طرد المهاجرين الدعوة السفيهة

هوية بريس – د.عبد الحميد بنعلي
أعلم يقينا أن الدعوة التي راجت مؤخرا بطرد المهاجرين المقيمين في المغرب هي أولا ليست دعوة رسمية، فالسياسة المغربية مع المهاجرين سياسة واضحة المعالم، تقوم على حسن الضيافة وحسن الاستقبال والمساهمة في إيواء المهجرين وانتشالهم من ويلات الحروب والفقر.
وأعلم ثانيا: أن هذه دعوة لا تمت لأخلاق المغاربة بصلة، فالانسان المغربي مجبول فطريا على حب الغريب، وتقديمه على القريب، حتى غدا من أمثال المغاربة (الله يعطينا زهر البراني) والبراني هو الغريب.
إنما هذه دعوة لها سياقها المبرر، أو المتفهم على الأقل.
لكنها مناسبة لتذكير أصحاب هذه الدعوات بشؤم طرد (الأجانب) وأن عاقبة ذلك غالبا ما تكون وخيمة جدا.
فإيواء الغريب، وإعطاؤه حقوقه مما أمر الله به في كتابه الكريم، وعلى لسان نبيه الأمين صلى الله عليه وسلم، فإذا كان هذا الغريب مسلما كان حقه أعظم.
1- فالله تعالى أمر المؤمنين المستضعفين بالهجرة إلى بلاد الله الآمنة {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} (لاحظ أنه قال: أرض الله ولم يقل أرض الاسلام).
2- ثم أمر المؤمنين باستقبال هؤلاء المهاجرين، وأثنى على الأنصار بحسن هذا الاستقبال {والذين تبوؤوا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر اليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويوثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون}.
3- وأوجب على جماعة المؤمنين اذا كان المهاجرون نسوة أن يحسنوا اليهن غاية الاحسان، ويتزوجوهن، ويردوا على ازواجهن المشركين مهورهم {يأيها النبيء اذا جاءك المومنات مهاجرات فامتحنونهن، الله أعلم بإيمانهن، فإن علمتموهن مومنات فلا ترجعوهن الى الكفار لا هن حل لهن ولا هم يحلون لهن وءاتوهم ما انفقوا ولا جناح عليكم ان تنكحوهن اذا ءاتيتموهن أجورهن} الآيات الكريمات.
4- والقرآن الكريم يخبرنا بوضوح عن شؤم طرد الضعفاء والتضييق عليهم نجد ذلك في قصة أصحاب الجنة (المزرعة الكبيرة) الذين توافقوا على حرمان المساكين لينفردوا بغلات هذه الجنة، وأقسموا بالله على ذلك فكانت العاقبة كما قال الله تعالى {فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم} والمعنى أن الله تعالى أرسل على تلك الجنة جائحة بالليل فإذا هي كالصريم وهو الليل الاسود كناية على دمارها وعدم صلوحية شيء منها للأكل والارتفاق.
5- وهذا نوح عليه السلام حينما فاوضه قومه على الإسلام، وشرطوا عليه أن يطرد عنه الضعفاء الذين سموهم أراذل، قال لهم: {ويقوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون} {ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذن لمن الظالمين}.
6- ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم يوصيه ربه في سورة الكهف التي نتلوها كل جمعة خيرا بالضعفاء والمساكين ويأمره بالإقبال عليهم وعدم الالتفات عنهم {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا}.
7- وينهاه في سورة الأنعام عن طرد هؤلاء المساكين، ويحذره من ذلك أشد الحذر {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين}.
8- والتاريخ يعلمنا أن الدول التي أوت الأجانب حلت بها البركات وعمها الخير من كل الجهات، والعكس بالعكس، من أمثلة ذلك في القديم: ملك الحبشة فإنه أكرم المهاجرين من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأمنهم من عدوهم، وقبل لجوءهم اليه، فأكرمه الله تعالى غاية الإكرام، وأدام ملكه، وأخصب أرضه، وختم له بالإسلام، وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وحلت البركات بالحبشة حتى دخل منهم الملايين في دين الاسلام أفواجا.
ومن أمثلته في العصر الحديث: دول الخليج التي تؤوي بين جنباتها ملايين المهاجرين والمهجرين حتى انهم أكثرية في بعض البلاد ! فأغدق الله على هذه الدول خيرات غير منقطعة وجعل أنهار البترول والغاز تجري من تحتهم، وأهوى اليهم قلوبا وأفئدة حتى نهضت الجزيرة العربية نهضة اشبه بالخيال في زمن أشبه بالمحال.
9- كما نجد في عكس هذا أن من طردوا المهاجرين وتعسفوا عليهم عجل الله لهم بالعقاب، ومن أمثلة ذلك في القديم: ما كان من حاكم بصرى في ارض الشام، فقد اغتالت جنوده سفير النبي صلى الله عليه وسلم اليهم الحارث بن عمير الازدي، فشتت الله شمله، وكان ذلك سبب غزوة مؤتة الشهيرة. وكذلك فعل كسرى حاكم الفرس، مزق كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، وسجن سفيره وهم بقتله، فمزق الله ملكه، ولم تقم للفرس بعد ذلك قائمة.
10- أخيرا: فالوحي يعلمنا أن الخير يحل بالانسان اذا هو أحسن الى الضعفاء كما في الحديث: (وهل ترزقون وتنصرون وتمطرون إلا بضعفائكم) وروى الحاكم في مستدركه عن أنس بن مالك، قال: كان أخوان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فكان أحدهما يأتي النبي صلى الله عليه وسلم والآخر يحترف، فشكا المحترف أخاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «لعلك ترزق به».
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ورواته عن آخرهم أثبات ثقات، ولم يخرجاه» وصححه الترمذي والالباني
————————–
أخيرا ففي النفس كلام كثير حول هذا لكن وقت الصلاة قد أزف، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.



