تقلب الحكم على عين الفعل مع ثبوت علته، وهذا عند الأصوليين باطل قطعا، إذ القاعدة المحكمة أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، وأن العلة إذا ثبتت واستقرت امتنع اختلاف الحكم معها. وقد تقرر بالحس والتجربة والطب أن التدخين مفسدة غالبة متحققة الضرر في النفس والمال، فاستقرت علة المنع فيه، ومع استقرارها يستحيل أصوليا إلحاقه تارة بالوجوب أو الندب أو الإباحة، لأن ذلك نقض للتعليل وإبطال لمسالك الاستدلال وجعل للأحكام الشرعية تابعة للأحوال الذوقية لا للعلل المنضبطة، وهو مسلك مردود عند أهل التحقيق لا يلتفت إليه.

وقد يحاول المعترض الاحتجاج بأصل تغير الأحكام بتغير الأحوال والأشخاص، فيقال إن الفعل الواحد قد يختلف حكمه باختلاف الفاعل أو الحال. وهذا أصل صحيح في نفسه، لكن محله فيما لا تستقر فيه علة واحدة منضبطة، أما إذا ثبتت علة الإضرار الغالب بالنفس والمال فلا يبقى مجال لتقلب الحكم، لأن تغير الأشخاص لا يرفع العلة.

وقد يحتج كذلك بأصل اعتبار المقاصد والنيات، فيقال إن القصد قد يؤثر في الحكم، وهذا مردود هنا، لأن المقاصد لا تبيح المحظورات مع قيام علة التحريم، والنية لا تقلب المفسدة مصلحة ولا ترفع حكما مبنيا على علة ذاتية في الفعل.

وقد يستدل أيضا بأصل تنوع الحكم بتنوع الوصف الطارئ، كأن يقال إن الضرر ليس متحققا في كل صورة. وهذا الاعتراض إنما يصح لو كان الضرر مشكوكا أو موهوما، أما مع كونه غالبا ثابتا فإن الشارع يبني الحكم على الغالب لا على النادر، كما هو مقرر عند أهل الأصول.

وعليه فإن الأصل القائل بدوران الحكم مع علته لا يعارض هنا بأصل معتبر، لأن الأصول الأخرى إنما تعمل قبل استقرار العلة لا بعدها. فإذا استقرت علة المنع سقطت دعوى تعارض الأصول، وعاد القول بتعدد الأحكام الخمسة إلى كونه خللا في تنزيل الأصول لا اختلافا معتبرا فيها.

ثم إن لازم هذا القول أن يكون التدخين واجبا، بل ومن باب أولى مستحبا في بعض صوره، ولهذا لم يجد القائل به ما يمثل به في حالتي الوجوب والاستحباب.

ولازمه كذلك فتح الباب لإجراء هذا التأصيل نفسه على المخدرات، فيقال تعتريها الأحكام الخمسة، وهو لازم باطل يكشف فساد الأصل، إذ اللوازم الفاسدة دليل على فساد الملزوم.

وهذا من دقائق الفرق بين تعارض الأصول وسوء استعمال الأصول، وهو فرق يغيب عن كثير ممن يتكلم في هذا الشأن، فيحسب الخلل سعة فقهية، وما هو إلا اضطراب منهجي في تنزيل القواعد وأصول المالكية في الاستدلال. إذ أنه خرم قاعدة العرف والمصلحة المرسلة والضرر يزال وغيرها من أصول المذهب الذي ينتمي إليه المفتي وفقه الله.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
14°
13°
الثلاثاء
13°
الأربعاء
14°
الخميس
15°
الجمعة

كاريكاتير

حديث الصورة