عندما تجيب الأقدار على تحديات الاستكبار

هوية بريس – د.ميمون نكاز
عندما يبلغ الطغيان سقف الجنون باغتراره بإمكاناته ويتعالى الاستكبار بقوته الأشد وجبروته الأظلم وإفساده الكبير يقضي الله بأقداره العقابية والزجرية عليه، من ذلك ما نتلوه ونقرأه من سورة “فصلت”: ﴿فَإِنۡ أَعۡرَضُوا۟ فَقُلۡ أَنذَرۡتُكُمۡ صَـٰعِقَة مِّثۡلَ صَـٰعِقَةِ عَاد وَثَمُودَ، إِذۡ جَاۤءَتۡهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَیۡنِ أَیۡدِیهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا تَعۡبُدُوۤا۟ إِلَّا ٱللَّهَۖ قَالُوا۟ لَوۡ شَاۤءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائكَة فَإِنَّا بِمَاۤ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَـٰفِرُون، فَأَمَّا عَاد فَٱسۡتَكۡبَرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ بِغَیۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ، أَوَلَمۡ یَرَوۡا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِی خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّة وَكَانُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا یَجۡحَدُونَ، فَأَرۡسَلۡنَا عَلَیۡهِمۡ رِیحا صَرۡصَرا فِیۤ أَیَّام نَّحِسَات لِّنُذِیقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡیِ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡـَٔاخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا یُنصَرُونَ، وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَیۡنَـٰهُمۡ فَٱسۡتَحَبُّوا۟ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ فَأَخَذَتۡهُمۡ صَـٰعِقَةُ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡهُونِ بِمَا كَانُوا۟ یَكۡسِبُونَ، وَنَجَّیۡنَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ یَتَّقُونَ﴾ [فصلت13-18]…
والمثير للتعقل في هذه الأقضية والزواجر القدرية أنها ليست مما يتوعد به في الموهومات الدينية الوعدية للمستضعفين والمظلومين، كما يتفكه اللادينيون والملحدون، وليست مما هو معلوم باليقين الإخباري في الوحي الشريف للأنبياء والرسل ومن هو جار على هُداهم في الخلق فقط، ولكنها مما “يُرَى” و”يُشاهد” في مجاري الوقائع والأحداث، ولا تُبصَرُ ولا يُدرَكُ تأويلُها إلا في أحيان نزولها وانكشاف سننها في المستكبرين المغترين بطغيانهم المفتونين بقوتهم الأشد، كما هو وارد منصوص في سياق الآيات السابقة، التي نجد لها أمثالا كثيرة مبثوثة في الوحي الشريف كله…
قد لا يتحقق التماثل في القدرة والتكافؤ في القوة بين المستكبرين والمستضعفين، لذلك تأتي “النوازل القدرية” في الحين الذي تقضي به “حكمة التدبير الإلهي” مما يتجاوز “حدود الإدراك العقلي”… لا يعفي ذلك المستضعفين من واجب “مقاومة الاستكبار” باستجماع “إمكانات القوة” المقدورة لهم، بل إن الأقدار الإلهية موصولة بالكسب البشري…
{وجاهدهم به جهادا كبيرا} [الفرقان52]:
من لم يدرك الدلالات الآفاقية “لِقيمةِ الجهادِ الكلية” المنصوص عليها في الآية الشريفة، فلا يحق له أن يُعَرِّضَ بحديثنا عن مركزية هذه القيمة وهذا المطلب في الوجود الإسلامي بل الإنساني، إذ اعتراضه التعريضي مبني على اختزال لمطلوب الجهاد الذي نقصده، ولكن كما توهمه في سوء تأويله لكلامنا، فهو يجادلنا على أساسه، وإذ هو -كذلك- لم يمنح نفسه فرصة استيعاب ما يقرأ، اقرأ بأناة، وافهم بعمق، ثم أجلب بخيل النقد ورَجْلِ المعارضة… الجهاد عندنا عنوان شرعي كلي ينطبق على كل الأفعال الاستفراغية للإمكانات والقدرات والطاقات في كل مجالات الحياة وفي كل ثغور الإعمار الحضاري، ومن مصاديق عنوانه الكلي “الجهاد القتالي” الذي إذا أطلق اللفظ به انصرف العقل إلى إرادته وقصده…
﴿وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِی كُلِّ قَرۡیَة نَّذِیرا، فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَـٰفِرِینَ وَجَـٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادا كَبِیرا} [الفرقان51-52]، أقول: القرآن الكريم كتاب جهاد بالدلالة الجامعة المستغرقة لكل “أفعال المجاهدة” للواقع الإنساني بالحق والعدل والخير والقسط…



