عندما يُهدَّدُ كشف التضليل الصحي بالقضاء

عندما يُهدَّدُ كشف التضليل الصحي بالقضاء
هوية بريس – عبد الإله الرضواني
منذ فترة، صرت أخصّص جزءًا من وقتي لنشر فيديوهات ومحتوى توعوي على وسائل التواصل الاجتماعي، أحاول من خلالها تصحيح بعض القناعات الخاطئة المنتشرة بين الناس، وكشف أساليب التضليل التي يستخدمها بعض من يقدّمون أنفسهم كخبراء في مجال الصحة والتغذية. كما أحاول كذلك نشر مقالات في بعض المنابر الإعلامية الوطنية، في الاتجاه نفسه، إيمانًا بأن مواجهة هذا التيار من التضليل الصحي تحتاج حضورًا علميًا مستمرًا في المجالين الرقمي والصحفي معًا، حتى لا يُترك الفضاء العام أسيرًا للادعاءات بلا رقيب ولا دليل. ما أقوم به ليس سوى محاولة بسيطة لإعادة الاعتبار للعلم ولمنهجية الدليل في فضاءٍ صار يعجّ بمن يبيعون الوهم والسراب، ويستغلّون جهل المواطنين وثقتهم من أجل تسويق منتجات أو مكملات أو علاجات لا أساس لها سوى تحقيق الربح وأكل أموال الناس بالباطل.
روت لي إحدى الزميلات، وهي خبيرة في التغذية وأستاذة جامعية، قصتها مع إحدى المتطفلات على هذا المجال؛ ناشطة على مواقع التواصل الاجتماعي رفعت ضدها دعوى تشهير بعدما نشرت الزميلة فيديو يحذّر من خلطاتها ونصائحها التي تفتقر إلى الأساس العلمي وتعتمد فقط على تجربة شخصية، فاستحضرتُ فورًا موقفًا مشابهًا مررت به قبل مدة غير بعيدة.
كنتُ قد نشرت آنذاك فيديو انتقدتُ فيه محتوى لسيدة تروّج لمكمّل غذائي لإحدى الشركات، وتقدّمه للرأي العام بوصفه علاجًا لأمراض محددة، مؤكدةً أنه “طبيعي” و”خضع لتجارب سريرية”، مع توظيف لغة توحي بالعلاج والشفاء. لم يكن هدفي التشهير أو تصفية الحسابات أو الاستهداف الشخصي، بل تفكيك خطاب مضلِّل يخلط عمدًا بين المكمّلات الغذائية والدواء، ويستعير مفردات العلم خارج شروطه ومعاييره، في فضاء هشّ تغلب فيه الحاجة إلى الأمل على ترسّخ ثقافة الدليل.
بعد نشر الفيديو بمدة، اتصلت بي سيدة، ليس من أجل نقاش علمي، أو طرح اعتراض على مضمون التحليل، أو على صحة المعطيات التي أوردتها، بل هدّدتني صراحة بان الشركة سترفع دعوى قضائية بتهمة التشهير إن لم أحذف المحتوى. ووفقًا لما قُدّم في ذلك الاتصال، يبدو أن السيدة على صلة مهنية من نوع ما بزميلتها المعنية بالنقد. أذكر هذا لا للاتهام، بل لتوضيح الصورة: الضغط لم يكن بهدف تصحيح المعلومة، بل لحماية خطاب تسويقي خلف واجهة التوعية.
لم أحذف الفيديو، لا بدافع العناد، بل لأن حذف المادة تحت التهديد يعني القبول بتحويل القضاء إلى أداة لإسكات النقد المشروع، وإقرار واقعٍ يتيح لأصحاب القوة الاقتصادية والتنظيمية فرض الصمت على من يملك المعرفة فقط. وأنا شخصيًا اخترتُ عدم السكوت لأنني أعي حجم الدمار الذي يسببه هؤلاء الدجّالون للمرضى، وأدرك أن السكوت أمام هذا النوع من التضليل ليس حيادًا، بل تواطؤًا صامتًا. فالأذى الذي تلحقه الاباطيل بالناس ليس مجازيًا، بل واقعي ومؤلم، ومسؤوليتي الأخلاقية والعلمية تفرض عليّ أن أقول الحقيقة مهما كانت مزعجة، لأن حماية المواطن من الدجل ليست خيارًا، بل واجبًا.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في الحادثة الفردية، بل في الصمت الذي يحيط ما يقع على مواقع التواصل الاجتماعي، وحتى في الإذاعات الوطنية، من تضليل في ميدان الصحة. صمت الهيئات المهنية، وصمت الجهات التنظيمية، وصمت المؤسسات المكلفة بمراقبة الخطاب الصحي الموجّه للعموم. هذا الصمت ليس حيادًا، بل تواطؤ بالصمت، لأنه يصنع فراغًا تتغذى فيه الفوضى، فيتحول المؤثر إلى خبير، والتجربة الشخصية إلى بروتوكول علاجي، والمكمّل الغذائي إلى علاج.
في مثل هذا المناخ، يُترك المختص وحيدًا. الطبيب الذي يصحّح، والباحث الذي يطالب بالدليل، وخبير التغذية الذي يفنّد الادعاءات، جميعهم يُدفعون نحو الهامش، بل نحو الخوف. في المقابل، منتحلو صفات المهنيين الصحيين يتحركون بثقة، لأنهم يعرفون أن أقصى ما قد يواجهونه هو مقال نقدي أو فيديو توعوي يمكن إسكاتُه باتصال أو تهديد.
لم تعد القضية اليوم عن حرية التعبير، بل عن اختلال في ميزان القوة. من يملك المال والمنصّة يستطيع التهديد والضغط، ومن يملك المعرفة وحدها يُطالَب بالصمت تفاديًا للمشاكل. بهذا الأسلوب، يُختطف مفهوم التشهير من معناه القانوني. فالتشهير، في جوهره، يفترض الكذب، بينما ما يُجرَّم اليوم هو قول الحقيقة حين تصير مزعجة، وتصحيح المغالطات عندما تمس مصالح تجارية.
وهنا لا بد من قول الأمور كما هي: الهيئات المهنية في الصحة تتحمل مسؤولية مباشرة. تتحملها لأنها اكتفت بدور المتفرّج، وتركت فضاء التواصل العام مرتعًا لتسويق الوهم. لا معنى للحديث عن التوعية الصحية بينما يُترك من يوعي بلا حماية قانونية أو مؤسسية، ولا قيمة لشعارات الأخلاقيات المهنية إن لم تقترن بآليات واقعية تحمي الممارسين من الضغط والترهيب.
ما نحتاجه اليوم ليس بيانات رمزية ولا بلاغات عمومية، بل إرادة مؤسساتية لمساءلة منتحلي الصفة، ومحاسبة من يقدّم ادعاءات علاجية بلا ترخيص أو دليل، ووضع حدود واضحة بين التثقيف الصحي والتسويق المقنّع. في المقابل، يجب أن يُعلن بوضوح أن تصحيح المعلومة الصحية حق مشروع، وأن الدفاع عن الحقيقة العلمية واجب مهني، وأن استعمال القضاء لإسكات الرأي العلمي خط أحمر.
كما أنني أوجّه نداءً صريحًا إلى كل المهنيين الصحيين والباحثين في مجالات الطب والتغذية والعلوم الحيوية للخروج إلى فضاءات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، والمشاركة الفاعلة في حماية المواطنين، مرضى وغير مرضى، من موجات الدجل الصحي التي تغزو الفضاء العام. فالمعركة على الحقيقة العلمية لم تعد حكرًا على قاعات البحث والمؤتمرات ومدرجات الجامعات، بل صارت في ساحات مفتوحة، حيث صوت العالِم الصادق بات ضرورة لحماية المجتمع من التسويق المقنّع والخرافة الصحية.
إذا استمر هذا الصمت، فالنتيجة معروفة سلفًا: سيصمت المختصون، لا لأنهم على خطأ، بل لأن كلفة الكلام فاقت طاقتهم على الاحتمال، وسيتكلم من لا يملك تأهيلاً، لا لأنه على صواب، بل لأن الطريق أمامه مفتوح بلا رقيب. عندها، لن تكون المسؤولية أخلاقية فحسب، بل مؤسساتية كاملة عن كل مريض خُدع، وكل ضرر صحي كان يمكن تفاديه لو قامت المؤسسات بدورها.
إن هذه المعركة، بين العلم والدجل، بين المسؤولية والاسترزاق، ليست ظرفية ولا شخصية، بل اختبار حقيقي لدور الهيئات الصحية في المغرب. فإما أن تكون المؤسسات في صف الحقيقة وحماية المواطن، أو تظل حاضرة فقط عندما تكون المواجهة بلا كلفة. في هذه اللحظة الحرجة، لا يكون الصمت حيادًا، بل تقاعسًا مقنّعًا بالصمت. وحين يصمت أصحاب المعرفة خوفًا، ويستمر صناع الوهم في المتاجرة بمآسي المرضى، يفقد المجتمع أحد أهم مقومات مناعته: الثقة في العلم، والإيمان بدور المؤسسات في حماية المواطن الضعيف، وهذا ما لا نريده لمجتمعنا.



